All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Aṣ-Ṣāffāt 37:8 Juzʾ 23 Page 446

‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏

[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,

Read in the muṣḥaf

‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏“ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا وجُمْلَةِ فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا قُصِدَ مِنهُ وصْفُ قِصَّةِ طَرْدِ الشَّياطِينِ.

وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ”وحِفْظًا“ مَصْدَرًا نائِبًا مَنابَ فِعْلِهِ يَجُوزُ جَعْلُ جُمْلَةِ (لا يَسْمَعُونَ) بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الحِفْظِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ عَطْفِ البَيانِ مِن جُمْلَةِ (وحِفْظًا) عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ، أيِ انْتَفى بِذَلِكَ الحِفْظِ سَمْعُ الشَّياطِينِ لِلْمَلَأِ الأعْلى.

صفحة ٩٢
وحَرْفُ (إلى) يُشِيرُ إلى تَضْمِينِ فِعْلِ (يَسْمَعُونَ) مَعْنى يَنْتَهُونَ فَيَسْمَعُونَ، أيْ لا يَتْرُكُهُمُ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مُنْتَهِينَ إلى المَلَأِ الأعْلى انْتِهاءَ الطّالِبِ المَكانَ المَطْلُوبَ بَلْ تَدْحَرُهم قَبْلَ وُصُولِهِمْ فَلا يَتَلَقَّفُونَ مِن عِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى الأشْياءَ مَخْطُوفَةً غَيْرَ مُتَبَيَّنَةٍ، وذَلِكَ أبْعَدُ لَهم مِن أنْ يَسْمَعُوا لِأنَّهم لا يَنْتَهُونَ فَلا يَسْمَعُونَ. وفي الكَشّافِ: أنَّ ”سَمِعْتُ“ المَعْدّى بِنَفْسِهِ يُفِيدُ الإدْراكَ، ”وسَمِعْتُ“ المَعْدّى بِـ (إلى) يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”‏ ‏‏‏‏‏‏“ بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٤]“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلى أنَّ أصْلَهُ: لا يَتَسَمَّعُونَ فَقُلِبَتِ التّاءُ سِينًا تَوَصُّلًا إلى الإدْغامِ، والتَّسَمُّعُ: تَطَلُّبُ السَّمْعِ وتَكَلُّفُهُ، فالمُرادُ التَّسَمُّعُ المُباشِرُ، وهو الَّذِي يَتَهَيَّأُ لَهُ إذا بَلَغَ المَكانَ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ أصْواتُ المَلَأِ الأعْلى، أيْ أنَّهم يُدْحَرُونَ مِن قَبْلِ وُصُولِهِمُ المَكانَ المَطْلُوبَ، والقِراءَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ.

وما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما في المَعْنى والِاسْتِعْمالِ لا يَصِحُّ.

وحاصِلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ أنَّ الشُّهُبَ تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ أنْ يَسْمَعُوا شَيْئًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى، وقَدْ كانُوا قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ رُبَّما اخْتَطَفُوا الخَطْفَةَ فَألْقَوْها إلى الكُهّانِ فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قَدَّرَ زِيادَةَ حِراسَةِ السَّماءِ بِإرْدافِ الكَواكِبِ بَعْضِها بِبَعْضٍ حَتّى لا يَرْجِعَ مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ سالِمًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏)، فالشُّهُبُ كانَتْ مَوْجُودَةً مِن قَبْلُ وكانَتْ لا تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ تَلَقُّفِ أخْبارٍ مُقَطَّعَةٍ مِنَ المَلَأِ الأعْلى فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِمَتِ الشَّياطِينُ مِن ذَلِكَ.

والمَلَأُ: الجَماعَةُ أهْلُ الشَّأْنِ والقَدْرِ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا المَلائِكَةُ. ووَصْفُ المَلَأِ بِـ (الأعْلى) لِتَشْرِيفِ المَوْصُوفِ.

والقَذْفُ: الرَّجْمُ، والجانِبُ: الجِهَةُ، والدُّحُورُ: الطَّرْدُ. وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (يَقْذِفُونَ)، وإسْنادُ فَعْلِ يَقْذِفُونَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ القاذِفَ مَعْلُومٌ وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالحِفْظِ المُشارِ إلَيْهِ

صفحة ٩٣
فِي قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الجن: ٨] .
والعَذابُ الواصِبُ: الدّائِمُ يُقالُ: وصَبَ يَصِبُ وُصُوبا، إذا دامَ. والمَعْنى: أنَّهم يُطْرَدُونَ في الدُّنْيا ويُحَقَّرُونَ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ في الآخِرَةِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ لِلنّارِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [مريم: ٦٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابَ القَذْفِ وأنَّهُ واصِبٌ، أيْ لا يَنْفَكُّ عَنْهم كُلَّما حاوَلُوا الِاسْتِراقَ لِأنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى مُحاوَلَتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهي جُمْلَةُ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وبَيْنَ الِاسْتِثْناءِ.

و(‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) مُسْتَثْنًى مِن ضَمِيرِ (لا يَسْمَعُونَ) فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ إلى البَدَلِيَّةِ مِنهُ.

والخَطْفُ: ابْتِدارُ تَناوُلِ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، والخَطْفَةُ المَرَّةُ مِنهُ. فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (خَطِفَ) لِبَيانِ عَدَدِ مَرّاتِ المَصْدَرِ، أيْ: خَطْفَةً واحِدَةً، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإسْراعِ بِسَمْعِ ما يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ تامٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(أتْبَعَهُ) بِمَعْنى تَبِعَهُ؛ فَهَمْزَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْدِيَةً، وهي كَهَمْزَةِ أبانَ بِمَعْنى بانَ.

والشِّهابُ: القَبَسُ والجَمْرُ مِنَ النّارِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُسَمّى بِالنَّيْزَكِ في اصْطِلاحِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] في سُورَةِ الحِجْرِ.

والثّاقِبُ: الخارِقُ، أيِ الَّذِي يَتْرُكُ ثُقْبًا في الجِسْمِ الَّذِي يُصِيبُهُ، أيْ: ثاقِبٌ لَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشِّهابُ لا يَقْتُلُ الشَّيْطانَ الَّذِي يُصِيبُهُ ولَكِنَّهُ يَحْتَرِقُ ويَخْبِلُ، أيْ يُفْسِدُ قِوامَهُ فَتَزُولُ خَصائِصُهُ، فَإنْ لَمْ يَضْمَحِلَّ فَإنَّهُ يُصْبِحُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى مُحاوَلَةِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مَرَّةً أُخْرى، أيْ إلّا مَن تَمَكَّنَ مِنَ الدُّنُوِّ إلى مَحَلٍّ يَسْمَعُ فِيهِ كَلِماتٍ مِن كَلِماتِ المَلَأِ الأعْلى فَيُرْدَفُ بِشِهابٍ يَثْقُبُهُ فَلا يَرْجِعُ إلى حَيْثُ صَدَرَ، وهَذا مِن خَصائِصِ ما بَعْدَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اسْتِراقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

The same ayah, in another commentary

Aṣ-Ṣāffāt 37:8