All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Anfāl 8:72 Juzʾ 10 Page 186

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allah and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no guardianship of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allah is Seeing of what you do.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا بَيَّنَ لِلْأسْرى أنَّ الخَيْرَ الَّذِي لَمْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن قُلُوبِهِمْ غَيْرُ اللَّهِ لا يَنْفَعُهم في إسْقاطِ الفِداءِ عَنْهم لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ العَدَمِ؛ لِأنَّ مَبْنى الشَّرْعِ عَلى ما يُمْكِنُ المُكَلَّفَ مَعْرِفَتُهُ وهو الظَّواهِرُ، وخَتَمَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ الخَبَرَ الَّذِي يُفِيدُ القُرْبَ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ المُناصَرَةُ وكُلُّ خَيْرٍ، فَقالَ مُقَسِّمًا أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَةَ أقْسامٍ: قِسْمٌ جَمَعَ الإيمانَ والهِجْرَةَ أوَّلًا والجِهادَ، وقِسْمٌ آوى، وقِسْمٌ آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ، وقِسْمٌ هاجَرَ مِن بَعْدُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: واقَعُوا الهِجْرَةَ (p-٣٣٧)مِن بِلادِ الشِّرْكِ، وهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، هَجَرُوا أوْطانَهم وعَشائِرَهم وأحْبابَهم حُبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: واقَعُوا الجِهادَ، وهو بَذْلُ الجُهْدِ في تَوْهِينِ الكُفْرِ وأهْلِهِ.

ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ في آلاتِ الجِهادِ مِنَ النَّفْسِ والمالِ تارَةً بِالحَثِّ عَلى إنْفاقِهِ وأُخْرى بِالنَّهْيِ عَنْ حُبِّهِ وتارَةً بِالتَّسْلِيَةِ لِلْأسْرى عِنْدَ فَقْدِهِ، كانَ الأنْسَبُ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: بِإنْفاقِهِمْ لَها في الجِهادِ وتَضْيِيعِ بَعْضِها بِالهِجْرَةِ مِنَ الدِّيارِ والنَّخِيلِ وغَيْرِها ‏‏‏‏‏‏‏ بِإقْدامِهِمْ عَلى القِتالِ مَعَ شِدَّةِ الأعْداءِ وكَثْرَتِهِمْ؛ وقَدَّمَ المالَ لِأنَّهُ سَبَبُ قِيامِ النَّفْسِ، وكانَ في غايَةِ العِزَّةِ في أوَّلِ الأمْرِ، وأخَّرَ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ لِذَلِكَ، ”وفِي“ سَبَبِيَّةٌ أيْ: جاهَدُوا بِسَبَبِهِ حَتّى لا يَصُدَّ عَنْهُ صادٌّ فَتَظْهَرَ مَحاسِنُهُ ويَسْهُلَ المُرُورُ فِيهِ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِ: ”فِي“ إعْلامًا بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ السَّبِيلِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِن ظَرْفِهِ حَتّى يَكُونَ الدِّينُ غالِبًا عَلَيْهِ لا يَخْرُجُ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأمّا في سُورَةِ بَراءَةَ فَلَمّا كانَ السِّياقُ في بَعْضِ الأماكِنِ بِها لِلسَّبِيلِ قُدِّمَ - كَما سَيَأْتِي، وأيْضًا فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في أوائِلِ الأمْرِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وكانَ الحالُ إذْ ذاكَ شَدِيدًا جِدًّا، والأمْوالُ في غايَةِ القِلَّةِ، والأعْداءُ لا يُحْصَوْنَ، فَناسَبَ الِاهْتِمامُ بِشَأْنِ المالِ والنَّفْسِ (p-٣٣٨)فَقُدِّما تَرْغِيبًا في بَذْلِهِما، وأمّا بَراءَةُ فَنَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ في أواخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ، فَكانَ المالُ قَدِ اتَّسَعَ، والدِّينُ قَدْ عَزَّ وضَخُمَ وقَوِيَ وعَظُمَ، وأسْلَمَ غالِبُ النّاسِ، فَبَعُدَتْ مَواضِعُ الجِهادِ فَعَظُمَتِ المَشَقَّةُ، وتَواكَلَ النّاسُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ورَغِبُوا في الإقْبالِ عَلى إصْلاحِ الأمْوالِ، فَناسَبَ البُداءَةَ هُناكَ بِالسَّبِيلِ.

ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الهِجْرَةِ الأُولى، أتْبَعَهم أهْلَ النُّصْرَةِ، وهُمُ القِسْمُ الثّانِي مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا عَلى زَمَنِهِ ﷺ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأسْكَنُوهم في دِيارِهِمْ، وقَسَّمُوا لَهم مِن أمْوالِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِمْ أنْ يَنْزِلُوا لَهم عَنْ بَعْضِ نِسائِهِمْ لِيَتَزَوَّجُوهُنَّ، وإنَّما قَصَرَ الفِعْلَ إشارَةً إلى تَعْظِيمِ فِعْلِهِمْ بِحَيْثُ كَأنَّهُ لا إيواءَ في الوُجُودِ غَيْرُ ما فَعَلُوا، وكَذا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ: اللَّهَ ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وهُمُ الأنْصارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حازُوا هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فَكانُوا في الذُّرْوَةِ مِن كِلْتا الحُسْنَيَيْنِ، ولَوْلا إيواؤُهم ونَصْرُهم لَما تَمَّ المَقْصُودُ، والمُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ أعْلى مِنهم لِسَبْقِهِمْ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ ولِحَمْلِهِمُ الأذى مِنَ الكُفّارِ زَمانًا طَوِيلًا وصَبْرِهِمْ عَلى فُرْقَةِ الأوْطانِ والعَشائِرِ.

وأشارَ إلى القِسْمَيْنِ بِأداةِ البُعْدِ لِعُلُوِّ مَقامِهِمْ وعِزِّ مَرامِهِمْ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ أيِ: العالُو الرُّتْبَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في المِيراثِ دُونَ القُرْبِ العارِي عَنْ ذَلِكَ، فَبَيَّنَ أنَّ الإيمانَ (p-٣٣٩)إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِشَهِيدَيْنِ هُما الهِجْرَةُ والجِهادُ مِنَ الغُرَّبِ عَنِ المَدِينَةِ وشَهِيدِينَ هُما الإيواءُ والنُّصْرَةُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، كانَ عائِقًا عَنْ مُطْلَقِ القُرْبِ بَلْ مانِعًا مِن نُفُوذِ لُحْمَةِ النَّسَبِ كُلَّ النُّفُوذِ، فَكَأنَّ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِمَّنْ هاجَرَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومادَّةُ ولِيَ بِجَمِيعِ تَصارِيفِها تَرْجِعُ إلى المَيْلِ، ويَلْزَمُ مِنهُ القُرْبُ والبُعْدُ، ورُبَّما نَشَأ عَنْ كُلٍّ مِنهُما الشِّدَّةُ، وتَرْتِيبُ ولِيَ بِخُصُوصِهِ يَدُورُ عَلى القُرْبِ، ومِن لَوازِمِهِ النُّصْرَةُ، فالمَعْنى: بَعْضُهم أقْرِباءُ بَعْضٍ، يَلْزَمُ كُلًّا مِنهم في حَقِّ الآخَرِ مِنَ المُناصَرَةِ وغَيْرِهِ ما يَلْزَمُ القَرِيبَ لِقَرِيبِهِ، فَمَتى جَمَعَهم وصْفٌ جَعَلَهم شُرَكاءَ فِيما يُثْمِرُهُ، فَوَصَفَ الحُضُورَ في غَزْوَةٍ يُشْرَكُ بَيْنَهم في الغَنائِمِ؛ لِأنَّ أنْواعَ الجِهادِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم باشَرَ بَعْضَها، فَعَنْ حُضُورِ الكُلِّ نَشَأتِ النُّصْرَةُ، والمُهاجِرُ في الأصْلِ مَن فارَقَ الكُفّارَ بِقَلْبِهِ ولاواهُمْ، ورافَقَ المُؤْمِنِينَ بِحُبِّهِ ولُبِّهِ ووالاهُمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَذا قَدْ يَخْفى، نِيطَ الأمْرُ بِالمَظِنَّةِ وهي الدّارُ، لِأنَّها أمْرٌ ظاهِرٌ، فَصارَ المُهاجِرُ مَن باعَدَ دارَ المُشْرِكِينَ فِرارًا بِدِينِهِ، ثُمَّ صارَ شَرْطُ ذَلِكَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ تَكُونَ النَّقْلَةُ إلى دارِ هِجْرَتِهِ: المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ هَذا حُكْمُ كُلِّ مُهاجِرٍ إلّا ما كانَ مِن خُزاعَةَ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ قَدْ عَلِمَ مِن مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ حُبَّهُ ونُصْحَهُ وبُغْضَ عَدُوِّهِ فَلَمْ يُلْزِمْ مُؤْمِنَهُمُ النَّقْلَةَ؛ قالَ الحافِظُ أبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ المَدْخَلِ إلى (p-٣٤٠)الِاسْتِيعابِ؛ ويُقالُ لِخُزاعَةَ حُلَفاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهم حُلَفاءُ بَنِي هاشِمٍ وقَدْ أدْخَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كِتابِ القَضِيَّةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ - إلى أنْ قالَ: وأعْطاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَنزِلَةً لَمْ يُعْطِها أحَدًا مِنَ النّاسِ أنْ جَعَلَهم مُهاجِرِينَ بِأرْضِهِمْ وكَتَبَ لَهم بِذَلِكَ كِتابًا. انْتَهى.

وقالَ شاعِرُهم نُجِيدُ بْنُ عِمْرانَ الخُزاعِيُّ يَفْخَرُ بِذَلِكَ وغَيْرُهُ مِمّا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:

؎وقَدْ أنْشَأ اللَّهُ السَّحابَ بِنَصْرِنا رُكامَ سَحابِ الهَيْدَبِ المُتَراكِبِ

؎وهِجْرَتُنا في أرْضِنا عِنْدَنا بِها ∗∗∗ كِتابٌ أتى مَن خَيْرِ مُمْلٍ وكاتِبِ

؎ومِن أجْلِنا حَلَّتْ بِمَكَّةَ حُرْمَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لِنُدْرِكَ ثَأْرًا بِالسُّيُوفِ القَواضِبِ

ذَكَرَ ذَلِكَ الحافِظُ أبُو الرَّبِيعِ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ في غَزْوَةِ الفَتْحِ مِن سِيرَتِهِ، والَّذِي تَوَلّى حِلْفَهم أوَّلًا هو عَبْدُ المُطَّلِبِ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ الواقِدِيُّ في أوَّلِ غَزْوَةِ الفَتْحِ: وكانَتْ خُزاعَةُ حُلَفاءَ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ رَسُولُ ﷺ بِذَلِكَ عارِفًا، لَقَدْ جاءَتْهُ يَوْمَئِذٍ - يَعْنِي يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ - خُزاعَةُ بِكِتابِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَرَأهُ وهو ”بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ هَذا حِلْفَ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هاشِمٍ لِخُزاعَةَ إذْ قَدِمَ عَلَيْهِ وسُراتُهم (p-٣٤١)وأهْلُ الرَّأْيِ، غائِبُهم مُقِرٌّ بِما قَضى عَلَيْهِ شاهِدُهُمْ، إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكم عَهْدَ اللَّهِ وعُقُودَهُ، ما لا يُنْسى أبَدًا، اليَدُ واحِدَةٌ والنَّصْرُ واحِدٌ، ما أشْرَفَ ثُبَيْرٌ وثَبَتَ حِراءُ، وما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً، لا يَزْدادُ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكم إلّا تَجَدُّدًا أبَدًا أبَدًا، الدَّهْرَ سَرْمَدًا“ فَقَرَأهُ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: ”ما أعْرَفَنِي بِحِلْفِكم وأنْتُمْ عَلى ما أسْلَمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحِلْفِ، وكُلُّ حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسْلامِ“؛ قالَ الواقِدِيُّ: ”وجاءَتْهُ أسْلَمُ هو بِغَدِيرِ الأشْطاطِ“ جاءَ بِهِمْ بُرَيْدَةُ بْنُ الحَصِيبِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أسْلَمُ وهَذِهِ مِحالُّها وقَدْ هاجَرَ إلَيْكَ مَن هاجَرَ مِنها وبَقِيَ قَوْمٌ مِنهم في مَواشِيهِمْ ومَعاشِهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتُمْ مُهاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، ودَعا العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ فَأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ لَهم كِتابًا فَكَتَبَ: ”هَذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأسْلَمَ لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ وشَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَإنَّهُ آمَنَ بِأمانِ اللَّهِ، ولَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ، وإنَّ أمْرَنا وأمْرَكم واحِدٌ عَلى مَن دَهَمَنا مِنَ النّاسِ بِظُلْمٍ، اليَدُ واحِدَةٌ والنَّصْرُ واحِدٌ، ولِأهْلِ بادِيَتِهِمْ مِثْلُ ما لِأهْلِ قَرارِهِمْ (p-٣٤٢)وهم مُهاجِرُونَ حَيْثُ كانُوا“ وكَتَبَ العَلاءُ بْنُ الحَضْرَمِيِّ فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! نِعْمَ الرَّجُلُ بُرَيْدَةُ بْنُ الحُصَيْبِ لِقَوْمِهِ عَظِيمُ البَرَكَةِ عَلَيْهِمْ، مَرَرْنا بِهِ لَيْلَةَ مَرَرْنا ونَحْنُ مُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ، فَأسْلَمَ وأسْلَمَ مَعَهُ مِن قَوْمِهِ مَن أسْلَمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نِعْمَ الرَّجُلُ بُرَيْدَةُ لِقَوْمِهِ وغَيْرِ قَوْمِهِ. يا أبا بَكْرٍ، إنَّ خَيْرَ القَوْمِ مَن كانَ مُدافِعًا عَنْ قَوْمِهِ ما لَمْ يَأْثَمْ، فَإنَّهُ الإثْمُ لا خَيْرَ فِيهِ”انْتَهى.

وأسْلَمُ شَعْبٌ مِن أرْبَعَةِ شُعُوبٍ مِن خُزاعَةَ. ولَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ لِظُهُورِ الدِّينِ وضَعْفِ المُشْرِكِينَ، وقامَ مَقامَ الهِجْرَةِ النِّيَّةُ الخالِصَةُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالجِهادِ كَما قالَ ﷺ: «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ“». وقالَ ﷺ: «”المُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» فَإنْ كانَ المُؤْمِنُ لا يَتَمَكَّنُ مِن إظْهارِ دِينِهِ وجَبَتْ عَلَيْهِ النَّقْلَةُ.

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ تَعالى أمْرَ مَن جَمَعَ الشُّرُوطَ، شَرَعَ يُبَيِّنُ حُكْمَ مَن قَعَدَ عَنْ بَعْضِها وهو القِسْمُ الثّالِثُ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ: اشْتُهِرَ إيمانُهم ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَبْلَ الفَتْحِ بَلِ اسْتَمَرُّوا في بِلادِهِمْ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏ أيْ: في التَّوارُثِ ولا في غَيْرِهِ؛ ورَغَّبَهم في الهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: يُواقِعُوا الهِجْرَةَ لِدارِ الشِّرْكِ ومَن فِيها ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: طَلَبُوا نَصْرَكم ‏ ‏‏‏‏ أيْ: (p-٣٤٣)بِسَبَبِ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الدِّينِ تَمَكُّنَ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ، فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهم عَلَيْكم حَقُّ القَرِيبِ إلّا في الِاسْتِنْصارِ في الدِّينِ، فَإنَّ تَرْكَ نَصْرِهِمْ يَجُرُّ إلى مَفْسَدَةٍ كَما أنَّ مُوالاتَهم تَجُرُّ إلى مَفاسِدَ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنَ الوُجُوبِ فَقالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏ وقَعَ وكانَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: لِأنَّ اسْتِنْصارَهم يُوقِعُ بَيْنَ مَفْسَدَتَيْنِ: تَرْكِ نُصْرَةِ المُؤْمِنِ ونَقْضِ العَهْدِ وهو أعْظَمُهُما، فَقُدِّمَتْ مُراعاتُهُ وتُرِكَتْ نُصْرَتُهُمْ، فَإنْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفّارِ فَهو المُرادُ مِن غَيْرِ أنْ تُدَنِّسُوا بِنَقْضٍ، وإنْ نُصِرَ الكُفّارُ حَصَلَ لِمَن قُتِلَ مِن إخْوانِكُمُ الشَّهادَةُ ولِمَن بَقِيَ الضَّمانُ بِالكِفايَةِ، وكانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الهِجْرَةِ، ومَنِ ارْتَدَّ مِنهم أبْعَدَهُ اللَّهُ ولَنْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، فَقَدْ وقَعَ - كَما تَرى - تَقْسِيمُ المُؤْمِنِينَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أعْلاها المُهاجِرُ، ويَلِيهِ النّاصِرُ، وأدْناها القاعِدُ القاصِرُ، وبَقِيَ قِسْمٌ رابِعٌ يَأْتِي؛ قالَ أبُو حَيّانَ: فَبَدَأ بِالمُهاجِرِينَ - أيِ: الأوَّلِينَ - لِأنَّهم أصْلُ الإسْلامِ وأوَّلُ مَنِ اسْتَجابَ لِلَّهِ تَعالى، فَهاجَرَ قَوْمٌ إلى المَدِينَةِ، وقَوْمٌ إلى الحَبَشَةِ، وقَوْمٌ إلى ابْنِ ذِي يَزَنَ، ثُمَّ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ وكانُوا قُدْوَةً لِغَيْرِهِمْ في الإيمانِ وسَبَبَ تَقْوِيَةِ الدِّينِ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وثَنّى بِالأنْصارِ لِأنَّهم ساوَوْهم (p-٣٤٤)فِي الإيمانِ وفي الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمالِ، لَكِنَّهُ عادَلَ بِالهِجْرَةِ الإيواءَ والنُّصْرَةَ، وانْفَرَدَ المُهاجِرُونَ بِالسَّبْقِ، وذَكَرَ ثالِثًا مَن آمَنَ ولَمْ يَنْصُرْ، فَفاتَهم هاتانِ الفَضِيلَتانِ وحُرِمُوا الوِلايَةَ حَتّى يُهاجِرُوا، ثُمَّ قالَ: «آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ،» فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ، ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: واسْتَمَرَّ أمْرُهم كَذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ. انْتَهى.

لَكِنْ ما ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ - كَما سَيَأْتِي - مِن أنَّ حُكْمَ ذَلِكَ زالَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ أوْلى لِلْآيَةِ الآتِيَةِ آخِرَ السُّورَةِ مَعَ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مِن آيَةِ الأحْزابِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ بِمَصالِحِكم خَبِيرٌ، وكانَ لِلنُّفُوسِ دَواعٍ إلى مُناصَرَةِ الأقارِبِ والأحْبابِ ومُعاداةِ غَيْرِهِمْ خُفْيَةً، ولَها دَسائِسُ تُدْرَكُ، حَذَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: عاطِفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ: ‏‏‏ أيِ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَيانِ المَصالِحِ الَّتِي تُنَظِّمُ الدِّينَ وتَهْدِمُ ما عَداهُ، وكانَ لِلنُّفُوسِ - كَما تَقَدَّمَ - أحْوالٌ، اقْتَضى تَأْكِيدُ العِلْمِ بِالخَفايا فَقَدَّمَ الجارَّ الدّالَّ عَلى الِاخْتِصاصِ الَّذِي هو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ فَقَطْ مُرَهِّبًا: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَرْغِيبٌ في العَمَلِ بِما حَثَّ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ والإنْفاقِ والتَّحَرِّي (p-٣٤٥)فِي جَمِيعٍ مِن ذَلِكَ وتَرْهِيبٌ مِنَ العَمَلِ بِأضْدادِها، وفي“البَصِيرِ" إشارَةٌ إلى العِلْمِ بِما يَكُونُ مِن ذَلِكَ خالِصًا أوْ مَشُوبًا، فَفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلى الإخْلاصِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:72