All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Ṣād 38:8 Juzʾ 23 Page 453

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.

Read in the muṣḥaf

﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ مِن كَلامِ عُمُومِ الكافِرِينَ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٤] فَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٥]، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”كَذّابٌ“، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: هَذا كَذّابٌ إذْ هو خَبَرٌ ثانٍ لِ ”كانَ“، ولِكَوْنِهِ بَيانًا لِلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٦] إلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٧] اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَتَيِ البَيانِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المَلَأِ واسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ بَيانِ جُمْلَةِ ”كَذّابٌ“ لِأنَّ نُطْقَ المَلَأِ بِهِ كافٍ في قَوْلِ الآخَرِينَ بِمُوجَبِهِ فاسْتَغْنَوْا عَنْ بَيانِ جُمْلَةِ ”كَذّابٌ“ .

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، ومَناطُ الإنْكارِ هو الظَّرْفُ ”مِن بَيْنِنا“ وهو في مَوْضِعِ حالٍ مِن ضَمِيرِ ”عَلَيْهِ“، فَأنْكَرُوا أنْ يُخَصَّ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالإرْسالِ وإنْزالِ القُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ مِنهم، وهَذا هو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزخرف: ٣١] أيْ مِن مَكَّةَ أوِ الطّائِفِ، ولَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الإنْكارِ

صفحة ٢١٤
تَجْوِيزَ أصْلِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ، وإنَّما مُرادُهُمُ اسْتِقْصاءُ الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهم أنْكَرُوا أصْلَ الرِّسالَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٤] وغَيْرُهِ مِنَ الآياتِ، وهَذا الأصْلُ الثّانِي مِن أُصُولِ كُفْرِهِمُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٥] وهو أصْلُ إنْكارِ بَعْثَةِ رَسُولٍ مِنهم.
* * *
‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ لَيْسَ قَصْدُهُمُ الطَّعْنَ في اخْتِصاصِكَ بِالرِّسالَةِ ولَكِنَّهم شاكُّونَ في أصْلِ إنْزالِهِ، فَتَكُونُ (بَلْ) إضْرابًا إبْطالِيّا تَكْذِيبًا لِما يَظْهَرُ مِن إنْكارِهِمْ إنْزالَ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مِن بَيْنِهِمْ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ إنَّما قَصْدُهُمُ الشَّكُ في أنَّ اللَّهَ يُوحِي إلى أحَدٍ بِالرِّسالَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ شَكًّا مِن وُقُوعِهِ. والشَّكُّ يُطْلَقُ عَلى اليَقِينِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ فَيَكُونُ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٣٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِقالًا مِن خَبَرٍ عَنْهم إلى خَبَرٍ آخَرَ فَيَكُونُ اسْتِئْنافًا وتَكُونُ (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، والمَعْنى: وهم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي، أيْ في شَكٍّ مِن كُنْهِ القُرْآنِ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: افْتَراهُ، ومَرَّةً يَقُولُونَ: شِعْرٌ، ومَرَّةً: سِحْرٌ، ومَرَّةً: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً: قَوْلُ كاهِنٍ.
فالمُرادُ بِالشَّكِّ حَقِيقَتُهُ أيِ التَّرَدُّدُ في العِلْمِ.

وإضافَةُ الذِّكْرِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وهو اللَّهُ تَعالى إضافَةُ تَشْرِيفٍ ولِتَحْقِيقِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والذِّكْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ هو عَيْنُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ وإنَّما وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ تَوَصُّلًا إلى التَّنْوِيهِ بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، جُعِلَتْ مُلابَسَةُ الشَّكِّ إيّاهم بِمَنزِلَةِ الظَّرْفِ المُحِيطِ بِمَحْوَيْهِ في أنَّهُ لا يَخْلُو مِنهُ جانِبٌ مِن جَوانِبِهِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِن ذِكْرِي“ ابْتِدائِيَّةٌ لِكَوْنِ الشَّكِّ صِفَةً لَهم، أيْ نَشَأ لَهُمُ

صفحة ٢١٥
الشَّكُّ مِن شَأْنِ ذِكْرِي، أيْ مِن جانِبِ نَفْيِ وُقُوعِهِ، أوْ في جانِبِ ما يَصِفُونَهُ بِهِ.
* * *
‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أتْبَعَ ذَلِكَ الإضْرابَ بِإضْرابٍ آخَرَ يُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي جَرَّأهم عَلى هَذا الشِّقاقِ أنَّهم لَمّا تَأخَّرَ حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ ظَنُّوا وعِيدَهُ كاذِبًا فَأخَذُوا في البَذاءَةِ والِاسْتِهْزاءِ، ولَوْ ذاقُوا العَذابَ لَألْقَمَتْ أفْواهُهُمُ الحَجَرَ.
و(لَمّا) حَرْفُ نَفْيٍ بِمَعْنى (لَمْ) إلّا أنَّ في (لَمّا) خُصُوصِيَّةً، وهي أنَّها تَدُلُّ عَلى المَنفِيِّ بِها مُتَّصِلِ الِانْتِفاءِ إلى وقْتِ التَّكَلُّمِ بِخِلافِ (لَمْ) فَلِذَلِكَ كانَ النَّفْيُ بِ (لَمّا) قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ تَرَقُّبُ حُصُولِ المَنفِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الحجرات: ١٤] في سُورَةِ الحُجُراتِ: ما في (لَمّا) مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ دالٍّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ، أيْ دالٍ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ الحاصِلِ مِن مَعْنى غايَةِ النَّفْيِ إلى زَمَنِ التَّكَلُّمِ، أيْ لا أضْمَنُ ما بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ ذاقُوا عَذابَ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِأرْبَعِ سِنِينَ.

وإضافَةُ (عَذابِ) إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ وقاضٍ بِهِ عَلَيْهِمْ ولِوُقُوعِهِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ جارِيَةٍ عَلى المُعْتادِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَسْتَأْصِلَ الجَيْشُ القَوِيُّ الجَيْشَ القَلِيلَ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا لِلْفاصِلَةِ، وأُبْقِيَتِ الكَسْرَةُ دَلِيلًا عَلَيْها، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ في الفَواصِلِ والشِّعْرِ عَلى نَحْوِ حَذْفِها مِنَ المُنادى.

The same ayah, in another commentary

Ṣād 38:8