All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Anʿām 6:114 Juzʾ 8 Page 142

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

اسْتِئْنافٌ بِخِطابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى رَسُولِهِ ﷺ بِتَقْدِيرِ الأمْرِ بِالقَوْلِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٥] أيْ: يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٠٤] بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ عَنْ تَصارِيفِ عِنادِ المُشْرِكِينَ، وتَكْذِيبِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ في طَلَبِ الآياتِ الخَوارِقِ؛ إذْ جَعَلُوها حَكَمًا بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في صِدْقِ دَعْوَتِهِ، وبَعْدَ أنْ فَضَحَهُمُ اللَّهُ بِعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وافْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ، وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهم وتَرْكِهم وما يَفْتَرُونَ، وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ ما كَلَّفَهُ أنْ يَكُونَ وكِيلًا لِإيمانِهِمْ، وبِأنَّهم سَيَرْجِعُونَ إلى رَبِّهِمْ فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخاطِبَهم خِطابًا كالجَوابِ عَنْ أقْوالِهِمْ وتَوَرُّكاتِهِمْ، فَيُفَرَّعُ عَلَيْها أنَّهُ لا يَطْلُبُ حاكِمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم غَيْرَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي إلَيْهِ مَرْجِعُهم،

صفحة ١٤
وأنَّهم إنْ طَمِعُوا في غَيْرِ ذَلِكَ مِنهُ فَقَدْ طَمِعُوا مُنْكَرًا، فَتَقْدِيرُ القَوْلِ مُتَعَيِّنٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ لا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
والفاءُ لِتَفْرِيعِ الجَوابِ عَنْ مَجْمُوعِ أقْوالِهِمْ ومُقْتَرَحاتِهِمْ، فَهو مِن عَطْفِ التَّلْقِينِ بِالفاءِ، كَما جاءَ بِالواوِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٢٤] ومِنهُ بِالفاءِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الزُّمَرِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزمر: ٦٤] فَكَأنَّ المُشْرِكِينَ دَعَوُا النَّبِيءَ ﷺ إلى التَّحاكُمِ في شَأْنِ نُبُوءَتِهِ بِحُكْمِ ما اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ، فَأجابَهم بِأنَّهُ لا يَضَعُ دِينَ اللَّهِ لِلتَّحاكُمِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الإنْكارُ أنْ يُحَكِّمَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ ظاهِرٌ بِإنْزالِ الكِتابِ مُفَصَّلًا بِالحَقِّ، وبِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ في نُفُوسِهِمْ، ومِن مُوجِباتِ التَّقْدِيمِ كَوْنِ المُقَدَّمِ يَتَضَمَّنُ جَوابًا لِرَدِّ طَلِبٍ طَلَبَهُ المُخاطَبُ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ١٦٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ؛ أيْ: ظَنَنْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَنَنْتُمْ مُنْكَرًا.

وتَقْدِيمُ ‏‏‏‏‏ ‏‏ عَلى ”أبْتَغِي“ لِأنَّ المَفْعُولَ هو مَحَلُّ الإنْكارِ، فَهو الحَقِيقُ بِمُوالاةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والحَكَمُ: الحاكِمُ المُتَخَصِّصُ بِالحُكْمِ الَّذِي لا يُنْقَضُ حُكْمُهُ، فَهو أخَصُّ مِنَ الحاكِمِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الحَكَمُ، ولَمْ يَكُنْ مِنها: الحاكِمُ. وانْتَصَبَ حَكَمًا عَلى الحالِ.

والمَعْنى: لا أطْلُبُ حَكَمًا بَيْنِي وبَيْنَكم غَيْرَ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ حُكْمَهُ عَلَيْكم بِأنَّكم أعْداءٌ مُقْتَرِفُونَ.

صفحة ١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الِابْتِغاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: لا أعْدِلُ عَنِ التَّحاكُمِ إلَيْهِ، وقَدْ فَصَّلَ حُكْمَهُ بِإنْزالِ القُرْآنِ إلَيْكم لِتَتَدَبَّرُوهُ فَتَعْلَمُوا مِنهُ صِدْقِي، وأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ صِيغَتْ جُمْلَةُ الحالِ عَلى الِاسْمِيَّةِ المَعْرِفَةِ الجُزْأيْنِ لِتُفِيدَ القَصْرَ مَعَ إفادَةِ أصْلِ الخَبَرِ، فالمَعْنى: والحالُ أنَّهُ أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ ولَمْ يُنْزِلْهُ غَيْرُهُ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ أنَّ في القُرْآنِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ، وبِأُمِّيَّةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَبَعًا لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ لِلنّاسِ كافَّةً، وفي تَضاعِيفِ حُجَجِ القُرْآنِ وأخْبارِهِ دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِهِ، فَحَصَلَ بِصَوْغِ جُمْلَةِ الحالِ عَلى صِيغَةِ القَصْرِ الدَّلالَةُ عَلى الأمْرَيْنِ: أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والحُكْمِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصِّدْقِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، والضَّمِيرُ في إلَيْكم خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ لِلِاهْتِداءِ بِهِ، فَكَما قالَ اللَّهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النساء: ١٦٦] قالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وفي قَوْلِهِ: إلَيْكم هُنا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَجاهُلًا.

والمُفَصَّلُ المُبَيَّنُ: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ التَّفْصِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٥٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَوْلِ المَحْذُوفِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا مِثْلَهُ، أوْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أوْ عَلى

صفحة ١٦
جُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَهو عَطْفُ تَلْقِينِ عُطِفَ بِهِ الكَلامُ المَنسُوبُ إلى اللَّهِ عَلى الكَلامِ المَنسُوبِ إلى النَّبِيءِ ﷺ تَعْضِيدًا لَمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَلامُ المَنسُوبُ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِن كَوْنِ القُرْآنِ حَقًّا، وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ الكِتابَ: أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ المَعْرُوفُ عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ، وخاصَّةً أهْلُ مَكَّةَ، لِتَرَدُّدِ اليَهُودِ عَلَيْها في التِّجارَةِ، ولِتَرَدُّدِ أهْلِ مَكَّةَ عَلى مَنازِلِ اليَهُودِ بِيَثْرِبَ وقُراها؛ ولِكَوْنِ المَقْصُودِ بِهَذا الحُكْمِ أحْبارَ اليَهُودِ خاصَّةً قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: أهْلَ الكِتابِ.

ومَعْنى عِلْمِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهم يَجِدُونَهُ مُصَدِّقًا لِما في كِتابِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يَدْرُسْ كِتابَهم عَلى أحَدٍ مِنهم، إذْ لَوْ دَرَسَهُ لَشاعَ أمْرُهُ بَيْنَهم، ولَأعْلَنُوا ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ حِينَ ظُهُورِ دَعْوَتِهِ، وهم أحْرَصُ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يَدَّعُوهُ، وعِلْمُهم بِذَلِكَ لا يَقْتَضِي إسْلامَهم؛ لِأنَّ العِنادَ والحَسَدَ يَصُدّانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ الكِتابَ مَن أسْلَمُوا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، مِثْلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومُخَيْرِيقٌ، فَيَكُونُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِعَهْدٍ، وعَنْ عَطاءٍ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هم رُؤَساءُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، فَيَكُونُ الكِتابُ هو القُرْآنُ.

وضَمِيرُ (أنَّهُ) عائِدٌ إلى الكِتابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهو القُرْآنُ.

والباءُ في قَوْلِهِ: بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: مُلابِسًا لِلْحَقِّ، وهي مُلابَسَةُ الدّالِّ لِلْمَدْلُولِ؛ لِأنَّ مَعانِيَهُ وأخْبارَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ وكُلَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَقٌّ.

صفحة ١٧
وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُنْزَلٌ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ أوْ مُتَّحِدٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [آل عمران: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ الخَبَرِ كَقَوْلِ القائِلِ بَعْدَ الخَبَرِ: هَذا ما لا شَكَّ فِيهِ، فالِامْتِراءُ المَنفِيُّ هو الِامْتِراءُ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ غَرِيبًا اجْتِماعُ عِلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، لِيَعُمَّ كُلَّ مَن يَحْتاجُ إلى مِثْلِ هَذا الخِطابِ؛ أيْ: فَلا تَكُونَنَّ أيُّها السّامِعُ مِنَ المُمْتَرِينَ؛ أيِ: الشّاكِّينَ في كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونُ التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: فَهَذا أمْرٌ قَدِ اتَّضَحَ، فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ فِيهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ المُشْرِكُونَ المُمْتَرُونَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، كَما يُقالُ: إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزمر: ٦٥] وهَذا الوَجْهُ هو أحْسَنُ الوُجُوهِ، والتَّفْرِيعُ فِيهِ كَما في الوَجْهِ الثّانِي.

وعَلى كُلِّ الوُجُوهِ كانَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ الِامْتِراءِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ، وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ غَيْرُ مُتَعارِضَةٍ، صَحَّ أنْ يَكُونَ جَمِيعُها مَقْصُودًا مِنَ الآيَةِ، لِتَذْهَبَ أفْهامُ السّامِعِينَ إلى ما تَتَوَصَّلُ إلَيْهِ مِنها، وهَذا فِيما أرى مِن مَقاصِدِ إيجازِ القُرْآنِ وهو مَعْنى الكَلامِ الجامِعِ، ويَجِيءُ مِثْلُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وهو مِن خَصائِصِ القُرْآنِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:114