All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

An-Nisāʾ 4:147 Juzʾ 5 Page 101

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضُعِّفَ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن ثَباتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ، و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ تَعْذِيبِكُمْ، أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟! أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟! أمْ يَسْتَجْلِبُ نَفْعًا؟! أوْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟! كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ مَرَضُ كُفْرِكم ونِفاقِكُمْ، فَإذا احْتَمَيْتُمْ عَنِ النِّفاقِ ونَقَّيْتُمْ نُفُوسَكم بِشَرْبَةِ الإيمانِ والشُّكْرِ في الدُّنْيا بَرِئْتُمْ وسَلِمْتُمْ، وإلّا هَلَكْتُمْ هَلاكًا لا مَحِيصَ عَنْهُ بِالخُلُودِ في النّارِ، وإنَّما قُدِّمَ الشُّكْرُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ في أوَّلِ دَرَجاتِهِ.

فَقَدْ ذَكَرَ العارِفُ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ أنَّ الشُّكْرَ في الأصْلِ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّها السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، ولَهُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ؛ لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى النِّعْمَةِ كالرِّزْقِ والخَلْقِ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، وهَذِهِ الحَرَكَةُ تُسَمّى بِاليَقَظَةِ، والشُّكْرُ القَلْبِيُّ، والشُّكْرُ المُبْهَمُ؛ لِأنَّ مُنْعِمَهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَعْيِينُهُ، وإنَّما عُرِفَ مُنْعِمًا ما فَهو مُنْعِمٌ عَلَيْهِ، فَإذا تَيَقَّظَ لِهَذا وُفِّقَ لِنِعْمَةٍ أكْبَرَ مِنها، وهي المَعْرِفَةُ بِأنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ هو الصَّمَدُ الواسِعُ الرَّحْمَةِ، المُثِيبُ، المُعاقِبُ، فَتَتَحَرَّكُ جَوارِحُهُ لِتَعْظِيمِهِ، ويُضِيفُ إلى شُكْرِ الجَنانِ شُكْرَ الأرْكانِ، ثُمَّ يُنادِي عَلى ذَلِكَ الجَمِيلِ بِاللِّسانِ ويَقُولُ:

أفادَتْكُمُ النَّعْماءَ مِنِّي ثَلاثَةٌ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرُ المُحَجَّبا
فالمَذْكُورُ في الآيَةِ هو الشُّكْرُ المُبْهَمُ، وهو مُقَدَّمٌ عَلى الإيمانِ، فَلا حاجَةَ إلى ما زَعَمَهُ الإمامُ مِن أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ. وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّرْتِيبِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ فَلا سُؤالَ فَمِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في عَلْمِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِأنَّ الواوَ - وإنْ لَمْ تُفِدِ التَّرْتِيبَ - لَكِنَّ تَقْدِيمَ ما لَيْسَ مُقَدَّمًا لا يَلِيقُ بِالكَلامِ الفَصِيحِ، فَضْلًا عَنِ المُعْجِزِ، ولِذا تَراهم يَذْكُرُونَ لِما يُخالِفُهُ وجْهًا ونُكْتَةً.

وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ وجْهًا آخَرَ في التَّقْدِيمِ، لَكِنَّهُ بَناهُ عَلى إفادَةِ الواوِ لِلتَّرْتِيبِ، فَقالَ: لَعَلَّ الوَجْهَ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، ولا نِزاعَ في إيمانِهِمْ ظاهِرًا، وإنَّما النِّزاعُ في بَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم غَيْرَ مُطابِقَةٍ لِلْقَوْلِ اللِّسانِيِّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ ها هُنا أهَمَّ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ حَتّى تَكُونَ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَلى نَهْجِ السَّدادِ، وسُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الشُّكْرَ في الآيَةِ عَلى الشُّكْرِ المُبْهَمِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

صفحة 180
وأوْضَحُ مِنهُ وأطْيَبُ ما حاكَ في صَدْرِي، ثُمَّ رَأيْتُ العَلّامَةَ الطِّيبِيَّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - صَرَّحَ بِهِ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الفائِقُ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُنافِقِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الَّذِي ورَّطَهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ كُفْرانُهم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى، وتَهاوُنُهم في شُكْرِ ما أُوتُوا، وتَفْوِيتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمُ البُغْيَةَ العُظْمى، وهو الإسْعادُ بِصُحْبَةِ أفْضَلِ الخَلْقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ الَّذِينَ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ تَعالى وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ فَأُولَئِكَ حُكْمُهم أنْ يَنْتَظِمُوا في سِلْكِ أُولَئِكَ السُّعَداءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَما كانُوا مُسْتَأْهِلِينَ الدَّرَجاتِ السُّفْلى مِنَ النِّيرانِ، ثُمَّ التَفَتَ تَعْرِيضًا لَهم أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِنهم وبِسَبَبِ تَقاعُدِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تِلْكَ النِّعْمَةَ الرَّفِيعَةَ، وتَفْوِيتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ تِلْكَ الفُرْصَةَ السَّنِيَّةَ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ مُطْلَقٌ عَنْ عَذابِهِمْ، فَضْلًا عَلى أنْ يُوقِعَهم في تِلْكَ الوَرَطاتِ.

فَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (إنْ شَكَرْتُمْ) فَذْلَكَةٌ لِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى الإصْلاحِ فِيها، ومِنَ اللَّجَأِ إلى الخَلْقِ إلى الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرِّياءِ في الدِّينِ إلى الإخْلاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: (وآمَنتُمْ) تَفْسِيرٌ لَهُ، وتَقْرِيرٌ لِمَعْناهُ، أيْ: وآمَنتُمُ الإيمانَ الَّذِي هو حائِزٌ لِتِلْكَ الخِلالِ الفَواضِلِ، جامِعٌ لِتِلْكَ الخِصالِ الكَوامِلِ، فَتَقْدِيمُ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ - وحَقُّهُ التَّأْخِيرُ في الأصْلِ - إعْلامٌ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وأنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، والكَفْرُ تابِعٌ، فَإذا أُخِّرَ الشُّكْرُ أُخِلَّ بِهَذِهِ الأسْرارِ واللَّطائِفِ، ومِن ثَمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مُثِيبًا عَلى الشُّكْرِ ‏‏‏‏‏ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، فَيُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا إلى الشّاكِرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاكِرُ وكَذا الشَّكُورُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، هو الَّذِي يَجْزِي بِيَسِيرِ الطّاعاتِ كَثِيرَ الدَّرَجاتِ، ويُعْطِي بِالعَمَلِ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ نِعَمًا في الآخِرَةِ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُثْنِي عَلى مَن تَمَسَّكَ بِطاعَتِهِ، فَيَرْجِعُ إلى صِفَةٍ كَلامِيَّةٍ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ:

أمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ – ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ فِيهِ: إنَّ النَّفْسَ لِلرُّوحِ كالمِرْآةِ لِلزَّوْجِ، و‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ صِفاتِ النُّفُوسِ و ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحُقُوقِ

وحاصِلُ المَعْنى: إنَّ نَفْسَكَ مَطِيَّتُكَ فارْفُقْ بِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالرُّوحُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، والنَّفْسُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُظُوظِها ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ في رَفْضِ حُظُوظِ النَّفْسِ، فَقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: ««إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ: الرَّوْحُ والنَّفْسُ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فالرُّوحُ يَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ (خَلِّ نَفْسَكَ وائْتِنِي إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمٍ هَوَيْتُهُ) فَيُسْتَغْنى عَنْ مُرْكَبٍ النَّفْسِ بِالوُصُولِ إلى المَقْصُودِ، والنَّفْسُ تَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمِ ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الآيَةُ في شَأْنِ الشَّيْخِ والمُرِيدِ.

وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ المُرِيدِينَ لِثَوابِ الدّارَيْنِ أنْ يَكُونُوا ثابِتِينَ في مَقامِ العَدالَةِ الَّتِي
صفحة 181
هِيَ أشْرَفُ الفَضائِلِ ﴿قَوّامِينَ﴾ بِحُقُوقِها بِحَيْثُ تَكُونُ مَلَكَةً راسِخَةً فِيهِمْ، لا يُمْكِنُ مَعَها جَوْرٌ في شَيْءٍ، ولا ظُهُورُ صِفَةِ نَفْسٍ لِاتِّباعِ هَوًى في جَلْبِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ أوْ رَفْعِ مَضَرَّةٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ البُرْهانُ ﴿آمَنُوا﴾ مِن حَيْثُ البَيانُ، إلى أنْ تُؤْمِنُوا مِن حَيْثُ العَيانُ، أوْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ آمِنُوا بالإيمانِ العَيْنِيِّ، أوِ المُرادُ: يا أيُّها المُدَّعُونَ تَجْرِيدَ الإيمانِ لِي مِن غَيْرِ وساطَةٍ لا سَبِيلَ لَكم إلى الوُصُولِ إلى عَيْنِ التَّجْرِيدِ إلّا بِقَبُولِ الوَسائِطِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِالتَّقْلِيدِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْلِيدِ أصْلٌ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِالِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إذْ لَمْ تَكُنْ عُقُولُهم مُشْرِقَةً بِالنُّورِ الإلَهِيِّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بِالشُّبَهاتِ والِاعْتِراضاتِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى وصْفِ أهْلِ التَّرَدُّدِ في سُلُوكِ سَبِيلِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِأحْوالِهِمْ حِينَ هاجَتْ رَغْبَتُهم إلى رِياسَةِ القَوْمِ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِمْ لَيْلُ المُجاهِداتِ لَمْ يَتَحَمَّلُوا، وأنْكَرُوا، ورَجَعُوا إلى حُظُوظِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا رَأوْا نِهايَةَ الأكابِرِ وظَنُّوا اللُّحُوقَ بِهِمْ لَوِ اسْتَقامُوا وآمَنُوا فَلَمّا لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِن مَقاماتِ القَوْمِ وكَراماتِهِمْ لِعَدَمِ إخْلاصِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ارْتَدُّوا وصارُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ وعَلى مَقاماتِهِمْ، وازْدادُوا إنْكارًا حِينَ رَجَعُوا إلى اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، واخْتارُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وجَعَلُوا يَقُولُونَ لِلْخَلْقِ: إنْ هَؤُلاءِ لَيْسُوا عَلى الحَقِّ، فَقَدْ سَلَكْنا ما سَلَكُوا، وخُضْنا ما خاضُوا فَلَمْ نَرَ إلّا سَرابًا بِقِيعَةٍ، وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ السُّوءِ المُنْكِرِينَ عَلى القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم.

(ما كانَ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) لِمَكانِ الرَّيْبِ الحاجِبِ، وفَسادِ جَوْهَرِ القَلْبِ، وزَوالِ الِاسْتِعْدادِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى الحَقِّ، ولا إلى الكَمالِ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ ذَلِكَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِمُناسَبَتِهِمْ إيّاهُمْ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ لِعَدَمِ الجِنْسِيَّةِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: يَطْلُبُونَ التَّعَزُّزَ بِهِمْ في الدُّنْيا، والتَّقَوِّيَ بِمالِهِمْ وجاهِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ فَلا سَبِيلَ لَهُمُ إلَيْها إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ المُنافِقِينَ أنَّهم ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِعَدَمِ شَوْقِهِمْ إلى الحُضُورِ، ونُفُورِهِمْ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ واسْتِيلاءِ الهَوى عَلَيْهِمْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِاحْتِجاجِهِمْ بِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّهم لا يَذْكُرُونَهُ إلّا بِاللِّسانِ، وعِنْدَ حُضُورِهِمْ بَيْنَ النّاسِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، فَإنَّهم إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ يَطِيرُونَ إلَيْها بِجَناحَيِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، بَلْ يَحِنُّونَ إلى أوْقاتِها:

حَنِينَ أعْرابِيَّةٍ حَنَّتْ إلى أطْلالِ نَجْدٍ فارَقَتْهُ ومَرْخِهِ
ومِن هُنا «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِبِلالٍ: «أرِحْنا يا بِلالُ»» يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أقِمْ لَنا الصَّلاةَ لِنُصَلِّيَ ونَسْتَرِيحَ بِها لا مِنها، وظَنُّ الأخِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ – كُفْرٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وإذا عَبَدُوا لا يَرَوْنَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وما قَدْرُ السُّوى عِنْدَهم لِيُراءُوهُ، وإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهم يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى، نَعَمْ، إنَّهم قَدْ يَشْتَغِلُونَ بِهِ عَنْهُ فَهُناكَ لا يَتَأتّى لَهُمُ الذِّكْرُ، وقَدْ عَدَّ العارِفُونَ الذِّكْرَ لِأهْلِ الشُّهُودِ ذَنْبًا، ولِهَذا قالَ قائِلُهُمْ:

بِذِكْرِ اللَّهِ تَزْدادُ الذُّنُوبُ ∗∗∗ وتَنْكَشِفُ الرَّذائِلُ والعُيُوبُ

وتَرْكُ الذِّكْرَ أفْضَلُ كُلِّ شَيْءٍ ∗∗∗ وشَمْسُ الذّاتِ لَيْسَ لَها مَغِيبُ
لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِلُ العَبْدُ إلى ذَلِكَ المَقامِ إلّا بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وأشارَ إلى مَقامٍ عالٍ مَن قالَ:

لا يَتْرُكُ الذِّكْرَ إلّا مَن يُشاهِدُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ يَشْهَدُهُ مَن لَيْسَ يَذْكُرُهُ

والذِّكْرُ سَتْرٌ عَلى مَذْكُورِهِ سَتْرٌ ∗∗∗ فَحِينَ يَذْكُرُهُ في الحالِ يَسْتُرُهُ

فَلا أزالُ عَلى الأحْوالِ أُشْهِدُهُ ∗∗∗ ولا أزالُ عَلى الأنْفاسِ أذْكُرُهُ

صفحة 182
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِئَلّا تَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمَةُ كُفْرِهِمْ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حُجَّةً ظاهِرَةً في عِقابِكم بِرُسُوخِ الهَيْئَةِ الَّتِي بِها تَمِيلُونَ إلى وِلايَتِهِمْ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِتَحَيُّرِهِمْ بِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى؛ لِانْقِطاعِ وصْلَتِهِمْ، وارْتِفاعِ مَحَبَّتِهِمْ مَعَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِبَقِيَّةِ نُورِ الِاسْتِعْدادِ، وقَبُولِ مَدى التَّوْفِيقِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِنِ اسْتِعْدادِهِ بِقَمْعِ الهَوى، وكَسْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، ورَفْعِ حِجابِ القُوى ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ بِالتَّمَسُّكِ بِأوامِرِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ بِإزالَةِ خَفايا الشِّرْكِ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السُّوى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ الصّادِقِينَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن مُشاهَدَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ، وجَنّاتِ الأفْعالِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ بِالتَّوْبَةِ وإصْلاحِ ما فَسَدَ، والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ الأوامِرِ، والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ سُبْحانَهُ‏‏‏‏‏‏‏‏ الإيمانَ الحائِزَ لِذَلِكَ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَيُثِيبُ ويُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

The same ayah, in another commentary

An-Nisāʾ 4:147