All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Az-Zumar 39:6 Juzʾ 23 Page 459

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

He created you from one soul. Then He made from it its mate, and He produced for you from the grazing livestock eight mates. He creates you in the wombs of your mothers, creation after creation, within three darknesses. That is Allah, your Lord; to Him belongs dominion. There is no deity except Him, so how are you averted?

Read in the muṣḥaf

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ إلَخْ، دَلِيلٌ آخَرُ عَلى الوَحْدَةِ والقَهْرِ.

وتُرِكَ عَطْفُهُ عَلى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدِّلالَةِ ولِتَعَلُّقِهِ بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ، والبُداءَةِ بِخَلْقِ الإنْسانِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ وأعْجَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ العَقْلِ، وقَبُولِ الأمانَةِ الإلَهِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ:

وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأكْبَرُ
والمُرادُ بِالنَّفْسِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ حَوّاءَ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن قُصَيْرى ضِلَعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اليُسْرى، وهي أسْفَلُ الأضْلاعِ عَلى مَعْنى أنَّها خُلِقَتْ مِن بَعْضِها، أوْ خُلِقَتْ مِنها كُلِّها، وخَلَقَ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ مَكانَها، عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِنَفْسٍ، أيْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، أوْ عَلى واحدة لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ فَيَجُوزُ عَطْفُ الفِعْلِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا“، ويُعْتَبَرُ ماضِيًا لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ لِلْمُضِيِّ إذا لَمْ يَعْمَلْ، أيْ مِن نَفْسٍ وُحِّدَتْ، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، ورَجَحَ بِسَلامَتِهِ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ، أوْ عَلى خلقكم لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما في الدِّلالَةِ فَإنَّهُما، وإنْ كانَتا آيَتَيْنِ دالَّتَيْنِ عَلى ما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ لَكِنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِنَ الضِّلَعِ أعْظَمُ وأجْلَبُ لِلتَّعَجُّبِ، ولِذا عَبَّرَ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ، فَثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، ويَجُوزُ فِيهِ كَوْنُ الثّانِي أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ الأوَّلِ، وعَكْسُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ مِنهُ حَوّاءَ، فالمُرادُ بِخَلْقِهِمْ مِنهُ إخْراجُهم مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، فالعَطْفُ عَلى خلقكم وثُمَّ عَلى ظاهِرِها، وهَذا لا يُقْبَلُ إلّا إذا صَحَّ مَرْفُوعًا، أوْ في حُكْمِهِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَ آياتٍ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا أبٍ وأُمٍّ، وخَلْقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، وخَلْقَ ذُرِّيَّتِهِ الَّتِي لا يُحْصِي عَدَدَها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اسْتِدْلالٌ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ، والإنْزالُ مَجازٌ عَنِ القَضاءِ والقِسْمَةِ، فَإنَّهُ تَعالى إذا قَضى وقَسَّمَ أثْبَتَ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ونَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلَةُ بِإظْهارِهِ، ووَصْفُهُ بِالنُّزُولِ مَعَ أنَّهُ مَعْنًى شائِعٌ مُتَعارَفٌ كالحَقِيقَةِ، والعَلاقَةُ بَيْنَ الإنْزالِ والقَضاءِ الظُّهُورُ بَعْدَ الخَفاءِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في نِسْبَةِ الإنْزالِ إلى الأنْعامِ، والمُنَزَّلُ حَقِيقَةُ أسْبابِ حَياتِها كالأمْطارِ، ووَجْهُ ذَلِكَ المُلابَسَةُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: يُرادُ بِالأزْواجِ أسْبابُ تَعَيُّشِها، أوْ يُجْعَلُ الإنْزالُ مَجازًا عَنْ إحْداثِ ذَلِكَ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، واللَّهُ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ في الجَنَّةِ، ثُمَّ أنْزَلَها مِنها، ولا أرى لِهَذا الخَبَرِ صِحَّةً، والأنْعامُ الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ والمَعْزُ، وكانَتْ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ، لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ، والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأناسِيِّ والأنْعامِ إظْهارًا لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ القُدْرَةِ، وفِيهِ تَغْلِيبانِ تَغْلِيبُ أُولِي العَقْلِ عَلى غَيْرِهِمْ، وتَغْلِيبُ الخِطابِ
صفحة 241
عَلى الغَيْبَةِ، كَذا قِيلَ، والأظْهَرُ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّدَرُّجِ والتَّجَدُّدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أنَّ تَعَلُّقَ مِن بَعْدُ بِالفِعْلِ، وإلّا فَغَيْرُ مُؤَكِّدٍ أيْ يَخْلُقُكم فِيها خَلْقًا مُدْرَجًا حَيَوانًا سَوِيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ مِن بَعْدِ مُضَغٍ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مِن بَعْدِ عَلَقَةٍ مِن بَعْدِ نُطْفَةٍ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ”خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ“ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ، كَما يُقالُ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِخَلْقَيْنِ. وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ ”يَخْلُقْكُّمْ“ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ، ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ظُلْمَةِ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ، وقِيلَ: ظُلْمَةُ الصُّلْبِ والبَطْنِ والرَّحِمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَخْلُقُكُمْ، وجَوَّزَ الشِّهابُ تَعَلُّقَهُ (بِخَلْقًا) بِناءً عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَكِّدٍ، وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”في بطون أمهاتكم ذلكم الله ربكم“ إشارَةٌ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ المَذْكُورَةِ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ تَعالى في العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ خَبَرُهُ، وربكم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوِ الِاسْمُ الجَلِيلُ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ، وهو الخَبَرُ، أيْ ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي عُدِّدَتْ أفْعالُهُ اللَّهُ مُرَبِّيكم فِيما ذُكِرَ مِنَ الأطْوارِ وفِيما بَعْدَها، ومالِكُكُمُ المُسْتَحِقُّ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ سُبْحانَهُ، ‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى الإطْلاقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لَيْسَ لِغَيْرِهِ تَعالى شَرِكَةٌ ما في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ جُمْلَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولَمْ يُصَرِّحْ مَعَها بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ اعْتِمادًا عَلى فَهْمِ السّامِعِ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما ذُكِرَ.

مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى مَعَ وُفُورِ مُوجِباتِها ودَواعِيها وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْها مَعَ كَثْرَةِ الصَّوارِفِ عَنْها.

The same ayah, in another commentary

Az-Zumar 39:6