All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Mulk 67:29 Juzʾ 29 Page 564

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Say, "He is the Most Merciful; we have believed in Him, and upon Him we have relied. And you will [come to] know who it is that is in clear error."

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏

صفحة ٥٤
هَذا تَكْرِيرٌ ثالِثٌ لِفِعْلِ (قُلْ) مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الملك: ٢٣] الآيَةَ.
وجاءَ هَذا الأمْرُ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ لَهم بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ٢٨]) فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ سَوّى بَيْنَ فَرْضِ إهْلاكِ المُسْلِمِينَ وإحْيائِهِمْ في أنَّ أيَّ الحالَيْنِ فُرِضَ لا يُجِيرُهم مَعَهُ أحَدٌ مِنَ العَذابِ، أعْقَبَهُ بِأنَّ المُسْلِمِينَ آمَنُوا بِالرَّحْمانِ، فَهم مَظِنَّةُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِمْ هَذِهِ الصِّفَةُ فَيَرْحَمَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ عِلْمَ اليَقِينِ أيَّ الفَرِيقَيْنِ في ضَلالٍ حِينَ يَرَوْنَ أثَرَ الرَّحْمَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وانْتِفاءَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا وخاصَّةً في الآخِرَةِ.

وضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى الواقِعُ في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، أيِ اللَّهُ هو الَّذِي وصْفُهُ (الرَّحْمانُ) فَهو يَرْحَمُنا، وأنَّكم أنْكَرْتُمْ هَذا الاسْمَ فَأنْتُمْ أحْرِياءُ بِأنْ تُحْرَمُوا آثارَ رَحْمَتِهِ. ونَحْنُ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وأنْتُمْ غَرَّكم عِزُّكم وجَعَلْتُمُ الأصْنامَ مُعْتَمَدَكم ووُكَلاءَكم.

وبِهَذِهِ التَّوْطِئَةِ يَقَعُ الإيماءُ إلى الجانِبِ المُهْتَدِي والجانِبِ الضّالِّ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ لِأنَّهُ يُظْهِرُ بادِئَ تَأمُّلٍ أنَّ الَّذِينَ في ضَلالٍ مُبِينٍ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا وصْفَ الرَّحْمَنِ وتَوَكَّلُوا عَلى الأوْثانِ.

و(مَن) مَوْصُولَةٌ، وماصْدَقُ (مَن) فَرِيقٌ مُبْهَمٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [الملك: ٢٨] وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الملك: ٢٨]، فَأحَدُ الفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ النَّبِيءِ ﷺ ومَن مَعَهُ، والآخَرُ فَرِيقُ الكافِرِينَ، أيْ فَسَتَعْلَمُونَ اتِّضاحَ الفَرِيقِ الَّذِي هو في ضَلالٍ مُبِينٍ.

وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ (تَوَكَّلْنا) عَلَيْهِ لِإفادَةِ الاخْتِصاصِ، أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِمُخالَفَةِ حالِ المُشْرِكِينَ إذْ تَوَكَّلُوا عَلى أصْنامِهِمْ وأشْرَكُوا في التَّوَكُّلِ مَعَ اللَّهِ، أوْ نَسُوا التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ بِاشْتِغالِ فَكْرَتِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى الأصْنامِ.

وإنَّما لَمْ يُقَدَّمْ مَعْمُولُ (آمَنّا) عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُلْ: بِهِ آمَنّا، لِمُجَرَّدِ الاهْتِمامِ إلى الإخْبارِ عَنْ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ وصْفِ الآخَرِينَ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الملك: ٢٨] فَإنَّ هَذا جَوابٌ آخَرُ عَلى تَمَنِّيهِمْ لَهُ الهَلاكَ وسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ التَّبْكِيتِ، أيْ هو الرَّحْمَنُ يُجِيرُنا مِن سُوءٍ تَرُومُونَهُ لَنا لِأنَّنا آمَنّا بِهِ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ

صفحة ٥٥
كَما كَفَرْتُمْ، فَلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ في إيرادِهِ نَفْيَ الإشْراكِ وإثْباتَ التَّوْحِيدِ؛ إذِ الكَلامُ في الإهْلاكِ والإنْجاءِ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِ (رَحِمَنا)، فَجِيءَ بِجُمْلَةِ (آمَنّا) عَلى أصْلٍ مُجَرَّدٍ مَعْناها دُونَ قَصْدِ الاخْتِصاصِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي مُنْجِيًا وناصِرًا، والمُشْرِكُونَ مُتَوَكِّلُونَ عَلى أصْنامِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِيلَ: نَحْنُ لا نَتَّكِلُ عَلى ما أنْتُمْ مُتَوَكِّلُونَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلى الرَّحْمَنِ وحْدَهُ تَوَكُّلُنا.
وفِعْلُ (فَسَتَعْلَمُونَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِمَجِيءِ الاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَسَتَعْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِمّا أُمِرَ بِقَوْلِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ سَيُعاقِبُهم عِقابَ الضّالِّينَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Mulk 67:29