صفحة ١٦
﴿ ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ ﴾ [الزمر: ٣٧]، وجُمْلَةِ قُلْ ﴿ ﴾، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ ﴾ [الزمر: ٣٦] وهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ ﴾، لِأنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّوْطِئَةَ إلَيْهِ بِما لا نِزاعَ فِيهِ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في عَظائِمِ الأُمُورِ، أيْ خَلْقِهِما وما تَحْوِيانِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.
* * *
”﴿ ﴾“ .
جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿ ﴾ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُقاوَلَةِ والمُجاوَبَةِ لِكَلامِهِمُ المَحْكِيِّ بِجُمْلَةِ ﴿ ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الثّانِيَةُ بِالواوِ ولا بِالفاءِ، والمَعْنى: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَقُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلَخْ. والفاءُ مِن (أفَرَأيْتُمْ) لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى جَوابِهِمْ تَفْرِيعًا يُفِيدُ مُحاجَّتَهم عَلى لازِمِ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ﴾ [الزمر: ٦٤]، وهَذا تَفْرِيعُ الإلْزامِ عَلى الإقْرارِ، والنَّتِيجَةُ عَلى الدَّلِيلِ فَإنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ يَلْزَمُهم أنْ يُقِرُّوا بِأنَّهُ المُتَصَرِّفُ فِيما تَحْوِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ. والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ أفَظَنَنْتُمْ.
وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَفْعُولُ (رَأيْتُمُ) الأوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ سَدَّ مَسَدَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ المُعْتَرِضُ بَعْدَ المَفْعُولِ الأوَّلِ عَلى قاعِدَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عِنْدَ اجْتِماعِ مُبْتَدَأٍ وشَرْطٍ أنْ يَجْرِيَ ما بَعْدَهُما عَلى ما يُناسِبُ جُمْلَةَ الشَّرْطِ لِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِأفْعالِ القُلُوبِ في مَعْنى المُبْتَدَأِ.
صفحة ١٧
وجُمْلَةُ ﴿ ﴾ جَوابُ (إنْ)، واسْتِعْمالُ العَرَبِ إذا صُدِّرَ الجَوابُ بِأداةِ اسْتِفْهامٍ غَيْرِ الهَمْزَةِ يَجُوزُ تَجَرُّدُهُ عَنِ الفاءِ الرّابِطَةِ لِلْجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ﴾ [الأنعام: ٤٧]، ويَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣] . فَأمّا المُصَدَّرُ بِالهَمْزَةِ فَلا يَجُوزُ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ كَقَوْلِهِ ﴿ ﴾ [العلق: ١٣] ﴿ ﴾ [العلق: ١٤] .
وجَوابُ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفاتٍ ضُرَّهُ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو إنْكارِيٌّ إنْكارًا لِهَذا الظَّنِّ.
وجِيءَ بِحَرْفِ (هَلْ) في جَوابِ الشَّرْطِ وهي لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أيْضًا تَأْكِيدًا لِما أفادَتْهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعَ ما في (هَلْ) مِن إفادَةِ التَّحْقِيقِ. وضَمِيرُ (هُنَّ) عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ الضَّمائِرُ المُؤَنَّثَةُ الوارِدَةُ بَعْدَهُ ظاهِرَةً ومُسْتَتِرَةً، إمّا لِأنَّ ماصَدَقَ (ما) المَوْصُولَةُ هُنا أحْجارٌ غَيْرُ عاقِلَةٍ وجَمْعُ غَيْرِ العُقَلاءِ يَجْرِي عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ، ولِأنَّ ذَلِكَ يُصَيِّرُ الكَلامَ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُوَجَّهِ بِأنَّ آلِهَتَهم كالإناثِ لا تَقْدِرُ عَلى النَّصْرِ.
والكاشِفاتُ: المُزِيلاتُ، فالكَشْفُ مُسْتَعارٌ لِلْإزالَةِ بِتَشْبِيهِ المَعْقُولِ وهو الضُّرُّ بِشَيْءٍ مُسْتَتِرٍ، وتَشْبِيهُ إزالَتِهِ بِكَشْفِ الشَّيْءِ المَسْتُورِ، أيْ إخْراجِهِ، وهي مَكْنِيَّةٌ والكَشْفُ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ.
والإمْساكُ أيْضًا مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الرَّحْمَةِ بِما يُسْعَفُ بِهِ، وتَشْبِيهُ التَّعَرُّضِ لِحُصُولِها بِإمْساكِ صاحِبِ المَتاعِ مَتاعَهُ عَنْ طالِبِيهِ.
وعَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الإرادَةِ لِلضُّرِّ والرَّحْمَةِ، إلى تَعْدِيَتِهِ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ذاتِ المَضْرُورِ والمَرْحُومِ مَعَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الإراداتِ المَعانِي دُونَ الذَّواتِ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنْ أرادَ ضُرِّي أوْ أرادَ رَحْمَتِي فَحَقُّ فِعْلِ الإرادَةِ إذا قُصِدَ تَعْدِيَتُهُ إلى شَيْئَيْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو المَفْعُولُ، وأنْ يَكُونَ ما مَعَهُ مُعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ، نَحْوَ أرَدْتُ خَيْرًا لِزَيْدٍ، أوْ أرَدْتُ بِهِ خَيْرًا، فَإذا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ قَصَدَ بِهِ
صفحة ١٨
الِاهْتِمامَ بِالمُرادِ بِهِ لِإيصالِ المُرادِ إلَيْهِ حَتّى كَأنَّ ذاتَهُ هي المُرادُ لِمَن يُرِيدُ إيصالَ شَيْءٍ إلَيْهِ، وهَذا مِن تَعْلِيقِ الأحْكامِ بِالذَّواتِ. والمُرادُ أحْوالُ الذَّواتِ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها. ونَظْمُ التَّرْكِيبِ: إنْ أرادَنِي وأنا مُتَلَبِّسٌ بِضُرٍّ مِنهُ أوْ بِرَحْمَةٍ مِنهُ، قالَ عَمْرُو بْنُ شاسٍ:
أرادَتْ عِرارًا بِالهَوانِ ومَن يُرِدْ عِرارًا لَعَمْرِي بِالهَوانِ فَقَدْ ظَلَمْ
وإنَّما فَرَضَ إرادَةَ الضُّرِّ وإرادَةَ الرَّحْمَةِ في نَفْسِهِ دُونَ أنْ يَقُولَ: إنْ أرادَكم، لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى ما خَوَّفُوهُ مِن ضُرِّ أصْنامِهِمْ إيّاهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ ﴾ و﴿ ﴾ بِإضافَةِ الوَصْفَيْنِ إلى الِاسْمَيْنِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِتَنْوِينِ الوَصْفَيْنِ ونَصْبِ ”ضُرِّهِ“ و”رَحْمَتِهِ“ وهو اخْتِلافٌ في لَفْظِ تَعَلُّقِ الوَصْفِ بِمَعْمُولِهِ والمَعْنى واحِدٌ.
ولَمّا ألْقَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الحَجَرَ وقَطَعَهم فَلا يُحِيرُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ ﴿ ﴾، وإنَّما أُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ ولَمْ يَنْتَظِمْ حَسْبِيَ اللَّهُ في جُمْلَةِ الأمْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المَأْمُورَ بِأنْ يَقُولَهُ لَيْسَ المَقْصُودَ تَوْجِيهُهُ إلى المُشْرِكِينَ فَإنَّ فِيما سَبَقَهُ مُقْنِعًا مِن قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأصْنامِهِمْ، وإنَّما المَقْصُودُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ شِعارَ النَّبِيءِ ﷺ في جَمِيعِ شُئُونِهِ، وفِيهِ حَظٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ حاصِلٌ مِن قَوْلِهِ﴿ ﴾ قالَ تَعالى ”﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]“، فَإعادَةُ فِعْلِ قُلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ هَذا الغَرَضِ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ.
والحَسْبُ: الكافِي. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في آلِ عِمْرانَ.
وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لِعُمُومِ المُتَعَلِّقاتِ، أيْ حَسْبِيَ اللَّهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ حالٍ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ اعْتِقادُهُ، ثُمَّ تُذَكُّرُهُ، ثُمَّ الإعْلانُ بِهِ لِتَعْلِيمِ المُسْلِمِينَ وإغاظَةِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ١٩
والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ أُمُورِ المُفَوِّضِ إلى مَن يَكْفِيهِ إيّاهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ عَلَيْهِ ﴿ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا أُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ تَذَكُّرًا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وتَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّها أعَمُّ مِنها بِاعْتِبارِ القائِلِينَ لِأنَّ حَسْبِيَ اللَّهُ يَئُولُ إلى مَعْنى: تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ، أيْ حَسْبِيَ أنا وحَسْبُ كُلِّ مُتَوَكِّلٍ، أيْ كُلِّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ويَعْتَمِدُ عَلى كِفايَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَتَعْرِيفُ ”المُتَوَكِّلُونَ“ لِلْعُمُومِ العُرْفِيِّ، أيِ المُتَوَكِّلُونَ الحَقِيقِيُّونَ إذْ لا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى خاطَبَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِأنْ يَقُولَهُ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِقَوْلِ حَسْبِيَ اللَّهُ، أيِ اجْعَلِ اللَّهَ حَسْبَكَ، لِأنَّ أهْلَ التَّوَكُّلِ يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ وهُمُ الرُّسُلُ والصّالِحُونَ وإذْ قَدْ كُنْتَ مِن رَفِيقِهِمْ فَكُنْ مِثْلَهم في ذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى يَتَوَكَّلُ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِأنَّ أهْلَ التَّوَكُّلِ الحَقِيقِيِّينَ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذا اعْتَمَدُوا في أُمُورِهِمْ عَلى أصْنامِهِمْ.