قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ؛ مِنهُمُ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ المُبايِنُ لِقَوْمِهِ في الهِجْرَةِ، خَرَجَ إلى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ في دِيارِهِمْ وعَقارِهِمْ وأمْوالِهِمْ. وفي (p-٢١٣)قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قالَ: آوَوْا ونَصَرُوا وأعْلَنُوا ما أعْلَنَ أهْلُ الهِجْرَةِ، وشَهَرُوا السُّيُوفَ عَلى مَن كَذَّبَ وجَحَدَ، فَهَذانِ مُؤْمِنانِ، جَعَلَ اللَّهُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بَيْنَهم إذا تُوُفِّيَ المُؤْمِنُ المُهاجِرُ بِالوَلايَةِ في الدِّينِ، وكانَ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لا يَرِثُ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، فَبَوَّأ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ مِن مِيراثِهِمْ، وهي الوَلايَةُ الَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿ ﴾ وكانَ حَقًّا عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا إذا اسْتَنْصَرُوهم في الدِّينِ أنْ يَنْصُرُوهم إنْ قُوتِلُوا، إلّا أنْ يَسْتَنْصِرُوا عَلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، ولا نَصْرَ لَهم عَلَيْهِمْ، إلّا عَلى العَدُوِّ الَّذِي لا مِيثاقَ لَهُمْ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنْ ألْحِقْ كُلَّ ذِي رَحِمٍ بِرَحِمِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا، فَجَعَلَ لِكُلِّ إنْسانٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [الأنفال: ٧٥] وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخى بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَآخى بَيْنَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وبَيْنَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وبَيْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومُعاذِ ابْنِ عَفْراءَ، وبَيْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وبَيْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وقالَ لِسائِرِ أصْحابِهِ: تَآخَوْا وهَذا أخِي. يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ. قالَ: فَأقامَ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ”الأنْفالِ“ وكانَ مِمّا شَدَّدَ اللَّهُ بِهِ عَقْدَ نَبِيِّهِ ﷺ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [الأنفال: ٧٤] (p-٢١٤)فَأحْكَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآياتِ العَقْدَ الَّذِي عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أصْحابِهِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، يَتَوارَثُ الَّذِينَ تَآخَوْا دُونَ مَن كانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مِن ذَوِي الأرْحامِ والقَراباتِ، فَمَكَثَ النّاسُ عَلى ذَلِكَ العَقْدِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ الأُخْرى فَنَسَخَتْ ما كانَ قَبْلَها، فَقالَ: ﴿ ﴾ [الأنفال: ٧٥] والقَراباتِ، ورَجَعَ كُلُّ رَجُلٍ إلى نَسَبِهِ ورَحِمِهِ وانْقَطَعَتْ تِلْكَ الوِراثَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ يَعْنِي: في المِيراثِ؛ جَعَلَ اللَّهُ المِيراثَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ الأرْحامِ، ﴿ ﴾ ما لَكم مِن مِيراثِهِمْ شَيْءٌ حَتّى يُهاجِرُوا ﴿ ﴾ يَعْنِي: إنِ اسْتَنْصَرَ الأعْرابُ المُسْلِمُونَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ عَلى عَدُوٍّ لَهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَنْصُرُوهُمْ، ﴿ ﴾ فَكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَنَسَخَتِ الَّتِي قَبْلَها، وصارَتِ (p-٢١٥)المَوارِيثُ لِذَوِي الأرْحامِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قالَ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قالَ: لُبِثَ بُرْهَةٌ والأعْرابِيُّ لا يَرِثُ المُهاجِرَ، ولا المُهاجِرُ يَرِثُ الأعْرابِيَّ، حَتّى فُتِحَتْ مَكَّةُ ودَخَلَ النّاسُ في الدِّينِ أفْواجًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَوارَثَ المُسْلِمُونَ بِالهِجْرَةِ، فَكانَ لا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُسْلِمُ مِنَ المُهاجِرِ المُسْلِمِ (p-٢١٦)شَيْئًا حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ في سُورَةِ الأحْزابِ: ﴿ ﴾ [الأحزاب: ٦] فَخَلَطَ اللَّهُ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، وصارَتِ المَوارِيثُ بِالمِلَلِ.
وأخْرُجُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا بَعَثَ أمِيرًا عَلى سَرِيَّةٍ أوْ جَيْشٍ، أوْصاهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوى اللَّهِ وبِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا وقالَ: اغْزُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قاتِلُوا مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، إذا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهم إلى إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ، فَأيَّتُهُنَّ ما أجابُوكَ إلَيْها فاقْبَلْ مِنهم وكُفَّ عَنْهُمُ؛ ادْعُهم إلى الإسْلامِ فَإنْ أجابُوكَ فاقْبَلْ مِنهم وكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهم إلى التَّحَوُّلِ مِن دارِهِمْ إلى دارِ المُهاجِرِينَ، وأعْلِمْهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أنَّ لَهم ما لِلْمُهاجِرِينَ وأنَّ عَلَيْهِمْ ما عَلى المُهاجِرِينَ، فَإنْ أبَوْا واخْتارُوا دارَهم فَأعْلِمْهم أنَّهم يَكُونُونَ كَأعْرابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلى المُؤْمِنِينَ، ولا يَكُونُ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ نَصِيبٌ، إلّا أنْ يُجاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ هم أبَوْا فادْعُهم إلى إعْطاءِ الجِزْيَةِ، فَإنْ أجابُوا فاقْبَلْ مِنهم وكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ أبَوْا فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ثُمَّ قاتِلْهم» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ (p-٢١٧)النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «جاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم وألْسِنَتِكم» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ قالَ: نُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ أهْلِ مِيثاقِهِمْ، فَواللَّهِ لَأخُوكَ المُسْلِمُ أعْظَمُ عَلَيْكَ حُرْمَةً وحَقًّا.