All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nisāʾ 4:147 Juzʾ 5 Page 101

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها تَغْلِيظاتٌ عَظِيمَةٌ عَلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى شَرَطَ في إزالَةِ العِقابِ عَنْهم أُمُورًا أرْبَعَةً:

أوَّلُها: التَّوْبَةُ.

وثانِيها: إصْلاحُ العَمَلِ، فالتَّوْبَةُ عَنِ القَبِيحِ، وإصْلاحُ العَمَلِ عِبارَةٌ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَسَنِ.

وثالِثُها: الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ؛ وهو أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ مِنَ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى لا طَلَبَ مَصْلَحَةِ الوَقْتِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَطْلُوبُهُ جَلْبَ المَنافِعِ ودَفْعَ المَضارِّ لَتَغَيَّرَ عَنِ التَّوْبَةِ وإصْلاحِ العَمَلِ سَرِيعًا، أمّا إذا كانَ مَطْلُوبُهُ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى وسَعادَةَ الآخِرَةِ والِاعْتِصامَ بِدِينِ اللَّهِ بَقِيَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ولَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْها.

ورابِعُها: الإخْلاصُ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم:

أوَّلًا: بِتَرْكِ القَبِيحِ.

وثانِيًا: بِفِعْلِ الحَسَنِ.

وثالِثًا: أنْ يَكُونَ غَرَضُهم في ذَلِكَ التَّرْكِ والفِعْلِ طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

ورابِعًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَرَضُ وهو طَلَبُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى خالِصًا وأنْ لا يَمْتَزِجَ بِهِ غَرَضٌ آخَرُ.

فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الشَّرائِطُ الأرْبَعَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ فَأُولَئِكَ مُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْقَعَ أجْرَ المُؤْمِنِينَ في التَّشْرِيفِ لِانْضِمامِ المُنافِقِينَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذِهِ القَرائِنُ دالَّةٌ عَلى أنَّ حالَ المُنافِقِ شَدِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أيُعَذِّبُكم لِأجْلِ التَّشَفِّي، أمْ لِطَلَبِ النَّفْعِ، أمْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ؟ كُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنِ الحاجاتِ، مُنَزَّهٌ عَنْ جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنهُ حَمْلُ

صفحة ٧١
المُكَلَّفِينَ عَلى فِعْلِ الحَسَنِ والِاحْتِرازِ عَنِ القَبِيحِ، فَإذا أتَيْتُمْ بِالحَسَنِ وتَرَكْتُمُ القَبِيحَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِنا، وذَلِكَ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ ما خَلَقَ خَلْقًا لِأجْلِ التَّعْذِيبِ والعِقابِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ أحَدًا لِغَرَضِ التَّعْذِيبِ، وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فاعِلَ الشُّكْرِ والإيمانِ هو العَبْدُ، ولَيْسَ ذَلِكَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى، وإلّا لَصارَ التَّقْدِيرُ: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إذا خَلَقَ الشُّكْرَ والإيمانَ فِيكم، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وقَدْ سَبَقَ الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الكَلِماتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يُعَذِّبُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لِأنّا نَفْرِضُ الكَلامَ فِيمَن شَكَرَ وآمَنَ ثُمَّ أقْدَمَ عَلى الشُّرْبِ أوِ الزِّنا، فَهَذا وجَبَ أنْ لا يُعاقَبَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَإنْ قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، قُلْنا: ذَكَرْنا الوُجُوهَ الكَثِيرَةَ في هَذا الكِتابِ عَلى أنَّهُ مُؤْمِنٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَقَدُّمِ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: إنْ آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ، لِأنَّ الإيمانَ مُقَدَّمٌ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ.

الثّانِي: إذا قُلْنا: الواوُ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا نَظَرَ في نَفْسِهِ رَأى النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ حاصِلَةً في تَخْلِيقِها وتَرْتِيبِها فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُجْمَلًا، ثُمَّ إذا تَمَّمَ النَّظَرَ في مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ آمَنَ بِهِ ثُمَّ شَكَرَ شُكْرًا مُفَصَّلًا، فَكانَ ذَلِكَ الشُّكْرُ المُجْمَلُ مُقَدَّمًا عَلى الإيمانِ، فَلِهَذا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالشُّكْرِ سَمّى جَزاءَ الشُّكْرِ شُكْرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، فالمُرادُ مِنَ الشّاكِرِ في حَقِّهِ تَعالى كَوْنُهُ مُثِيبًا عَلى الشُّكْرِ، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ عَلِيمًا أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، فَلا يَقَعُ الغَلَطُ لَهُ ألْبَتَّةَ، فَلا جَرَمَ يُوصِلُ الثَّوابَ إلى الشّاكِرِ والعِقابَ إلى المُعْرِضِ.

The same ayah, in another commentary

An-Nisāʾ 4:147