قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ ﴿ ﴾ ﴿ ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في وعِيدِ المُشْرِكِينَ وفي وعْدِ المُوَحِّدِينَ، عادَ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ عَبْدَةِ الأصْنامِ، وبَنى هَذا التَّزْيِيفَ عَلى أصْلَيْنِ:
الأصْلُ الأوَّلُ: هو أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مُقِرُّونَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ العِلْمَ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ جُمْهُورِ الخَلائِقِ لا نِزاعَ بَيْنَهم فِيهِ، وفِطْرَةُ العَقْلِ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ هَذا
صفحة ٢٤٦
العِلْمِ، فَإنَّ مَن تَأمَّلَ في عَجائِبِ أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي عَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ خاصَّةً، وفي عَجائِبِ بَدَنِ الإنْسانِ وما فِيهِ مِن أنْواعِ الحِكَمِ الغَرِيبَةِ والمَصالِحِ العَجِيبَةِ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ.
والأصْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإقْرارِ بِوُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ عِبادَةُ اللَّهِ كافِيَةً، وكانَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ كافِيًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ فَإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ لَمْ يَلْتَفِتِ العاقِلُ إلى تَخْوِيفِ المُشْرِكِينَ، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو التَّنْبِيهَ عَلى الجَوابِ عَمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ ﴾“، وقُرِئَ: ”كاشِفاتٌ ضُرَّهُ“، و”مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ“ بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وبِالإضافَةِ لِلتَّخْفِيفِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قَوْلُهُ: ﴿﴾ و﴿﴾ عَلى التَّأْنِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ ؟ قُلْنا: المَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ ضَعْفِها، فَإنَّ الأُنُوثَةَ مَظِنَّةُ الضَّعْفِ، ولِأنَّهم كانُوا يَصِفُونَها بِالتَّأْنِيثِ، ويَقُولُونَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، ولَمّا أوْرَدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الحُجَّةَ الَّتِي لا دَفْعَ لَها قالَ بَعْدَهُ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ: ﴿ ﴾ أيْ: أنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِكم أنَّكم في نِهايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ فاجْتَهِدُوا في أنْواعِ مَكْرِكم وكَيْدِكم، فَإنِّي عامِلٌ أيْضًا في تَقْرِيرِ دِينِي: ﴿ ﴾ أنَّ العَذابَ والخِزْيَ يُصِيبُنِي أوْ يُصِيبُكم، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّخْوِيفُ.