All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

An-Nūr 24:56 Juzʾ 18 Page 357

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And establish prayer and give zakah and obey the Messenger - that you may receive mercy.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ داخِلًا مَعَهُ في حَيِّزِ القَوْلِ والفاصِلِ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مُنَكِّلِ وجْهٍ فَإنَّهُ وعْدُ المَأْمُورِ بِهِ وبَعْضُهُ مِن تَتِمَّتِهِ. وفي الكَشّافِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فاصِلٌ وإنْ طالَ لِأنَّ حَقَّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والفاصِلُ يُؤَكِّدُ المُغايِرَةَ ويُرَشِّحُها لِأنَّ المُجاوِرَةَ مَظِنَّةُ الِاتِّصالِ والِاتِّحادُ فَيَكُونُ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِإطاعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلتَّأْكِيدِ وأكَّدَ دُونَ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّ في النُّفُوسِ لا سِيَّما نُفُوسِ العَرَبِ مِن صُعُوبَةِ الِانْقِيادِ لِلْبَشَرِ ما لَيْسَ فِيها مِن صُعُوبَةِ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى ولِتَعْلِيقِ الرَّحْمَةِ بِها أوْ بِالمُنْدَرِجَةِ هي فِيهِ وهي الجُمَلُ الواقِعَةُ في حَيِّزِ القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كَما عَلَّقَ الِاهْتِداءَ بِالإطاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والإنْصافُ أنَّ هَذا العَطْفَ بِعِيدٍ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ وفِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ الرَّسُولَ لَعَلَّهم يَرْحَمُونَ، لَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ التِفاتًا إلى الخِطابِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ وحَسَّنَهُ هَنا الخِطابُ في ( مِنكُمْ) . وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الِالتِفاتِ وجَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الأخْبارِ لا يُناسِبُ ذَلِكَ وكَوْنُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ حالًا أوِ
صفحة 208
اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، والَّذِي اخْتارَهُ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَهُمُ النَّهْيُ عَنِ الكُفْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَكْفُرُوا وأقِيمُوا الصَّلاةَ إلَخْ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ انْفَهامُ المُقَدَّرِ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ إلَخْ، حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ الأمْرَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فَكَأنَّهُ قِيلَ فَآمِنُوا واعْمَلُوا الصّالِحاتِ وأقِيمُوا إلَخْ، وجَوَّزَ في ﴿أطِيعُوا﴾ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِإطاعَتِهِ ﷺ بِجَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المُنْتَظِمَةِ لِلْآدابِ المُرْضِيَّةِ وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِالإطاعَةِ فِيما عَدا الأمْرَيْنِ السّابِقَيْنِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ لِتَكْمِيلِهِما كَأنَّهُ قِيلَ: وأطِيعُوا الرَّسُولَ في سائِرِ ما يَأْمُرُكم بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِالأوامِرِ الثَّلاثَةِ وجَعَلَ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقًا بِالأخِيرِ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Never think that the disbelievers are causing failure [to Allah] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.

روح المعانيAl-Ālūsī

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلَخْ بَيانٌ لِمَآلِ الكَفَرَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَناهِيهِمْ في الفِسْقِ وفَوْزِ أضْدادِهِمْ بِالرَّحْمَةِ المُطْلِقَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا رَفْعُ اسْتِبْعادِ تَحَقُّقِ الوَعْدِ السّابِقِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِ الكَفَرَةِ وعَدَدِهِمْ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحَسَبْنا نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السَّجْدَةُ: 12] .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ بِمَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: «إيّاكَ عَنِّي فاسْمَعِي يا جارَةُ» أوِ الإشارَةُ إلى أنَّ الحُسْبانَ المَذْكُورَ بَلَغَ في القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ إلى حَيْثُ يَنْهى مَن يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ) [الأنْعامُ: 14، يُونُسُ: 105، القِصَصُ: 87] فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ جَعْلَ الخِطابِ لِلرَّسُولِ ﷺ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الحُسْبانِ لا يَتَصَوَّرُ وُقُوعَهُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرَ ومَحْمَلُ المَوْصُولِ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِلْحُسْبانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ثانِيهُما وقَوْلُهُ تَعالى ‏ ‏‏‏‏‏ ظَرْفٌ لِمُعْجِزِينَ لَكِنْ لا لِإفادَةِ كَوْنِ الإعْجازِ المَقْصُودِ بِالنَّفْيِ فِيها لا في غَيْرِها فَإنَّ ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ بَلْ لِإفادَةِ شُمُولِ عَدَمِ الإعْجازِ لِجَمِيعِ أجْزائِها أيْ لا تَحْسَبَنَّهم مُعْجِزِينَ اللَّهِ تَعالى عَنْ إدْراكِهِمْ وإهْلاكِهِمْ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ بِما رَحَّبْتَ وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ «يَحْسَبْنَ» بِالياءِ آخِرُ الحُرُوفِ عَلى أنَّ الفاعِلَ كُلُّ أحَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ لا يَحْسَبْنَ حاسِبَ الكافِرِينَ مُعْجِزِينَ لَهُ ( عَزَّ وجَلَّ ) في الأرْضِ وضَمِيرِهِ ﷺ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ.

وزَعْمُ أبِي حَيّانَ أنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما تَقَدَّمَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ أوْ ضَمِيرِ الكافِرِ أيْ لا يَحْسَبْنَ الكافِرَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ أوِ المَوْصُولِ والمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ في الأرْضِ، وذَكَرَ أنَّ الأصْلَ عَلى هَذا لا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ الَّذِي هو المَفْعُولُ الأوَّلُ وكَأنَّ الَّذِي سَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الفاعِلَ والمَفْعُولَيْنِ لَمّا كانَتْ كالشَّيْءِ الواحِدِ اقْتَنَعَ بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عَنْ ذَلِكَ الثّالِثِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَذا الضَّمِيرَ لَيْسَ مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها فَلا يَجُوزُ كَوْنُ الأصْلِ (لا يَحْسَبُهُمُ الَّذِينَ إلَخْ كَما لا يَجُوزُ ظَنُّهُ زِيدَ قائِمًا، وقالَ الكُوفِيُّونَ ‏‏‏‏‏‏ المَفْعُولُ الأوَّلُ و‏ ‏‏‏‏‏ المَفْعُولُ الثّانِي، والمَعْنى لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أحَدًا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى في الأرْضِ حَتّى يَطْمَعُوا في مِثْلِ ذَلِكَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ المُطايَقَةِ لِمُقْتَضى لِلْمَقامِ ضَرُورَةَ أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي ولا فائِدَةَ في بَيانِ كَوْنِ المُعْجِزِينَ في الأرْضِ. ورَدَّ بِأنَّهُ وإنْ كانَ
صفحة 209
مَصَبُّ الفائِدَةِ جَعَلَ مَفْرُوغًا مِنهُ وإنَّما المَطْلُوبُ بَيانُ المَحَلِّ أيْ لا يَعْجِزُوهُ سُبْحانَهُ في الأرْضِ والإنْصافُ أنَّ ما ذُكِرَ خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ إنَّما هو تَعَلَّقَ ‏ ‏‏‏‏‏ بِمُعْجِزِينَ وأيًّا ما كانَ فالقِراءَةُ المَذْكُورَةُ صَحِيحَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَراتِبُ تَخْرِيجاتِها قُوَّةً وضَعْفًا، ومِن ذَلِكَ يَعْلَمُ ما فِيقَوْلِ النُّحاسِ ما عَلِمْتَ أحَدًا مَن أهْلِ العَرَبِيَّةِ بَصَرِيًّا ولا كُوفِيًّا إلّا وهو يُخْطِئُ قِراءَةَ حَمْزَةَ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هي لَحْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلّا بِمَفْعُولٍ واحِدٍ لِيَحْسَبْنَ، ومِنهم مَن قالَ هَذا أبُو حاتِمٍ انْتَهى مِن قِلَّةِ الوُقُوفِ ومَزِيدِ الهَذَيانِ والجَسارَةِ عَلى الطَّعْنِ في مُتَواتِرٍ مِنَ القُرْآنِ، ولَعَمْرِي لَوْ كانَتِ القِراءَةُ بِالرَّأْيِ لَكانَ اللّائِقُ بِمَن خُفِيَ عَلَيْهِ وجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ أنْ لا يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الكَلامِ ويَتَّهِمُ نَفْسَهُ ويَحْجِمُ عَنِ الطَّعْنِ في ذَلِكَ الإمامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ بِتَأْوِيلِها بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ تَحْقِيقُ نَفْيِ الحُسْبانِ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ومَأْواهُمُ النّارُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ لِأنَّ الأوَّلَ وعِيدُ الدُّنْيا كَأنَّهُ قِيلَ مَقْهُورُونَ في الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ومَخْزُونِ في الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ، وعَنْ صاحِبِ النُّظُمِ تَقْدِيرُهُ بَلْ هم مَقْدُورٌ عَلَيْهِمْ ومُحاسَبُونَ ومَأْواهُمُ النّارُ.

قالَ في الكَشْفِ: وجَعَلَهُ حالًا عَلى مَعْنى لا يَنْبَغِي الحُسْبانُ لِمَن مَأْواهُ النّارُ كَأنَّهُ قِيلَ أنّى لِلْكافِرِ هَذا الحُسْبانِ وقَدْ أعَدَّ لَهُ النّارَ، والعُدُولُ إلى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحَقُّقِ وأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهم لا رَيْبَ وجْهٍ حَسَنٍ خالٍ عَنْ كَلَفٍ لِكُلْفَةٍ ألَمَّ بِهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ في ظاهِرِهِ مَيْلًا إلى بَعْضِ تَخْرِيجاتِ قِراءَةِ «يَحْسَبْنَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

وتَعَقَّبَ في البَحْرِ تَأْوِيلُ جُمْلَةِ النَّهْيِ لِتَصْحِيحِ العَطْفِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: الصَّحِيحُ أنَّهُ يَجُوزُ عَطْفُ الجُمَلِ عَلى اخْتِلافِها بَعْضًا عَلى بَعْضٍ وإنْ لَمْ تَتَّحِدْ في النَّوْعِيَّةِ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ، والمَأْوى اسْمُ مَكانٍ، وجَوَّزَ فِيهِ المَصْدَرِيَّةَ والأوَّلُ أظْهَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جَوابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ وبِاللَّهِ ( لَبِئْسَ المَصِيرُ ) هي أيُ النّارِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلِهِ، وفي إيرادِ النّارِ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَأْوى ومَصِيرًا لَهم أثَرُ نَفْيٍ فَوْتِهِمْ بِالهَرَبِ في الأرْضِ كُلَّ مَهْرَبٍ مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ فَلِلَّهِ تَعالى دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allah make clear to you the verses; and Allah is Knowing and Wise.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلَخْ رُجُوعٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إلى بَيانِ تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ ما يُوجِبُ الِامْتِثالَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي الوارِدَةِ فِيها وفي الأحْكامِ اللّاحِقَةِ مِنَ التَّمْثِيلاتِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، وفي التَّحْقِيقِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِمّا يُطاعُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ لِلَّهِ فِيهِ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ دُخُولَهُ في الطّاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ الآدابِ أبْعَدُ مِن غَيْرِهِ، والخِطابُ إمّا لِلرِّجالِ خاصَّةً والنِّساءُ داخِلاتٌ في الحُكْمِ بِدَلالَةِ النَّصِّ أوْ لِلْفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًا، واعْتَرَضَ الأوَّلُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ النِّساءِ،

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي مَرْثَدٍ دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ كَبِيرٌ لَها في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنْ خَدَمْنا وغِلْمانُنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالٍ نَكْرَهُها فَنَزَلَتْ»، وقَدْ ذَكَرَ الإتْقانَ أنَّ دُخُولَ سَبَبِ النُّزُولِ في الحُكْمِ قَطْعِيٌّ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ ما المانِعُ مِن أنْ يَعْلَمَ الحَكَمُ في السَّبَبِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ والقِياسُ الجَلِيُّ ويَكُونُ ذَلِكَ في حُكْمِ الدُّخُولِ، ونَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ أنَّهُ ظَنِّيٌّ فَيَجُوزُ إخْراجَهُ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِ الأُصُولِ، ثُمَّ ما ذَكَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ مَجْمَعًا عَلَيْهِ،

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ وقْتَ الظَّهِيرَةِ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 210
عَنْهُ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ مُدْلِجٌ وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نائِمًا فَدَقَّ عَلَيْهِ البابَ ودَخَلَ فاسْتَيْقَظَ وجَلَسَ فانْكَشَفَ مِنهُ شَيْءٌ فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوَدِدْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى آباءَنا وأبْناءَنا وخَدَمْنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا بِإذْنٍ فانْطَلَقَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ

فَخَرَّ ساجِدًا،» وهَذا أحَدُ مُوافِقاتِ رَأْيِهِ الصّائِبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِلْوَحْيِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السَّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهم أنْ يُواقِعُوا نِساءَهم في هَذِهِ السّاعاتِ فَيَغْتَسِلُوا ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلى الصَّلاةِ فى مُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْمُرُوا المَمْلُوكِينَ والغِلْمانِ أنْ لا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَمْلُوكِينَ والصِّبْيانِ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ لِلْمُخاطِبِينَ فَكَأنَّهم أمَرُوا أنْ يَأْمُرُوا المَذْكُورِينَ بِالِاسْتِئْذانِ وبِهَذا يَنْحَلُّ ما قِيلَ: كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلْمُ بِالِاسْتِئْذانِ وهو تَكْلِيفٌ ولا تَكْلِيفَ قَبْلَ البُلُوغِ، وحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْمُرْهُ حَقِيقَةً وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ الكَبِيرَ أنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ كَما أمَرَهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلاةِ،

فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهُمْ

أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرَ سِنِينَ»»

وأمْرُهُ بِما ذَكَرَ ونَحْوُهُ مِن بابِ التَّأْدِيبِ والتَّعْلِيمِ ولا إشْكالَ فِيهِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلْبالِغِينَ مِنَ المَذْكُورِينَ عَلى الحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِمْ عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ. وقِيلَ: هو لِلْجَمِيعِ عَلى الحَقِيقَةِ والتَّكْلِيفِ يَعْتَمِدُ التَّمْيِيزُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فالمُرادُ بِالَّذِينِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ المُمَيَّزُونَ مِنَ الصِّغارِ وهو كَما تَرى. واخْتُلِفَ في هَذا الأمْرِ فَذَهَبَ بَعْضُ إلى أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لِلنَّدْبِ وعَلى القَوْلَيْنِ هو مُحْكَمٌ عَلى الصَّحِيحِ وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، والجُمْهُورُ عَلى عُمُومِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في العَبِيدِ والإماءِ الكِبارِ والصِّغارِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ

أنَّهُ خاصٌّ بِالذُّكُورِ كَما هو ظاهِرُ الصِّيغَةِ ورَوى ذَلِكَ عَنْ أبى جَعْفَرٍ. وأبى عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ السِّلْمِيُّ: إنَّهُ خاصٌّ بِالإناثِ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَخْصِيصُهُ بِالصِّغارِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والمُرادُ بِالَّذِينِ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلْمَ الصِّبْيانَ ذُكُورًا وإناثًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما مَرَّ في سابِقِهِ عَنِ الجُمْهُورِ وخَصَّ بِالمُراهِقِينَ مِنهُمْ، و‏‏‏‏ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالأحْرارِ ويَشْعُرُ بِهِ المُقابَلَةَ أيْضًا.

وفِي البَحْرِ هو عامٌّ في الأطْفالِ عَبِيدًا كانُوا أوْ أحْرارًا، وكُنِيَ عَنِ القُصُورِ عَنْ دَرَجَةِ البُلُوغِ بِما ذَكَرَ لِأنَّ الِاحْتِلامَ أقْوى دَلائِلِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ إذا احْتَلَمَ الصَّبِيُّ فَقَدْ بَلَغَ، واخْتَلَفُوا فِيما إذا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَمْ يَحْتَلِمْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ في المَشْهُورِ: لا يَكُونُ بالِغًا حَتّى يَتِمَّ لَهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وكَذا الجارِيَةُ إذا لَمْ تَحْتَلِمْ أوْ لَمْ تَحُضْ أوْ لَمْ تَحْبَلْ لا تَكُونُ بالِغَةً عِنْدَهُ حَتّى يَتِمَّ لَها سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنْعامُ: 152] وأشَدُّ الصَّبِيِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَبِعَهُ القُتَيْبِيُّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وهو أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَيُبْنى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ غَيْرَ أنَّ الإناثَ نَشُؤُهُنَّ وإدْراكُهُنَّ أسْرَعُ فَنَقُصُّ في حَقِّهِنَّ سِنَةً لِاشْتِمالِها عَلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُوافِقُ واحِدٌ مِنها المِزاجُ لا مَحالَةَ وقالَ صاحِباهُ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: إذا بَلَغَ الغُلامُ والجارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةَ فَقَدْ بَلَغا وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا وعَلَيْهِ الفَتْوى.

ولَهم أنَّ العادَةَ الفاشِيَّةَ أنْ لا يَتَأخَّرَ البُلُوغُ فِيهِما عَنْ هَذِهِ المُدَّةِ وقُيِّدَتِ العادَةُ بِالفاشِيَّةِ لِأنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ الغُلامُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وقَدْ تَبْلُغُ الجارِيَةُ في تِسْعِ سِنِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ما تَقَدَّمَ بِما رَوى «ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 211
عَنْهُما أنَّهُ عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ولَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يَجُزْهُ وعَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الخَنْدَقِ ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ،» واعْتَرَضَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ أحَدًا كانَ في سَنَةِ ثَلاثٍ والخَنْدَقُ في سَنَةِ خَمْسٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَكَرَ في الخَبَرِ، وأيْضًا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى المُدَّعى لِأنَّ الإجازَةَ في القِتالِ لا تَعَلُّقَ لَها بِالبُلُوغِ فَقَدْ لا يُؤْذَنُ البالِغُ لِضَعْفِهِ ويُؤْذَنُ غَيْرُ البالِغِ لِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى حَمْلِ السِّلاحِ.

ولَعَلَّ عَدَمَ إجازَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوَّلًا إنَّما كانَ لِضَعْفِهِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما سَألَهُ عَنِ الِاحْتِلامِ والسَّنِّ. ومِمّا تَفَرَّدَ بِهِ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما قِيلَ جَعْلُ الإنْباتِ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ واحْتَجَّ لَهُ بِما رَوى عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمْرٌ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ مِن قُرَيْظَةَ واسْتِحْياءَ مَن لَمْ يَنْبُتْ قالَ: فَنَظَرُوا إلَيَّ فَلَمْ أكُنْ قَدْ أنْبَتَ فاسْتَبَقانِي ﷺ» وتَعَقَّبَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرْعِ بِمِثْلِهِ فَإنَّ عَطِيَّةَ هَذا مَجْهُولٌ لا يَعْرِفُ إلّا مِن هَذا الخَبَرِ، وأيْضًا هو مُخْتَلِفُ الألْفاظِ فَفي بَعْضِ رِوايَةٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المُواسِي،» وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ لَيْسَ لِأنَّهُ بالِغٌ بَلْ لِأنَّهُ قَوِيٌّ فَإنَّ الإنْباتَ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ، وانْتَصَرَ لِلشّافِعِيِّ بِأنَّ الِاحْتِمالَ مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُلامٍ فَقالَ: هَلِ اخْضَرَّ إزارُهُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ كالأمْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ثُمَّ المَشْهُورُ عَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ في حَقِّ أطْفالِ الكُفّارِ، وتَكَلُّفِ الشّافِعِيَّةِ في الِانْتِصارِ لَهُ ورَدَ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِ بِما لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن راجَعَهُ.

ومِنَ الغَرِيبِ ما رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُمُ اعْتَبَرُوا في البُلُوغِ أنْ يَبْلُغَ الإنْسانُ في طُولِهِ خَمْسَةَ أشْبارٍ،

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إذا بَلَغَ الغُلامُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ وقَعَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ يَقْتَصُّ لَهُ ويَقْتَصُّ مِنهُ.

وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُتِيَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِهِ فَشِبْرٌ فَنَقُصُ أُنْمُلَةٍ فَخَلّى عَنْهُ، وبِهَذا المَذْهَبِ أخَذَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ يَمْدَحُ يَزِيدُ بْنُ المُهَلَّبِ:

ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ وسَما فَأدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبارِ

يُدْنِي كَتائِبَ مِن كَتائِبَ تَلْتَقِي ∗∗∗ بِالطَّعْنِ يَوْمَ تَجاوُلِ وغِوارٍ
وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَقُولُونَ بِهِ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ دُونَ البُلُوغِ ويَكُونُ طَوِيلًا وفَوْقَ البُلُوغِ ويَكُونُ قَصِيرًا فَلا عِبْرَةَ بِذَلِكَ. ولَعَلَّ الأخْبارَ السّابِقَةَ لا تَصِحُّ. وما نَقَلَ عَنِ الفَرَزْدَقَ لا يَتَعَيَّنُ إرادَةَ البُلُوغِ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ أرادَ بِخَمْسَةِ الأشْبارِ القَبْرِ كَما قالَ الآخَرُ:

عَجَبًا لِأرْبَعِ أذْرُعٍ في خَمْسَةٍ ∗∗∗ في جَوْفِهِ جَبَلٍ أشَمِّ كَبِيرٍ
هَذا وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ «الحِلْمِ» بِسُكُونِ اللّامِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الحُلْمَ بِالضَّمِّ والحُلْمُ السُّكُونُ كِلاهُما مَصْدَرُ حُلْمٍ في نَوْمِهِ بِكَذا بِالفَتْحِ إذا رَآهُ في المَنامِ يَحْلُمُ بِالضَّمِّ ولَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِلُغَةٍ دُونَ أُخْرى، وعَنْ بَعْضِهِمْ عُدْ حُلْمًا بِالفَتْحِ مَصْدَرًا لِذَلِكَ أيْضًا، وفي الصِّحاحِ الحُلْمِ بِالضَّمِّ ما يَراهُ النّائِمُ تَقُولُ مِنهُ: حَلَمَ بِالفَتْحِ واحْتَلَمَ وتَقُولُ حَلِمْتُ بِكَذا وحَلَمَتْهُ أيْضًا فَيَتَعَدّى بِالباءِ وبِنَفْسِهِ قالَ:

فَحَلَمْتُها وبَنُو رَفِيدَةَ دُونَها ∗∗∗ لا يُبْعِدْنَ خَيالَها المَحْلُومَ
والحُلْمُ بِكَسْرِ الحاءِ الأناةِ تَقُولُ مِنهُ: حُلْمُ الرَّجُلِ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَلِيمًا، وفي القامُوسِ الحِلْمِ بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ الرُّؤْيا جَمْعُهُ أحْلامٌ ثُمَّ قالَ: وحَلَمَ بِهِ وعَنْهُ رَأى لَهُ رُؤْيا أوْ رَآهُ في النَّوْمِ والحُلْمُ بِالضَّمِّ والِاحْتِلامُ الجِماعُ في النَّوْمِ
صفحة 212
والِاسْمُ الحُلْمُ كَعُنُقِ والحُلْمُ بِالكَسْرِ الأناةُ والعَقْلُ وجَمْعُهُ أحْلامٌ وحُلُومٌ اهْـ، والظَّهْرُ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ بِمَعْنى الجِماعِ في النَّوْمِ وهو الِاحْتِلامُ المَعْرُوفُ ووَجْهُ الكِنايَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

وقالَ الرّاغِبُ: الحُلْمُ زَمانُ البُلُوغِ وسُمِّيَ الحُلْمُ لِكَوْنِهِ جَدِيرًا صاحِبَهُ بِالحُلْمِ أيِ الأناةِ وضَبْطِ النَّفْسِ عَنْ هَيَجانِ الغَضَبِ وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ ثَلاثِ أوْقاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَرّاتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ طَلَبِ الِاسْتِئْذانِ مُقارَنَةً تِلْكَ الأوْقاتِ لِمُرُورِ المُسْتَأْذِنِينَ بِالمُخاطِبِينَ لا أنْفُسُها فَنَصْبُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلِاسْتِئْذانِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ كَما قِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِن ‏‏‏ أوْ مِن ‏‏‏‏ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أحَدِّها مِن قَبْلُ إلَخْ وهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا، واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ المَعْنى ثَلاثُ اسْتِئْذاناتٍ كَما هو الظّاهِرُ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يَفْهَمُ مِنهُ إلّا ثَلاثَ ضَرَباتٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِلِاسْتِئْذانِ ( ومِن قَبْلِ ) إلَخْ ظَرْفٌ لَهُ، وشَرْعُ الِاسْتِئْذانِ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ لِظُهُورِ أنَّهُ وقْتَ القِيامِ عَنِ المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النَّوْمِ ولَبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مَظَنَّةُ انْكِشافِ العَوْرَةِ. وأيْضًا كَثِيرًا ما يُجَنَّبُ الشَّخْصُ لَيْلًا فَيَغْتَسِلُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ويَسْتَحِي مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالَةِ ولَوْ مَسْتُورُ العَوْرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ وحِينَ تَخْلَعُونَ ثِيابَكُمُ الَّتِي تَلْبَسُونَها في النَّهارِ وتَحُطُّونَها عَنْكم ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِلْحِينِ، والظَّهِيرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ وقْتَ الظُّهْرِ، وفي القامُوسِ هي حَدُّ انْتِصافِ النَّهارِ وإنَّما ذَلِكَ في القَيْظِ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ( مِن ) أجَلِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن أجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الظَّهِيرَةَ بِشِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ انْتِصافِ النَّهارِ فَلا حاجَةَ إلى الحَذْفِ ( وحِينَ ) عَطْفُ عَلى ( مِن قَبْلِ ) وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ فَيَلْتَزِمُ القَوْلُ بِبِناءٍ حِينَ عَلى الفَتْحِ وإنْ أُضِيفَ إلى مُضارِعٍ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائِدَةُ: 119] عَلى قِراءَةِ فَتْحِ مِيمِ يَوْمٍ، والتَّصْرِيحُ بِمَدارِ الأمْرِ أعْنِي وضْعَ الثِّيابِ في هَذا الحِينِ دُونَ ما قِيلَ وما بَعْدُ لَمّا أنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الثِّيابِ فِيهِ لِأجْلِ القَيْلُولَةِ لِقِلَّةِ زَمانِها كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ إيرادُ الحِينِ مُضافًا إلى فِعْلٍ حادِثٍ مُتَقَضٍّ ووُقُوعُها في النَّهارِ الَّذِي هو مَئِنَّةٌ لِكَثْرَةِ الوُرُودِ والصُّدُورِ ومَظِنَّةٍ لِظُهُورِ الأحْوالِ وبُرُوزِ الأُمُورِ لَيْسَ مِنَ التَّحَقُّقِ والِاطِّرادِ بِمَنزِلَةِ ما في الوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَإنَّ تَحَقُّقَ المَدارِ فِيهِما أمْرٌ مَعْرُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ضَرُورَةُ أنَّهُ وقْتَ التَّجَرُّدِ عَنْ لِباسِ اليَقَظَةِ والِالتِحافُ بِثِيابِ النَّوْمِ وكَثِيرًا ما يَتَعاطى فِيهِ مُقَدَّماتُ الجِماعِ وإنْ كانَ الأفْضَلَ تَأْخِيرُهُ لِمَن لا يَغْتَسِلُ عَلى الفَوْرِ إلى آخَرِ اللَّيْلِ، ويَعْلَمُ مِمّا ذَكَرَ في حَيِّزِ بَيانِ حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ في الوَقْتِ الأوَّلِ والوَقْتِ الأخِيرِ أنَّ المُرادَ بِالقِبْلِيَّةِ والبُعْدِيَّةِ المَذْكُورَتَيْنِ لَيْسَ مُطَلَّقَهِما المُتَحَقِّقِ في الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العِشاءِ بَلِ المُرادُ بِهِما طَرَفا ذَلِكَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَّصِلانِ اتِّصالًا عادِيًّا بِالصَّلاتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في الباقِي
صفحة 213
مِنَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ إمّا لِانْفِهامِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ الأُولى، وإمّا لِنُدْرَةِ الوارِدِ فِيهِ جَدًّا كَما قِيلَ، وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِجَرَيانِ العادَةِ عَلى أنَّ مَن ورَدَ فِيهِ لا يَرُدُّ حَتّى يَعْلَمَ أهْلَ البَيْتِ لِما في الوُرُودِ ودُخُولِ البَيْتِ فِيهِ مِن دُونِ إعْلامِ أهْلِهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما لا يَخْفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ هُنَّ ثَلاثُ عَوْراتٍ كائِنَةً لَكُمْ، والعَوْرَةُ الخَلَلُ ومِنهُ أعْوَرُ الفارِسِ وأعْوَرُ المَكانِ إذا اخْتَلَّ حالُهُ والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنُ، وعَوْرَةُ الإنْسانِ سَوْأتُهُ وأصْلُها كَما قالَ الرّاغِبُ: مِنَ العارِ وذَلِكَ لِما يَلْحَقُ في ظُهُورِها مِنَ العارِ أيِ المَذَمَّةِ، وضَمِيرُهُنَّ المَحْذُوفُ لِلْأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ هي ثَلاثُ أوْقاتٍ يَخْتَلُّ فِيها التَّسَتُّرُ عادَةً، وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ المُضافَ قَبْلَ ‏‏‏ فَقالَ: أيْ هي أوْقاتٌ ثَلاثُ عَوْراتٍ أوْ لا حَذْفَ فِيهِ، وإطْلاقُ العَوْراتِ عَلى الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها نَفْسُ العَوْراتِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عِلَّةِ طَلَبِ الِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأوْقاتِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «ثَلاثٌ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( ثَلاثَ مَرّاتٍ ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِنَ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وكَوْنَهُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي. وقَرَأ الأعْمَشُ «عَوَراتٍ» بِفَتْحِ الواوِ وهي لُغَةُ هَذِيلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وبَنِي تَمِيمٍ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ مِنكم ‏‏‏‏ أيْ

فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ‏‏‏‏‏‏ أيْ بَعْدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ العَوْراتِ الثَّلاثِ وهي الأوْقاتُ المُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهُنَّ، وإيرادُها بِعُنْوانِ البُعْدِيَّةِ مَعَ أنَّ كُلَّ وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ قَبْلَ كُلِّ عَوْرَةٍ مِنَ العَوْراتِ كَما أنَّها بَعْدَ أُخْرى مِنهُنَّ لِتَوْفِيَةِ حَقِّ التَّكْلِيفِ والتَّرْخِيصِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِهِ إذِ الرُّخْصَةُ إنَّما تَتَصَوَّرُ في فِعْلٍ يَقَعُ بَعْدَ زَمانِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ لا حَرَجَ في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ في الوَقْتِ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ ما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ وما قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ بِالمَعْنى السّابِقِ لِلْبُعْدِيَّةِ والقِبْلِيَّةِ، ومُقْتَضى ما قَدَّمْنا ثُبُوتُ الحَرَجِ في ذَلِكَ فَيَكُونُ كالمُسْتَثْنى مِمّا ذَكَرَ.

وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جَناحٌ بَعْدَهُنَّ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ عَلى المُخاطِبِينَ جَناحٌ لِأنَّ المَأْمُورِينَ ظاهِرًا فِيما تَقَدَّمَ بِالِاسْتِئْذانِ في العَوْراتِ الثَّلاثِ هُمُ المَمالِيكُ والمُراهِقُونَ الأحْرارُ لا غَيْرَ، وإنِ اعْتَبَرَ المَأْمُورُونَ في الحَقِيقَةِ فِيما مَرَّ كانَ الظّاهِرُ هاهُنا أنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلَيْكم جَناحٌ بَعْدَهُنَّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِرِعايَةِ المُبالِغَةِ في الإذْنِ بِتَرْكِ الِاسْتِئْذانِ فِيما عَدا تِلْكَ الثَّلاثِ حَيْثُ نَفْيِ الجَناحَ عَنِ المَأْمُورَيْنِ بِهِ فِيها ظاهِرًا وحَقِيقَةً.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالجَناحِ الإثْمُ الشَّرْعِيُّ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ إذا دَخَلَ المَمالِيكُ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ مِنهم عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ في تِلْكَ العَوْراتِ مَعَ أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وثُبُوتُهُ لِلْمَمالِيكِ والصِّغارِ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الصِّغارَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ فَلا يَتَصَوَّرُ في حَقِّهِمُ الإثْمَ الشَّرْعِيَّ.

وأُجِيبُ بِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِمَن ذَكَرَ بِواسِطَةِ المَفْهُومِ ولا عِبْرَةَ بِهِ عِنْدَنا، وعَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِهِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ لِلْمُخاطِبِينَ حِينَئِذٍ لِتَرْكِهِمْ تَعْلِيمِهِمْ والتَّمْكِينُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ويُبْقى إشْكالُ ثُبُوتِهِ لِلصِّغارِ ولا مَدْفَعَ لَهُ إلّا بِالتِزامِ القَوْلِ بِأنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ التَّمْيِيزَ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ.

صفحة 214
ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِمَن ذَكَرَ بِواسِطَةِ المَفْهُومِ بَحْثٌ لا يَخْفى. والتَزَمٌ في الجَوابِ كَوْنُ المُرادِ بِالجَناحِ لِإثْمِ العُرْفِيِّ الَّذِي مَرْجِعُهُ تَرْكُ الأُولى وإلّا خُلِقَ مِن حَيْثُ المُرُوءَةِ والأدَبِ وجَوازُ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِلْمُكَلَّفِ وغَيْرِ المُكَلَّفِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ فَكَأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْكم أيُّها المُؤْمِنُونَ جَناحٌ في دُخُولِهِمْ عَلَيْكم بَعْدَهُنَّ لِتَرْكِكم تَعْلِيمِهِمْ وتَمْكِينِكم إيّاهم مِنهُ المُفْضِي إلى الوُقُوفِ عَلى ما تَأْبى المُرُوءَةُ والغَيْرَةُ الوُقُوفَ عَلَيْهِ ولا عَلَيْهِمْ جَناحٌ في ذَلِكَ لِإخْلالِهِمْ بِالأدَبِ المُفْضِي إلى الوُقُوفِ عَلى ما تَكْرَهُ ذَوُو الطِّباعِ السَّلِيمَةِ الوُقُوفَ عَلَيْهِ ويَنْفَعِلُونَ مِنهُ. ولا يَأْبى ذَلِكَ تَقَدُّمُ الأمْرِ السّابِقِ ولا في الإرْشادِ مِن بَيانِ نُكْتَةِ إيرادِ العَوْراتِ الثَّلاثِ بِعُنْوانِ البُعْدِيَّةِ بِما سَمِعْتَ فَتَدَبَّرْ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورُ: 27] مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ الدُّخُولِ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى خِلافِهِ. ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ قالَ: إنَّها في الصِّبْيانِ ومَمالِيكِ المَدْخُولِ عَلَيْهِ وآيَةُ الِاسْتِئْذانِ في الأحْرارِ البالِغِينَ ومَمالِيكِ الغَيْرِ في حُكْمِهِمْ فَلا مُنافاةَ لِيَلْتَزِمَ النَّسْخُ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ نَفْيَ الجَناحِ بَعْدَهُنَّ عَلى مَن ذَكَرَ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ فَإنَّهُ مَتى تَحَقَّقَ أوْ ظَنَّ كَوْنُ أهْلِ البَيْتِ عَلى حالٍ يَكْرَهُونَ اطِّلاعَ المَمالِيكَ والمُراهِقِينَ مِنَ الأحْرارِ عَلَيْها كانْكِشافِ عَوْرَةِ أحَدِهِمْ ومُعاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ أوْ أمَتِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إحْدى العَوْراتِ الثَّلاثِ أوْ في غَيْرِها والأمْرُ بِالِاسْتِئْذانِ فِيها ونَفْيُ الجَناحِ بَعْدَها بِناءً عَلى العادَةِ الغالِبَةِ مِن كَوْنِ أهْلِ البَيْتِ في الأوْقاتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ عَلى حالٍ يَقْتَضِي الِاسْتِئْذانَ وكَوْنُهم عَلى حالٍ لا يَقْتَضِيهِ في غَيْرِها. هَذا وفي الآيَةِ تَوْجِيهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ هو أنَّ التَّقْدِيرَ لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جَناحٌ بَعْدَ اسْتِئْذانِهِمْ فِيهِنَّ فَحَذَفَ الفاعِلَ وحَرْفَ الجَرِّ فَبَقِيَ بَعْدَ اسْتِئْذانِهِنَّ ثُمَّ حَذَفَ المَصْدَرَ فَصارَ بَعْدَهُنَّ، وعَلَيْهِ تَقِلُّ مَؤُونَةُ الكَلامِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا. والجُمْهُورُ عَلى ما سَمِعْتُ أوَّلًا في مَعْناها، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى القِراءَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ في ثَلاثٍ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلِها، وفي الكَشّافِ أنَّها إذا رَفَعَ ‏‏‏ كانَتْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الوَصْفِ. والمَعْنى هُنَّ ثَلاثٌ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ وإذا نَصَبَ لَمْ يَكُنْ لَها مَحَلٌّ وكانَتْ كَلامًا مُقَرَّرًا لِلِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً، وقالَ في ذَلِكَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: إنْ رَفَعَ الحَرَجَ وراءَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ فَإذا وصَفَ بِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ نَصْبًا وهو بَدَلٌ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ كانَ التَّقْدِيرُ لِيَسْتَأْذِنَكم هَؤُلاءِ في ثَلاثِ عَوْراتٍ مَخْصُوصَةٍ بِالِاسْتِئْذانِ. ويَدْفَعُهُ وُجُوهٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمِ المَعانِي. أحَدُها اشْتِراطُ تَقَدُّمِ عِلْمِ السّامِعِ بِالوَصْفِ وهو مُنْتَفٍ إذْ لَمْ يَعْلَمُ إلّا مِن هَذا. والثّانِي جَعْلُ الحُكْمِ المَقْصُودِ وصَفًّا لِلظَّرْفِ فَيَصِيرُ غَيْرَ مَقْصُودٍ. والثّالِثُ أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في المَرّاتِ الثَّلاثِ حاصِلٌ وصَفَتْ بِأنَّ لا حَرَجَ وراءَها أوْ لَمْ تُوصَفْ فَيَضِيعُ الوَصْفُ. وأمّا إذا وصَفَ المَرْفُوعَ فَيَزُولُ الدَّوافِعُ لِأنَّهُ ابْتِداءُ تَعْلِيمٍ أيْ هُنَّ ثَلاثٌ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ وصِفَةٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُودِ ولَمْ يَتَقَيَّدْ أمْرُ الِاسْتِئْذانِ بِهِ فَلْيَتَأمَّلْ فَإنَّهُ دَقِيقٌ جَلِيلٌ انْتَهى، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ساقِطانِ لا طائِلَ تَحْتَهُما والأوَّلُ هو الوَجْهُ. فَإنْ قِيلَ: هو مُشْتَرِكُ الإلْزامِ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ما يَرْشُدُ إلى العِلْمِ بِذَلِكَ ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مِن أجْزائِهِ كَما هي كَذَلِكَ عَلى فَرْضِ جَعْلِها صِفَةٍ لِلْبَدَلِ ولا يَحْتاجُ مَعَ هَذا إلى حَدِيثِ أنَّ رَفْعَ الحَرَجِ وراءَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ بَلْ قِيلَ هو في نَفْسِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ المَقْصُودَ الأُولى الِاسْتِئْذانُ في الأوْقاتِ المَخْصُوصَةِ ورَفْعُ الحَرَجِ في غَيْرِها
صفحة 215
تابِعٌ لَهُ لِقَوْلِ المُحَدِّثِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَهى آباءَنا وخَدَمَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا بِإذْنٍ ثُمَّ انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وفي الكَشْفِ أنَّهُ جِيءَ بِهِ أيْ بِالكَلامِ الدّالِّ عَلى رَفْعِ الحَرَجِ أعْنِي ‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ عَلى رَفْعِ ‏‏‏ مُؤَكِّدًا لِلسّالِفِ عَلى طَرِيقِ الطَّرْدِ والعَكْسِ وكَذَلِكَ إذا نَصَبَ وجَعَلَ اسْتِئْنافًا وأمّا إذا جَعَلَ وصَفًّا فَيَفُوتُ هَذا المَعْنى. وهَذا أيْضًا مِنَ الدَّوافِعِ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم طَوّافُونَ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ العُذْرِ المُرَخَّصِ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ وهو المُخالَطَةُ الضَّرُورِيَّةُ وكَثْرَةُ المُداخَلَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَعْلِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وكَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها بِأنَّها عَوْراتٌ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا ومُتَعَلِّقَ الجارِ كَوْنُ خاصٍّ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلِهِ عَلَيْهِ أيْ بَعْضِكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن ‏‏‏‏‏، وتَعَقَّبُهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِن ‏‏‏‏‏ نَفْسُهُ فَلا يَجُوزُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وهو مَعْنى لا يَصِحُّ وإنْ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَلا يَصِحُّ أيْضًا إنْ قَدَّرَ الضَّمِيرَ ضَمِيرَ غِيبَةٍ لِتَقْدِيرِهِمْ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وإنْ جَعَلَ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ يَطُوفُ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ فَيَدْفَعُهُ أنَّ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُطَوِّفُ عَلَيْهِمْ وأنْتُمْ طَوّافُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طائِفُونَ فَيَتَعارَضانِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ أنْتُمْ طَوّافُونَ ويُرادُ بِأنْتُمُ المُخاطِبُونَ والغَيْبُ مِنَ المَمالِيكِ والصِّبْيانِ وهو كَما تَرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِنَ الَّتِي قَبْلِها وكَوْنُها مُبِينَةً مُؤَكِّدَةً، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن جَبْرِ قُلُوبِ المَمالِيكِ بِجَعْلِهِمْ بَعْضًا مِنَ المُخاطِبِينَ وبِذَلِكَ يَقْوى أمْرُ العَلِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «طَوّافِينَ» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرٍ عَلَيْهِمْ ‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعُدَ عَلى ما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةُ: 143] وفي غَيْرِهِ أيْضًا أيْ مِثْلِ ذَلِكَ التَّبْيِينِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الدّالَّةُ عَلى ما فِيهِ نَفْعُكم وصَلاحُكم أيْ يُنَزِّلُها مُبَيِّنَةً واضِحَةَ الدَّلالَةِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّحِيحِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، وقِيلَ: يُبَيِّنُ عِلَلَ الأحْكامِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ مَعَ أنَّهُ مُؤَدٍّ إلى تَخْصِيصِ الآياتِ بِما ذُكِرَ هاهُنا.

‏‏‏ ‏‏‏‏ مُبالَغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم ‏‏‏‏ في جَمِيعِ أفاعِيلِهِ فَيَشْرَعُ لَكم ما فِيهِ صَلاحُكم مَعاشًا ومَعادًا.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allah make clear to you His verses; and Allah is Knowing and Wise.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allah is Hearing and Knowing.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

There is not upon the blind [any] constraint nor upon the lame constraint nor upon the ill constraint nor upon yourselves when you eat from your [own] houses or the houses of your fathers or the houses of your mothers or the houses of your brothers or the houses of your sisters or the houses of your father's brothers or the houses of your father's sisters or the houses of your mother's brothers or the houses of your mother's sisters or [from houses] whose keys you possess or [from the house] of your friend. There is no blame upon you whether you eat together or separately. But when you enter houses, give greetings of peace upon each other - a greeting from Allah, blessed and good. Thus does Allah make clear to you the verses [of ordinance] that you may understand.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

The believers are only those who believe in Allah and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muhammad] - those are the ones who believe in Allah and His Messenger. So when they ask your permission for something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allah knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from the Prophet's order, lest fitnah strike them or a painful punishment.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Unquestionably, to Allah belongs whatever is in the heavens and earth. Already He knows that upon which you [stand] and [knows] the Day when they will be returned to Him and He will inform them of what they have done. And Allah is Knowing of all things.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 24:56–64 Just this one

The same ayah, in another commentary

An-Nūr 24:56