ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ ﴿ ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿﴾ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِما شَرَطَ مِنَ التَّقْوى في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ، فَقِيلَ: ﴿﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (مَن) صِلَةٌ، والمَعْنى أسْكِنُوهُنَّ حَيْثُ سَكَنْتُمْ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ ﴾ أيْ وُسْعِكم وسَعَتِكم، وقالَ الفَرّاءُ: عَلى قَدْرِ طاقَتِكم، وقالَ أبُو إسْحاقَ: يُقالُ: وجِدْتُ في المالِ وُجْدًا، أيْ صِرْتُ ذا مالٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ أيْضًا وبِخَفْضِها، والوُجْدُ الوُسْعُ والطّاقَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ نَهْيٌ عَنْ مُضارَّتِهِنَّ بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ في السُّكْنى والنَّفَقَةِ ﴿ ﴾ وهَذا بَيانُ حُكْمِ المُطَلَّقَةِ البائِنَةِ؛ لِأنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حامِلًا، وإنْ كانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلاثًا أوْ مُخْتَلِعَةً فَلا نَفَقَةَ لَها إلّا أنْ تَكُونَ حامِلًا، وعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، لَيْسَ لِلْمَبْتُوتَةِ إلّا السُّكْنى ولا نَفَقَةَ لَها، وعَنِ الحَسَنِ وحَمّادٍ لا نَفَقَةَ لَها ولا سُكْنى، لِحَدِيثِ «فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّ زَوْجَها بَتَّ طَلاقَها، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا سُكْنى لَكِ ولا نَفَقَةَ» . وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ يَعْنِي حَقَّ الرَّضاعِ وأُجْرَتَهُ وقَدْ مَرَّ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّبَنَ وإنْ خُلِقَ لِمَكانِ الوَلَدِ فَهو مِلْكٌ لَها وإلّا لَمْ يَكُنْ لَها أنْ تَأْخُذَ الأجْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَقَّ الرَّضاعِ والنَّفَقَةِ عَلى الأزْواجِ في حَقِّ الأوْلادِ وحَقَّ الإمْساكِ والحَضانَةِ والكَفالَةِ عَلى الزَّوْجاتِ وإلّا لَكانَ لَها بَعْضُ الأجْرِ دُونَ الكُلِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ بِفَضْلٍ؛ مَعْرُوفًا مِنكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: بِتَراضِي الأبِ والأُمِّ، وقالَ المُبَرِّدُ: لِيَأْمُرْ
صفحة ٣٤
بَعْضُكم بَعْضًا بِالمَعْرُوفِ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ، والمَعْرُوفُ هَهُنا أنْ لا يُقَصِّرَ الرَّجُلُ في حَقِّ المَرْأةِ ونَفَقَتِها ولا هي في حَقِّ الوَلَدِ ورَضاعِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الِائْتِمارِ، وقِيلَ: الِائْتِمارُ التَّشاوُرُ في إرْضاعِهِ إذا تَعاسَرَتْ هي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ أيْ في الأُجْرَةِ: ﴿ ﴾ غَيْرَ الأُمِّ، ثُمَّ بَيَّنَ قَدْرَ الإنْفاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ أمَرَ أهْلَ التَّوْسِعَةِ أنْ يُوَسِّعُوا عَلى نِسائِهِمُ المُرْضِعاتِ عَلى قَدْرِ سَعَتِهِمْ، ومَن كانَ رِزْقُهُ بِمِقْدارِ القُوتِ فَلْيُنْفِقْ عَلى مِقْدارِ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: ﴿ ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣٦) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ أيْ ما أعْطاها مِنَ الرِّزْقِ، قالَ السُّدِّيُّ: لا يُكَلَّفُ الفَقِيرُ مِثْلَ ما يُكَلَّفُ الغَنِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ أيْ بَعْدِ ضِيقٍ وشِدَّةٍ غِنًى وسِعَةً ورَخاءً، وكانَ الغالِبُ في ذَلِكَ الوَقْتِ الفَقْرَ والفاقَةَ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا، وهَذا كالبِشارَةِ لَهم بِمَطْلُوبِهِمْ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: إذا قِيلَ: (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ ما هي ؟ نَقُولُ: هي التَّبْعِيضِيَّةُ أيْ بَعْضُ مَكانِ سُكْناكم إنْ لَمْ يَكُنْ (لَكم) غَيْرُ بَيْتٍ واحِدٍ فَأسْكِنُوها في بَعْضِ جَوانِبِهِ.
الثّانِي: ما مَوْقِعُ ﴿ ﴾ ؟ نَقُولُ: عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، أيْ مَكانًا مِن مَسْكَنِكم عَلى قَدْرِ طاقَتِكم.
الثّالِثُ: فَإذا كانَتْ كُلُّ مُطَلَّقَةٍ عِنْدَكم يَجِبُ لَها النَّفَقَةُ، فَما فائِدَةُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ﴾ نَقُولُ: فائِدَتُهُ أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ رُبَّما طالَ وقْتُها، فَيُظَنُّ أنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ إذا مَضى مِقْدارُ مُدَّةِ الحَمْلِ، فَنَفى ذَلِكَ الظَّنَّ.