All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Mulk 67:30 Juzʾ 29 Page 564

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إيماءٌ إلى أنَّهم يَتَرَقَّبُهم عَذابُ الجُوعِ بِالقَحْطِ والجَفافِ فَإنَّ مَكَّةَ قَلِيلَةُ المِياهِ ولَمْ تَكُنْ بِها عُيُونٌ ولا آبارٌ قَبْلَ زَمْزَمَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ تَعَجُّبِ القافِلَةِ مِن جُرْهُمَ الَّتِي مَرَّتْ بِمَوْضِعِ مَكَّةَ حِينَ أسْكَنَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هاجَرَ بِابْنِهِ إسْماعِيلَ فَفَجَّرَ اللَّهُ لَها زَمْزَمَ ولَمَحَتِ القافِلَةُ الطَّيْرَ تَحُومُ حَوْلَ مَكانِها فَقالُوا: ما عَهِدْنا بِهَذِهِ الأرْضِ ماءً، ثُمَّ حَفَرَ مَيْمُونُ بْنُ خالِدٍ الحَضْرَمِيُّ بِأعْلاها بِئْرًا تُسَمّى بِئْرُ مَيْمُونٍ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ قُبَيْلَ البَعْثَةِ، وكانَتْ بِها بِئْرٌ أُخْرى تُسَمّى الجَفْرُ بِالجِيمِ لِبَنِيِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةٍ، وبِئْرٍ تُسَمّى الجَمُّ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ وأهْمَلَها القامُوسُ وتاجُهُ، ولَعَلَّ هاتَيْنِ البِئْرَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لَمْ تَكُونا في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ.

فَماءُ هَذِهِ الآبارِ هو الماءُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ بِأنَّهُ يُصْبِحُ غَوْرًا، وهَذا الإنْذارُ نَظِيرُ الواقِعِ في سُورَةِ القَلَمِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [القلم: ١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣].

والغَوْرُ: مَصْدَرُ غارَتِ البِئْرُ، إذا نَزَحَ ماؤُها فَلَمْ تَنَلْهُ الدِّلاءُ.

والمُرادُ: ماءُ البِيرِ كَما في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الكهف: ٤١] في ذِكْرِ جَنَّةِ سُورَةِ الكَهْفِ.
وأصْلُ الغَوْرِ: ذَهابُ الماءِ في الأرْضِ، مَصْدَرُ غارَ الماءُ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ. والإخْبارُ بِهِ عَنِ الماءِ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: عَدْلٍ، ورِضًى. والمَعِينُ: الظّاهِرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والبِئْرُ المَعِينَةُ: القَرِيبَةُ الماءِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ.
والاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَأْتِيكم أحَدٌ بِماءٍ مَعِينٍ: أيْ غَيْرَ اللَّهِ، وأكْتَفِي عَنْ ذِكْرِهِ لِظُهُورِهِ مِن سِياقِ الكَلامِ ومِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الملك: ٢٠] الآيَتَيْنِ.

وقَدْ أُصِيبُوا بِقَحْطٍ شَدِيدٍ بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وهو المُشارُ إلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ انْحِباسَ المَطَرِ يَتْبَعُهُ غَوْرُ مِياهِ الآبارِ لِأنَّ اسْتِمْدادَها مِنَ الماءِ النّازِلِ عَلى الأرْضِ، قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الزمر: ٢١] وقالَ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٧٤].

ومِنَ النَّوادِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ مَعَ ما نُقِلَ عَنْهُ في بَيانِهِ، قالَ: وعَنْ بَعْضِ الشُطّارِ هو مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّاءَ الطَّبِيبُ كَما بَيَّنَهُ المُصَنِّفُ فِيما نُقِلَ عَنْهُ أنَّها أيْ هَذِهِ الآيَةِ تُلِيَتْ عِنْدَهُ فَقالَ تَجِيءُ بِهِ (أيِ الماءِ) الفُئُوسُ والمَعاوِلُ فَذَهَبَ ماءُ عَيْنَيْهِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ وعَلى آياتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَلَمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ ن والقَلَمِ) عَلى حِكايَةِ اللَّفْظَيْنِ الواقِعَيْنِ في أوَّلِها، أيْ سُورَةُ هَذا اللَّفْظِ.
وتَرْجَمَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ سُورَةَ (ن) بِالاقْتِصارِ عَلى الحَرْفِ المُفْرَدِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ مِثْلُ ما سُمِّيَتْ سُورَةُ (ص) وسُورَةُ (ق).

وفِي بَعْضِ المَصاحِفِ سُمِّيَتْ سُورَةُ القَلَمِ وكَذَلِكَ رَأيْتُ تَسْمِيَتَها في مُصْحَفٍ مَخْطُوطٍ بِالخَطِّ الكُوفِيِّ في القَرْنِ الخامِسِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ.

وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الماوَرْدِيِّ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: أوَّلُها مَكِّيٌّ، إلى قَوْلِهِ ﴿عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، ومِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إلى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] مَدَنِيٌّ، ومِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القلم: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] مَكِّيٌّ
ومِن قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] مَدَّنِيٌّ، ومِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القلم: ٥١] إلى آخِرِ السُّورَةِ مَكِّيٌّ.
وفِي الإتْقانِ عَنِ السَّخاوِيِّ: أنَّ المَدَنِيَّ مِنها مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إلى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] ومِن قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] فَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [القلم: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] مَدَنِيًّا خِلافًا لِما نَسَبَهُ الماوَرْدِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.

وهَذِهِ السُّورَةُ عَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ ثانِيَةَ السُّورِ نُزُولًا قالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وبَعْدَها سُورَةُ المُزَّمِّلِ ثُمَّ سُورَةُ المُدَّثِّرِ، والأصَحُّ حَدِيثُ عائِشَةَ «أنَّ أوَّلَ ما أُنْزِلَ سُورَةُ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ» (.

وما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ يُحْمَلُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: أنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ نَزَلَ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبِي جَهْلٍ.

واتَّفَقَ العادُّونَ عَلى عَدِّ آيِها ثِنْتَيْنِ وخَمْسِينَ.

أغْراضُها جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإيماءُ بِالحَرْفِ الَّذِي في أوَّلِها إلى تَحَدِّي المُعانِدِينَ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ سُوَرِ القُرْآنِ وهَذا أوَّلُ التَّحَدِّي الواقِعِ في القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ في سُورَةِ العَلَقِ ولا في المُزَّمِّلِ ولا في المُدَّثِّرِ إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي ولا تَصْرِيحٌ.
وفِيها إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي بِمُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١].

وابْتُدِئَتْ بِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ تَأْنِيسًا لَهُ وتَسْلِيَةً عَمّا لَقِيَهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ.

وإبْطالُ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في النَّبِيءِ ﷺ.

وإثْباتُ كَمالاتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهَدْيِهِ وضَلالِ مُعانَدِيهِ وتَثْبِيتِهِ.

وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ بِما هو مِن مَظاهِرِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في تَعْلِيمِ الإنْسانِ
الكِتابَةَ فَتَضَمَّنَ تَشْرِيفَ حُرُوفِ الهِجاءِ والكِتابَةِ والعِلْمِ لِتَهْيِئَةِ الأُمَّةِ لِخَلْعِ دِثارِ الأُمِّيَّةِ عَنْهم وإقْبالِهِمْ عَلى الكِتابَةِ والعِلْمِ لِتَكُونَ الكِتابَةُ والعِلْمُ سَبَبًا لِحِفْظِ القُرْآنِ.
ثُمَّ أنْحى عَلى زُعَماءِ المُشْرِكِينَ مَثْلِ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ بِمَذَمّاتٍ كَثِيرَةٍ وتَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ وبِبَلايا في الدُّنْيا بِأنْ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِمَن غَرَّهم عِزَّهم وثَراؤُهم، فَأزالَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم وأبادَ نِعْمَتَهم.

وقابَلَ ذَلِكَ بِحالِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ وأنَّ اللَّهَ اجْتَباهم بِالإسْلامِ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.

ووَعَظَهم بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ اسْتِدْراجٌ وإمْلاءٌ جَزاءَ كَيْدِهِمْ. وأنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فِيما قابَلُوا بِهِ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ مِن طُغْيانِهِمْ ولا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في الإنْصاتِ إلَيْها.

وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ في تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وتَلَقِّي أذى قَوْمِهِ، وأنْ لا يَضْجَرَ في ذَلِكَ ضَجَرًا عاتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -.