All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Māʾidah 5:114 Juzʾ 7 Page 127

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Said Jesus, the son of Mary, "O Allah, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

إنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة: ١١٢]

صفحة ١٠٨
مِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي يُلْقِيهِ اللَّهُ عَلى عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وهي ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ. . . مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ١١١] وجُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ.
وإنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ﴾ [المائدة: ١١٢] الآيَةَ ابْتِداءَ كَلامٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ اذْكُرْ كانَتْ جُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةَ مُجاوَبَةً لِقَوْلِ الحَوارِيِّينَ ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] الآيَةَ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ.

وقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ اشْتَمَلَ عَلى نِداءَيْنِ، إذْ كانَ قَوْلُهُ (رَبَّنا) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ النِّداءِ. كَرَّرَ النِّداءَ مُبالَغَةً في الضَّراعَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ (رَبَّنا) بَدَلًا ولا بَيانًا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، لِأنَّ نِداءَ (اللَّهُمَّ) لا يُتْبَعُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى أسْماءِ الأصْواتِ مِن أجْلِ ما لَحِقَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ حَتّى صارَ كَأسْماءِ الأفْعالِ. ومِنَ النُّحاةِ مَن أجازَ إتْباعَهُ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ اعْتِبارَهُ نِداءً ثانِيًا أبْلَغُ هُنا لا سِيَّما وقَدْ شاعَ نِداءُ اللَّهِ تَعالى (رَبَّنا) مَعَ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ كَما في الآياتِ الخَواتِمِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجَمَعَ عِيسى بَيْنَ النِّداءِ بِاسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِصِفاتِ الجَلالِ وبَيْنَ النِّداءِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ ولِلْحَوارِيِّينَ اسْتِعْطافًا لِلَّهِ لِيُجِيبَ دُعاءَهم.

ومَعْنى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ يَكُونُ تَذَكُّرُ نُزُولِها بِأنْ يَجْعَلُوا اليَوْمَ المُوافِقَ يَوْمَ نُزُولِها مِن كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا، فَإسْنادُ (الكَوْنِ) عِيدًا لِلْمائِدَةِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ، وإنَّما العِيدُ اليَوْمُ المُوافِقُ لِيَوْمِ نُزُولِها، ولِذَلِكَ قالَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، أيْ لِأوَّلِ أُمَّةِ النَّصْرانِيَّةِ وآخِرِها، وهُمُ الَّذِينَ خُتِمَتْ بِهِمُ النَّصْرانِيَّةُ عِنْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

والعِيدُ اسْمٌ لِيَوْمٍ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرى لِنِعْمَةٍ أوْ حادِثَةٍ وقَعَتْ فِيهِ لِلشُّكْرِ أوْ لِلِاعْتِبارِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُهُ في كَلامِ العَرَبِ.

صفحة ١٠٩
وأشْهَرُ ما كانَتِ الأعْيادُ في العَرَبِ عِنْدَ النَّصارى مِنهم قالَ العَجّاجُ:

كَما يَعُودُ العِيدَ نَصْرانِيٌّ
ومِثْلَ يَوْمِ السَّباسِبِ في قَوْلِ النّابِغَةَ:

يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ
وهُوَ عِيدُ الشَّعانِينَ عِنْدَ النَّصارى.
وقَدْ سَمّى النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ عِيدًا في قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ لَمّا نَهى الجَوارِيَ اللّاءِ كُنَّ يُغَنِّينَ عِنْدَ عائِشَةَ «إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وهَذا عِيدُنا» . وسَمّى يَوْمَ النَّحْرِ عِيدًا في قَوْلِهِ «شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ رَمَضانُ وذُو الحَجَّةِ» .

والعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَوْدِ، وهو اسْمٌ عَلى زِنَةِ فِعْلٍ، فَجُعِلَتْ واوُهُ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ لازِمَةٍ. وجَمَعُوهُ عَلى أعْيادٍ بِالياءِ عَلى خِلافِ القِياسِ، لِأنَّ قِياسَ الجَمْعِ أنَّهُ يَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، فَقِياسُ جَمْعِهِ أعْوادٌ لَكِنَّهم جَمَعُوهُ عَلى أعْيادٍ، وصَغَّرُوهُ عَلى عُيَيْدٍ، تَفْرِقَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ جَمْعِ عُودٍ وتَصْغِيرِهِ.

وقَوْلُهُ: (لِأوَّلِنا) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ لَنا بَدَلُ بَعْضِ مِن كُلٍّ، وعَطْفُ (وآخِرِنا) عَلَيْهِ يُصِيِّرُ الجَمِيعَ في قُوَّةِ البَدَلِ المُطابِقِ. وقَدْ أظْهَرَ لامَ الجَرِّ في البَدَلِ، وشَأْنُ البَدَلِ أنْ لا يَظْهَرَ فِيهِ العامِلُ الَّذِي عَمِلَ في المُبْدَلِ مِنهُ لِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ تابِعًا لِلْمُبْدَلِ مِنهُ في الإعْرابِ مُنافٍ لِذِكْرِ العامِلِ الَّذِي عَمِلَ في المَتْبُوعِ، ولِهَذا قالَ النُّحاةُ: إنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تِكْرارِ العامِلِ، أيِ العامِلُ مَنوِيٌّ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ. وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ أنَّ عامِلَ البَدَلِ قَدْ يُصَرَّحُ بِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَنوِيٌّ في الغالِبِ ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ العَوامِلِ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: ٣٣]، وبِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ في الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن لَنا بِتَكْرِيرِ العامِلِ. وجَوَّزَ البَدَلَ أيْضًا في آيَةِ الزُّخْرُفِ ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامانِ بِمَنزِلَةِ اللّامَيْنِ في قَوْلِكَ: وهَبْتُ لَهُ ثَوْبًا لِقَمِيصِهِ، يُرِيدُ أنْ تَكُونَ اللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةً بِـ تَكُونُ والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِـ عِيدًا.

صفحة ١١٠
وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ ما بَلَغْتُ إلَيْهِ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ فَتَحَصَّلَ عِنْدِي أنَّ العامِلَ الأصِيلَ مِن فِعْلٍ وشَبَهِهِ لا يَتَكَرَّرُ مَعَ البَدَلِ، وأمّا العامِلُ التَّكْمِيلِيُّ لِعامِلِ غَيْرِهِ وذَلِكَ حَرْفُ الجَرِّ خاصَّةً فَهو الَّذِي ورَدَ تَكْرِيرُهُ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأعراف: ٧٥] في سُورَةِ الأعْرافِ، وآيَةِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٩٩] . ذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ مُكَمِّلٌ لِعَمَلِ الفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ هو بِهِ لِأنَّهُ يُعَدِّي الفِعْلَ القاصِرَ إلى مَفْعُولِهِ في المَعْنى الَّذِي لا يَتَعَدّى إلَيْهِ بِمَعْنى مَصْدَرِهِ، فَحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِعامِلٍ قَوِيٍّ ولَكِنَّهُ مُكَمِّلٌ لِلْعامِلِ المُتَعَلِّقِ هو بِهِ.
ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَتَطَلَّبَ الدّاعِيَ إلى إظْهارِ حَرْفِ الجَرِّ في البَدَلِ في مَواقِعِ ظُهُورِهِ. وقَدْ جَعَلَ ابْنُ يَعِيشَ في شَرْحِ المُفَصَّلِ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ قالَ: لِأنَّ الحَرْفَ قَدْ يَتَكَرَّرُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ. وهَذا غَيْرُ مُقْنِعٍ لَنا لِأنَّ التَّأْكِيدَ أيْضًا لا بُدَّ مِن داعٍ يَدْعُو إلَيْهِ.

فَما أظْهَرَ فِيهِ حَرْفَ الجَرِّ مِن هَذِهِ الآياتِ كانَ مُقْتَضى إظْهارِهِ إمّا قَصْدُ تَصْوِيرِ الحالَةِ كَما في أكْثَرِ الآياتِ، وإمّا دَفْعُ اللَّبْسِ، وذَلِكَ في خُصُوصِ آيَةِ الأعْرافِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ (مَن آمَنَ) مِنَ المَقُولِ وأنَّ ”مَن“ اسْتِفْهامٌ فَيَظُنُّ أنَّهم يَسْألُونَ عَنْ تَعْيِينِ مَن آمَنَ مِنَ القَوْمِ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهُ مُلازِمٌ لِإعادَةِ الكَلِمَةِ. وأمّا ما لَيْسَ بِعامِلٍ فَهو الِاسْتِفْهامُ وقَدِ التَزَمَ ظُهُورَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في البَدَلِ مِنِ اسْمِ اسْتِفْهامٍ، نَحْوَ: أيْنَ تَنْزِلُ أفِي الدّارِ أمْ في الحائِطِ، ومَن ذا أسَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ.

وهَذا العِيدُ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّصارى ولَكِنَّهم ذَكَرُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكَلَ مَعَ الحَوارِيِّينَ عَلى مائِدَةِ لَيْلَةِ عِيدِ الفِصْحِ، وهي اللَّيْلَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ صُلِبَ مِن صَباحِها. فَلَعَلَّ مَعْنى كَوْنِها عِيدًا أنَّها صُيِّرَتْ يَوْمَ الفِصْحِ عِيدًا في المَسِيحِيَّةِ كَما كانَ عِيدًا في اليَهُودِيَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْ صارَ عِيدًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ وإنْ كانَ اليَوْمُ واحِدًا لِأنَّ المَسِيحِيِّينَ وفَّقُوا لِأعْيادِ اليَهُودِ مُناسَباتٍ أُخْرى لائِقَةً بِالمَسِيحِيَّةِ إعْفاءً عَلى آثارِ اليَهُودِيَّةِ.

صفحة ١١١
وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جَوابُ دُعاءِ عِيسى، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.
وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ. والمَعْنى إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمُ الآنَ، فَهو اسْتِجابَةٌ ولَيْسَ بِوَعْدٍ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ تَفْرِيعٌ عَنْ إجابَةِ رَغْبَتِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لَهم مِنَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ إعْلامًا بِأهَمِّيَّةِ الإيمانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَجُعِلَ جَزاءُ إجابَتِهِ إيّاهم أنْ لا يَعُودُوا إلى الكُفْرِ فَإنْ عادُوا عُذِّبُوا عَذابًا أشَدَّ مِن عَذابِ سائِرِ الكُفّارِ لِأنَّهم تَعاضَدَ لَدَيْهِمْ دَلِيلُ العَقْلِ والحِسِّ فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ لا أُعَذِّبُهُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ لا أُعَذِّبُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ذَلِكَ العَذابَ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ العَذابِ.

وقَدْ وقَفَتْ قِصَّةُ سُؤالِ المائِدَةِ عِنْدَ هَذا المِقْدارِ وطُوِيَ خَبَرُ ماذا حَدَثَ بَعْدَ نُزُولِها لِأنَّهُ لا أثَرَ لَهُ في المُرادِ مِنَ القِصَّةِ، وهو العِبْرَةُ بِحالِ إيمانِ الحَوارِيِّينَ وتَعَلُّقِهِمْ بِما يَزِيدُهم يَقِينًا، وبِقُرْبِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَحْصِيلِ مَرْتَبَةِ الشَّهادَةِ عَلى مَن يَأْتِي بَعْدَهم، وعَلى ضَراعَةِ المَسِيحِ الدّالَّةِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، وعَلى كَرامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ إذْ أجابَ دَعْوَتَهُ، وعَلى سَعَةِ القُدْرَةِ. وأمّا تَفْصِيلُ ما حَوَتْهُ المائِدَةُ وما دارَ بَيْنَهم عِنْدَ نُزُولِها فَلا عِبْرَةَ فِيهِ. وقَدْ أكْثَرَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ بِأخْبارٍ واهِيَةِ الأسانِيدِ سِوى ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا» الحَدِيثَ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا الحَدِيثُ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا ولا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلّا مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ ولا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ أصْلًا.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ المائِدَةَ هَلْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ أوْ لَمْ تَنْزِلْ. فَعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: فَمَن يَكْفُرُ بَعْدُ مِنكُمُ الآيَةَ خافُوا فاسْتَعَفُّوا مِن طَلَبِ نُزُولِها فَلَمْ تَنْزِلْ. وقالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَتْ. وهو الظّاهِرُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وعْدٌ لا يُخْلَفُ، ولَيْسَ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ ولَكِنَّهُ مُعَقَّبٌ بِتَحْذِيرٍ مِنَ

صفحة ١١٢
الكُفْرِ، وذَلِكَ حاصِلٌ أثَرُهُ عِنْدَ الحَوارِيِّينَ ولَيْسُوا مِمَّنْ يَخْشى العَوْدَ إلى الكُفْرِ سَواءً نَزَلَتِ المائِدَةُ أمْ لَمْ تَنْزِلْ.
وأمّا النَّصارى فَلا يَعْرِفُونَ خَبَرَ نُزُولِ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، وكَمْ مِن خَبَرٍ أهْمَلُوهُ في الأناجِيلِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:114