All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Aḥzāb 33:10 Juzʾ 21 Page 419

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats and you assumed about Allah [various] assumptions.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: ٩] بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ.

والمُرادُ بِـ فَوْقِ وأسْفَلَ ”فَوْقُ“ جِهَةِ المَدِينَةِ وأسْفَلُها.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى البَدَلِ وهو مِن جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ، والتَّعْرِيفُ في الأبْصارُ والقُلُوبُ والحَناجِرَ لِلْعَهْدِ، أيْ أبْصارُ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم وحَناجِرَهم، أوْ تُجْعَلُ اللّامُ فِيها عِوَضًا عَنِ المُضافاتِ إلَيْها، أيْ زاغَتْ أبْصارُكم وبَلَغَتْ قُلُوبُكم حَناجِرَكم.

والزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الاسْتِواءِ إلى الِانْحِرافِ. فَزَيْغُ البَصَرِ أنْ لا يَرى ما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ، أوْ أنْ يُرِيدَ التَّوَجُّهَ إلى صَوْبٍ فَيَقَعَ إلى صَوْبٍ آخَرَ مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ والِانْذِعارِ.

والحَناجِرُ: جَمَعُ حَنْجَرَةٍ بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الجِيمِ: مُنْتَهى الحُلْقُومِ وهي رَأْسُ الغَلْصَمَةِ. وبُلُوغُ القُلُوبِ الحَناجِرَ تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ اضْطِرابِ القُلُوبِ مِنَ الفَزَعِ والهَلَعِ حَتّى كَأنَّها لِاضْطِرابِها تَتَجاوَزُ مَقارَّها وتَرْتَفِعُ طالِبَةً الخُرُوجَ مِنَ الصُّدُورِ فَإذا بَلَغَتِ الحَناجِرَ لَمْ تَسْتَطِعْ تُجاوُزَها مِنَ الضِّيقِ؛ فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ قَلْبِ الهُلُوعِ المَرْعُودِ بِهَيْئَةِ قَلْبٍ تَجاوَزَ مَوْضِعَهُ وذَهَبَ مُتَصاعِدًا طالِبًا الخُرُوجَ، فالمُشَبَّهُ القَلْبُ نَفْسُهُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الهَيْئَتَيْنِ.

صفحة ٢٨١
ولَيْسَ الكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّ القُلُوبَ لا تَتَجاوَزُ مَكانَها، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ، وبَلَغَتِ الرُّوحُ التَّراقِيَ.
وجُمْلَةُ ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْحالِ وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ تِلْكَ الظُّنُونِ بِتَجَدُّدِ أسْبابِها كِنايَةً عَنْ طُولِ مُدَّةِ هَذا البَلاءِ.

وفِي صِيغَةِ المُضارِعِ مَعْنى التَّعْجِيبِ مِن ظُنُونِهِمْ لِإدْماجِ العِتابِ بِالِامْتِنانِ فَإنَّ شِدَّةَ الهَلَعِ الَّذِي أزاغَ الأبْصارَ وجَعَلَ القُلُوبَ بِمِثْلِ حالَةِ أنْ تَبْلُغَ الحَناجِرَ، دَلَّ عَلى أنَّهم أشْفَقُوا مِن أنْ يُهْزَمُوا لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ الأحْزابِ وضِيقِ الحِصارِ أوْ خافُوا طُولَ مُدَّةِ الحَرْبِ وفَناءَ الأنْفُسِ، أوْ أشْفَقُوا مِن أنْ تَكُونَ مِنَ الهَزِيمَةِ جَراءَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الظُّنُونِ وتَفاوُتِ دَرَجاتِ أهْلِها.

والمُؤْمِنُ وإنْ كانَ يَثِقُ بِوَعْدِ رَبِّهِ لَكِنَّهُ لا يَأْمَنُ غَضَبَهُ مِن جَرّاءِ تَقْصِيرِهِ، ويَخْشى أنْ يَكُونَ النَّصْرُ مُرْجَأً إلى زَمَنٍ آخَرَ، فَإنَّ ما في عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ لا يُحاطُ بِهِ.

وحُذِفَ مَفْعُولا (تَظُنُّونَ) بِدُونِ وُجُودِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِهِما فَهو حَذْفٌ لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ويُسَمّى هَذا الحَذْفُ عِنْدَ النُّحاةِ الحَذْفَ اقْتِصارًا، أيْ لِلِاقْتِصارِ عَلى نِسْبَةِ فِعْلِ الظَّنِّ لِفاعِلِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْزِيلِ أنْ تَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ، وهو حَذْفٌ مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا في الكَلامِ الفَصِيحِ وعَلى جَوازِهِ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [النجم: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢]، وقَوْلُ المَثَلِ: مَن يَسْمَعْ يَخَلْ، ومَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ.

وضُمِّنَ (تَظُنُّونَ) مَعْنى تَلْحَقُونَ فَعُدِّيَ بِالباءِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: قَوْلُهم: ظَنَنْتُ بِهِ، مَعْناهُ: جَعَلْتُهُ مَوْضِعَ ظَنِّي، ولَيْسَتِ الباءُ هُنا بِمَنزِلَتِها في ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٣٩]، أيْ لَيْسَتْ زائِدَةً، ومَجْرُورُها مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ قَبْلَها كَأنَّكَ قُلْتَ: ظَنَنْتُ في الدّارِ، ومِثْلُهُ: شَكَكْتُ فِيهِ، أيْ فالباءَ عِنْدَهُ بِمَعْنى ”في“ . والوَجْهُ أنَّها لِلْمُلابَسَةِ كَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المَسَرَّدِ

صفحة ٢٨٢
وسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ٨٧] في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وانْتَصَبَ (الظُّنُونا) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلْعَدَدِ، وهو جَمْعُ ظَنٍّ. وتَعْرِيفُهُ بِاللّامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وجَمْعُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنْواعٍ مِنَ الظَّنِّ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:

أتَيْتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابِي ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ
وكُتِبَ الظُّنُونا في الإمامِ بَعْدَ النُّونِ، زِيدَتْ هَذِهِ الألِفُ في النُّطْقِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ في الوُقُوفِ، لِأنَّ الفَواصِلَ مِثْلَ الأسْجاعِ تُعْتَبَرُ مَوْقُوفًا عَلَيْها لِأنَّ المُتَكَلِّمَ أرادَها كَذَلِكَ، فَهَذِهِ السُّورَةُ بُنِيَتْ عَلى فاصِلَةِ الألِفِ مِثْلَ القَصائِدِ المَقْصُورَةِ، كَما زِيدَتِ الألِفُ في قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٦٦]) وقَوْلِهِ (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٦٧]) .
وعَنْ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: مَن أثْبَتَ الألِفَ في الوَصْلِ لِأنَّها في المُصْحَفِ كَذَلِكَ وهو رَأْسُ آيَةِ ورُءُوسُ الآياتِ تُشَبَّهُ بِالقَوافِي مِن حَيْثُ كانَتْ مَقاطِعَ، فَأمّا مَن طَرَحَ الألِفَ في الوَصْلِ فَإنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ في القَوافِي ولَيْسَ رُءُوسُ الآيِ بِقَوافٍ.

فَأمّا القُرّاءُ فَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِإثْباتِ الألِفِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ الألِفِ في الوَصْلِ وإثْباتِها في الوَقْفِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِحَذْفِ الألِفِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ خَلَفٌ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ النُّونِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ. وهَذا اخْتِلافٌ مِن قَبِيلِ الِاخْتِلافِ في وُجُوهِ الأداءِ لا في لَفْظِ القُرْآنِ. وهي كُلُّها فَصِيحَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ والأحْسَنُ الوَقْفُ عَلَيْها لِأنَّ الفَواصِلَ كالأسْجاعِ والأسْجاعَ كالقَوافِي.

والإشارَةُ بِـ هُنالِكَ إلى المَكانِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: ٩] وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الزَّمانِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ إذْ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ . وكَثِيرًا ما يُنَزَّلُ أحَدُ الظَّرْفَيْنِ مَنزِلَةَ الآخَرِ ولِهَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنالِكَ ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ فِيهِ

صفحة ٢٨٣
ابْتُلِيَ اهـ. قُلْتُ: ومِنهُ دُخُولُ (لاتَ) عَلى (هَنّا) في قَوْلِ حَجْلِ بْنِ نَضْلَةَ:

خَنَّتْ نَوارُ ولاتَ هَنّا حَنَّتِ ∗∗∗ وبَدا الَّذِي كانَتْ نَوارُ أجَنَّتِ
فَإنَّ (لاتَ) خاصَّةٌ بِنَفْيِ أسْماءِ الزَّمانِ فَكانَ (هَنّا) إشارَةً إلى زَمانٍ مُنْكَرٍ وهو لُغَةٌ في (هُنا) . ويَقُولُونَ: يَوْمُ هُنا، أيْ يَوْمُ أوَّلَ، فَيُشِيرُونَ إلى زَمَنٍ قَرِيبٍ، وأصْلُ ذَلِكَ مَجازٌ تُوُسِّعَ فِيهِ وشاعَ.
والِابْتِلاءُ: أصْلُهُ الِاخْتِبارُ، ويُطْلَقُ كِنايَةً عَنْ إصابَةِ الشِّدَّةِ لِأنَّ اخْتِبارَ حالِ الثَّباتِ والصَّبْرِ لازِمٌ لَها، وسَمّى اللَّهُ ما أصابَ المُؤْمِنِينَ ابْتِلاءً إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يُزَعْزِعْ إيمانَهم.

والزِّلْزالُ: اضْطِرابُ الأرْضِ، وهو مُضاعَفُ زَلَّ تَضْعِيفًا يُفِيدُ المُبالَغَةَ، وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِاخْتِلالِ الحالِ اخْتِلالًا شَدِيدًا بِحَيْثُ تُخَيَّلُ مُضْطَرِبَةً اضْطِرابًا شَدِيدًا كاضْطِرابِ الأرْضِ وهو أشَدُّ اضْطِرابًا لِلِحاقِهِ أعْظَمَ جِسْمٍ في هَذا العالَمِ. ويُقالُ: زُلْزِلَ فُلانٌ، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ تَبَعًا لِقَوْلِهِمْ: زُلْزِلَتِ الأرْضُ، إذْ لا يُعْرَفُ فاعِلُ هَذا الفِعْلِ عُرْفًا. وهَذا هو غالِبُ اسْتِعْمالِهِ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ.

والمُرادُ بِزَلْزَلَةِ المُؤْمِنِينَ شِدَّةُ الِانْزِعاجِ والذُّعْرِ لِأنَّ أحْزابَ العَدُوِّ تَفُوقُهم عَدَدًا وعُدَّةً.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥzāb 33:10