All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Anbiyāʾ 21:9 Juzʾ 17 Page 322

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Then We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

”ثُمَّ“ عاطِفَةُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ، فَهي لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ. والمَعْنى: وأهَمُّ مِمّا ذُكِرَ أنّا صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم وأهْلَكْنا الَّذِينَ كَذَّبُوهم. ومَضْمُونُ هَذا أهَمُّ في الغَرَضَيْنِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. فالتَّبْشِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ صادِقُهُ وعْدَهُ مِنَ النَّصْرِ، والإنْذارُ لِمَن ماثَلَ أقْوامَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ.

والمُرادُ بِالوَعْدِ وعْدُهُمُ النَّصْرَ عَلى المُكَذِّبِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ”فَأنْجَيْناهم“ المُؤْذِنِ بِأنَّهُ وعْدُ عَذابٍ لِأقْوامِهِمْ، فالكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّنْوِيهِ بِالرُّسُلِ الأوَّلِينَ، وهو تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِ الَّذِينَ قالُوا: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٥] . وفي هَذا تَقْرِيعٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ إنْ كانَ أعْجَبَكم ما أتى بِهِ الأوَّلُونَ فَسَألْتُمْ مِن رَسُولِكم مِثْلَهُ، فَإنَّ حالَكم كَحالِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، فَتَرَقَّبُوا مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ ويَتَرَقَّبُ رَسُولُكم مِثْلَ ما لَقِيَ سَلَفُهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [يونس: ١٠٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

وانْتُصِبَ الوَعْدُ بِـ ”صَدَقْناهم“ عَلى التَّوَسُّعِ بِنَزْعِ حَرْفِ الجَرِّ. وأصْلُ الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ: صَدَقْناهم في الوَعْدِ؛ لِأنَّ ”صَدَقَ“ لا يَتَعَدّى

صفحة ٢١
إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وهَذا الحَذْفُ شائِعٌ في الكَلامِ، ومِنهُ في مِثْلِ هَذا ما في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ.
والإتْيانُ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مَن نَشاءُ“ احْتِباكٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأنْجَيْناهم ومَن شِئْنا ونُنْجِي رَسُولَنا ومَن نَشاءُ مِنكم، وهو تَأْمِيلٌ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ مِنَ المُكَذِّبِينَ يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَن آمَنُوا فِيما بَعْدُ إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ في تَرْغِيبِهِمْ في الإيمانِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ونُهْلِكُ المُسْرِفِينَ، بَلْ عادَ إلى صِيغَةِ المُضِيِّ الَّذِي هو حِكايَةٌ لِما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ، وبَقِيَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا وهو التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالوَعِيدِ.

والمُسْرِفُونَ: المُفْرِطُونَ في التَّكْذِيبِ بِالإصْرارِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ حَتّى حَلَّ بِهِمُ العَذابُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anbiyāʾ 21:9