All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Anʿām 6:150 Juzʾ 8 Page 148

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, [O Muhammad], "Bring forward your witnesses who will testify that Allah has prohibited this." And if they testify, do not testify with them. And do not follow the desires of those who deny Our verses and those who do not believe in the Hereafter, while they equate [others] with their Lord.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

صفحة ١٥٣
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ: لِلِانْتِقالِ مِن طَرِيقَةِ الجَدَلِ والمُناظَرَةِ في إبْطالِ زَعْمِهِمْ إلى إبْطالِهِ بِطَرِيقَةِ التَّبْيِينِ؛ أيْ: أحْضِرُوا مَن يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا؛ تَقَصِّيًا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ مِن سائِرِ جِهاتِهِ.
ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما يُظْهِرُ كِذْبَ دَعْواهم.

وإعادَةُ فِعْلِ (قُلْ) بِدُونِ عَطْفٍ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ ولِوُقُوعِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما قَدَّمْنا آنِفًا.

و(هَلُمَّ) اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ لِلْحُضُورِ أوِ الإحْضارِ، فَهي تَكُونُ قاصِرَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨]) ومُتَعَدِّيَةً كَما هُنا، وهو في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ يَلْزَمُ حالَةً واحِدَةً فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتٌ مُناسِبَةٌ لِلْمُخاطَبِ، فَتَقُولُ: هَلُمَّ يا زَيْدُ، وهَلُمَّ يا هِنْدُ، وهَكَذا، وفي لُغَةِ أهْلِ العالِيَةِ أعْنِي بَنِي تَمِيمٍ تَلْحَقُهُ عَلاماتٌ مُناسِبَةٌ، يَقُولُونَ: هَلُمِّي يا هِنْدُ، وهَلُمّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ، وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الأفْصَحِ فَقالَ: ( ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

والشُّهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى شاهِدٍ، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ؛ إذْ لا يَلْقَوْنَ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ما نَسَبُوا إلَيْهِ مِن شُئُونِ دِينِهِمِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها.

وأُضِيفَ الشُّهَداءَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِزِيادَةِ تَعْجِيزِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُحِقِّ أنْ يَكُونَ لَهُ شُهَداءُ يَعْلَمُهم فَيُحْضِرُهم إذا دُعِيَ إلى إحْقاقِ حَقِّهِ، كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: ارْكَبْ فَرَسَكَ والحَقْ فُلانًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذِي بَيْتٍ في العَرَبِ لا يَعْدَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ، فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ لَهُ فَرَسًا خاصًّا، ولَكِنَّ الشَّأْنَ أنْ يَكُونَ لَهُ فَرَسٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٥٩] وقَدْ لا يَكُونُ لِإحْداهِنَّ جِلْبابٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ سُئِلَ: إذا لَمْ يَكُنْ لِإحْدانا جِلْبابٌ، قالَ: لِتُلْبِسْها أُخْتُها مِن جِلْبابِها» .

صفحة ١٥٤
وصَفَهم بِالمَوْصُولِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى إعْدادِ أمْثالِهِمْ لِلشَّهادَةِ، فالطّالِبُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّهم لا يَخْلَوْنَ عَنْ شُهَداءَ بِحَقِّهِمْ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَشْهَدُوا لَهم وذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِتَعْجِيزِهِمُ البَيِّنِ إذا لَمْ يُحْضِرُوهم، كَما هو المَوْثُوقُ بِهِ مِنهم، ألا تَرى قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٤٤] فَهو يَعْلَمُ أنْ لَيْسَ ثَمَّةَ شُهَداءُ.
وإشارَةُ (هَذا) تُشِيرُ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ، وهو ما كانَ الكَلامُ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الجِدالِ مِن قَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٤٣]) الآياتِ، وقَدْ سَبَقَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٤٤] .

ثُمَّ فَرَّعَ عَلى فَرْضِ أنْ يُحْضِرُوا شُهَداءَ يَشْهَدُونَ، وقَوْلُهُ: (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: إنْ فُرِضَ المُسْتَبْعَدُ فَأحْضَرُوا لَكَ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا الَّذِي زَعَمُوهُ، فَكَذِّبْهم واعْلَمْ بِأنَّهم شُهُودُ زُورٍ، فَقَوْلُهُ: ( ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏) كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِي يُصَدِّقُ أحَدًا يُوافِقُهُ في قَوْلِهِ، فاسْتُعْمِلَ النَّهْيُ عَنْ مُوافَقَتِهِمْ في لازِمِهِ؛ وهو التَّكْذِيبُ، وإلّا فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّهادَةِ مَعَهم لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَشْهَدُ مَعَهم؛ لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ بِذَلِكَ فَضْلًا عَلى أنْ يَكُونَ شاهِدُهُ مِن قَبِيلِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَقَرِينَةُ الكِنايَةِ ظاهِرَةٌ.

وعُطِفَ عَلى النَّهْيِ عَنْ تَصْدِيقِهِمُ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ هَواهم بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

وأظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ في هَذِهِ الصِّلَةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِ اللَّهِ، فَهم مِمَّنْ يُتَجَنَّبُ اتِّباعُهم، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا اليَهُودُ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمالِ أنْ يَكُونُوا المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١٤٧] وسَمّى دِينَهم هَوًى لِعَدَمِ اسْتِنادِهِ إلى مُسْتَنَدٍ ولَكِنَّهُ إرْضاءٌ لِلْهَوى، والهَوى غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى مَحَبَّةِ المُلائِمِ العاجِلِ الَّذِي عاقِبَتُهُ ضَرَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٥٥
وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَقْصُودُ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الصِّلَتَيْنِ مُتَّحِدُونَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ، فَهَذا كَعَطْفِ الصِّفاتِ في قَوْلِ القائِلِ، أنْشَدَهُ الفَرّاءُ:

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ
كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا يُعادَ اسْمُ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ حَرْفَ العَطْفِ مُغْنٍ عَنْهُ، ولَكِنْ أُجْرِيَ الكَلامُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِزِيادَةِ التَّشْهِيرِ بِهِمْ، كَما هو بَعْضُ نُكَتِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وقِيلَ أُرِيدُ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالآياتِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ والقُرْآنَ، وهم أهْلُ الكِتابَيْنِ، وبِالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ: المُشْرِكُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:150