﴿ ﴾ هُمُ المُهاجِرُونَ الَّذِينَ هَجَرُوا أوْطانَهم وتَرَكُوها لِأعْدائِهِمْ في اللَّهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ( ﴿ ﴾ ) فَصَرَفُوها لِلْكُراعِ والسِّلاحِ وأنْفَقُوها عَلى المَحاوِيجِ مِنَ المُسْلِمِينَ ( ﴿﴾ ) بِمُباشِرَةِ القِتالِ واقْتِحامِ المَعارِكِ والخَوْضِ في لَجَجِ المَهالِكِ ( ﴿ ﴾ ) قِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِجاهَدُوا قَيْدٌ لِنَوْعَيِ الجِهادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّنازُعِ في العَمَلِ بَيْنَ هاجَرُوا وجاهَدُوا ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ لِما أنَّ المُجاهَدَةَ بِالأمْوالِ أكْثَرُ وُقُوعًا وأتَمُّ دَفْعًا لِلْحاجَةِ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ بِلا مُجادَّةٍ بِالمالِ، وقِيلَ: تَرْتِيبُ هَذِهِ المُتَعاطِفاتِ في الآيَةِ عَلى حَسَبِ الوُقُوعِ فَإنَّ الأوَّلَ الإيمانُ ثُمَّ الهِجْرَةُ ثُمَّ الجِهادُ بِالمالِ لِنَحْوِ التَّأهُّبِ لِلْحَرْبِ ثُمَّ الجِهادُ بِالنَّفْسِ ( ﴿ ﴾ ) هُمُ الأنْصارُ آوَوُا المُهاجِرِينَ وأنْزَلُوهم مَنازِلَهم وآثَرُوهم عَلى أنْفُسِهِمْ ونَصَرُوهم عَلى أعْدائِهِمْ ( ﴿﴾ ) أيِ المَذْكُورُونَ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ الفاضِلَةِ، وهو مُبْتَدَأُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿﴾ ) إمّا بَدَلٌ مِنهم، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ ﴾ ) خَبَرٌ وإمّا مُبْتَدَأٌ ثانٍ و( ﴿﴾ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أيْ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في المِيراثِ عَلى ما هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
صفحة 38
تَعالى عَنْهُما، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ فَإنَّهم قالُوا: «آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَكانَ المُهاجِرِيُّ يَرِثُهُ أخُوهُ الأنْصارِيُّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالمَدِينَةِ ولِيٌّ مُهاجِرِيٌّ ولا تَوارُثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِيبِهِ المُسْلِمِ غَيْرِ المُهاجِرِيِّ واسْتَمَرَّ أمْرُهم عَلى ذَلِكَ إلى فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ تَوارَثُوا بِالنَّسَبِ بَعْدُ إذْ لَمْ تَكُنْ هِجْرَةٌ»، فالوِلايَةُ عَلى هَذا الوِراثَةُ المُسَبَّبَةُ عَنِ القَرابَةِ الحُكْمِيَّةِ.
والآيَةُ مَنسُوخَةٌ، وقالَ الأصَمُّ: هي مَحْكَمَةٌ، والمُرادُ الوِلايَةُ بِالنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةُ وكَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ( ﴿ ﴾ ) بَعْدَ نَفْيِ مُوالاتِهِمْ في الآيَةِ الآتِيَةِ ( ﴿ ﴾ ) كَسائِرِ المُؤْمِنِينَ ( ﴿ ﴾ ) أيْ: تَوَلِّيهِمْ في المِيراثِ وإنْ كانُوا أقْرَبَ ذَوِي قَرابَتِكم ( ﴿ ﴾ ) وحِينَئِذٍ يَثْبُتُ لَهُمُ الحُكْمُ السّابِقُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ( وِلايَتِهِمْ ) بِالكَسْرِ، وزَعَمَ الأصْمَعِيُّ أنَّهُ خَطَأٌ وهو المُخْطِئُ فَقَدْ تَواتَرَتِ القِراءَةُ بِذَلِكَ، وجاءَ في اللُّغَةِ الوِلايَةُ مَصْدَرًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ وهو القُرْبُ الحِسِّيُّ والمَعْنَوِيُّ كَما قِيلَ، وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ فالفَتْحُ وِلايَةُ مَوْلى النَّسَبِ ونَحْوِهِ والكَسْرُ وِلايَةُ السُّلْطانِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى أبِي عُبَيْدَةَ، وأبِي الحَسَنِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هي بِالفَتْحِ النُّصْرَةُ والنَّسَبُ وبِالكَسْرَةِ لِلْإمارَةِ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الوِلايَةَ لِاحْتِياجِها إلى تَمَرُّنٍ وتَدَرُّبٍ شُبِّهَتْ بِالصِّناعاتِ ولِذا جاءَ فِيها الكَسْرُ كالإمارَةِ، وذَلِكَ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ مِن أنَّ فِعالَةً بِالكَسْرِ في الأسْماءِ لِما يُحِيطُ بِشَيْءٍ ويُجْعَلُ فِيهِ كاللِّفافَةِ والعِمامَةِ، وفي المَصادِرِ يَكُونُ في الصِّناعاتِ وما يُزاوَلُ بِالأعْمالِ كالكِتابَةِ والخِياطَةِ والزِّراعَةِ والحِراثَةِ، وما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثِ التَّشْبِيهِ بِالصِّناعاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الواضِعِ بِمَعْنى أنَّ الواضِعَ حِينَ وضَعَها شَبَّهَها بِذَلِكَ فَتَكُونُ حَقِيقَةً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِهِ عَلى طَرْزِ تَشْبِيهِ زَيْدٍ بِالأسَدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ، وهي كَما قالَ بَعْضُ الجُلَّةِ: اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ لِوُقُوعِها في المَصْدَرِ دُونَ المُشْتَقِّ وإنْ كانَ التَّصَرُّفُ في الهَيْئَةِ لا في المادَّةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الِاسْتِعارَةَ الأصْلِيَّةَ قِسْمانِ ما يَكُونُ التَّجَوُّزُ في مادَّتِهِ وما يَكُونُ في هَيْئَتِهِ ( ﴿ ﴾ ) أيْ فَواجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَنْصُرُوهم عَلى المُشْرِكِينَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وأعْدائِكم ( ﴿ ﴾ ) مِنهم ( ﴿ ﴾ ) فَلا تَنْصُرُوهم عَلَيْهِ لِما في ذَلِكَ مِن نَقْضِ عَهْدِهِمْ ( ﴿ ﴾ ) فَلا تُخالِفُوا أمْرَهُ ولا تَتَجاوَزُوا ما حَدَّهُ لَكم كَيْ لا يَحِلَّ عَلَيْكم عِقابُهُ.