All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Mulk 67:28 Juzʾ 29 Page 564

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Say, [O Muhammad], "Have you considered: whether Allah should cause my death and those with me or have mercy upon us, who can protect the disbelievers from a painful punishment?"

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ هَذا تَكْرِيرٌ ثانٍ لِفِعْلِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الملك: ٢٣] .

كانَ مِن بَذاءَةِ المُشْرِكِينَ أنْ يَجْهَرُوا بِتَمَنِّي هَلاكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهَلاكِ مَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ حَكى القُرْآنُ عَنْهم ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الطور: ٣٠] وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]، وكانُوا يَتَآمَرُونَ عَلى قَتْلِهِ، قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٠] فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُعَرِّفَهم حَقِيقَةً تَدْحَضُ أمانِيِّهِمْ، وهي أنَّ مَوْتَ أحَدٍ أوْ حَياتَهُ لا يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ ما جَرَّهُ إلَيْهِ عَمَلُهُ، وقَدْ جَرَّتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهم غَضَبَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ فَهو نائِلُهم حَيِيَ الرَّسُولُ ﷺ أوْ بادَرَهُ المَنُونُ، قالَ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٤١] ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٤٢] وقالَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٣٤] وقالَ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزمر: ٣٠] أيِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى وما يُقارِبُهُ في القُرْآنِ ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:

تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ فَإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَـدِ

صفحة ٥٢
فَقَدْ يَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الآياتِ السّابِقَةِ صادَفَ مَقالَةً مِن مَقالاتِهِمْ هَذِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في أثْنائِها وقَدْ يَكُونُ نُزُولُها لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الملك: ٢٥] بِأنْ قارَنَهُ كَلامٌ بَذِيءٌ، مِثْلُ أنْ يَقُولُوا: أبْعَدَ هَلاكِكَ يَأْتِي الوَعْدُ.
والإهْلاكُ: الإماتَةُ، ومُقابَلَةُ (أهْلَكَنِيَ) بِ (رَحِمْنا) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ: أوْ رَحِمْنا بِالحَياةِ، فَيُفِيدُ أنَّ الحَياةَ رَحْمَةٌ، وأنَّ تَأْخِيرَ الأجَلَ مِنَ النِّعَمِ، وإنَّما لَمْ يُؤَخِّرِ اللَّهُ أجْلَ نَبِيئَهِ ﷺ مَعَ أنَّهُ أشْرَفُ الرُّسُلِ لِحِكَمٍ أرادَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ («حَياتِي خَيْرٌ لَكم ومَوْتِي خَيْرٌ لَكم» )، ولَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أكْمَلَ الدِّينَ الَّذِي أرادَ إبْلاغَهُ فَكانَ إكْمالُهُ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ مِنَ البَعْثَةِ، وكانَ اسْتِمْرارُ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ خِصِّيصِيَّةً خَصَّهُ اللَّهُ بِها مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا أتَمَّ اللَّهُ دِينَهُ رَبا بِرَسُولِهِ ﷺ أنْ يَبْقى غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِنُزُولِ الوَحْيِ فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الِاتِّصالِ بِالرَّفِيقِ الأعْلى مُباشَرَةً بِلا واسِطَةٍ، وقَدْ أشارَتْ إلى هَذا سُورَةُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [النصر: ١] مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النصر: ٢] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [النصر: ٣] ولِلَّهِ دَرُّ عَبَدِ بَنِيِ الحَسْحاسِ في عَبْرَتِهِ بِقَوْلِهِ:

رَأيْتُ المَنايا لَمْ يَدَعْنَ مُحَمَّـدًا ∗∗∗ ولا باقِيًا إلّا لَهُ المَوْتُ مُرْصَدًا
وقَدْ عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعالى بِحَياةٍ أعْلى وأجَلَّ، إذْ قالَ ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، وبِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ العاجِلَةِ وهي أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ رُوحَهُ الزَّكِيَّةَ كُلَّما سَلَّمَ عَلَيْهِ أحَدٌ فَيَرُدُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما ثَبَتَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وإنَّما سَمّى الحَياةَ رَحْمَةً لَهُ ولِمَن مَعَهُ؛ لِأنَّ في حَياتِهِ نِعْمَةً لَهُ ولِلنّاسِ ما دامَ اللَّهُ مُقَدِّرًا حَياتَهُ، وحَياةُ المُؤْمِنِ رَحْمَةٌ لِأنَّهُ تَكْثُرُ لَهُ فِيها بَرَكَةُ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

والاسْتِفْهامُ في (أرَأيْتُمْ) إنْكارِيٌّ أنْكَرَ انْدِفاعَهم إلى أُمْنِياتٍ ورَغائِبَ لا يَجْتَنُونَ مِنها نَفْعًا ولَكِنَّها مِمّا تُمْلِيهِ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ الخَبِيثَةُ مِنَ الحِقْدِ والحَسَدِ.

والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُهُا مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ، وهو مُعَلَّقٌ بِالاسْتِفْهامِ الَّذِي هو في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ أنْفُسَكم ناجِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ إنْ هَلَكَتُ وهَلَكَ مَن مَعِي، فَهَلاكُنا لا يَدْفَعُ عَنْكُمُ العَذابَ المُعَدَّ لِلْكافِرِينَ.

صفحة ٥٣
وأُقْحِمُ الشَّرْطُ بَيْنَ فِعْلِ الرُّؤْيا وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الملك: ٣٠] رابِطَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ ما أصْلُهُ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ وهو المَفْعُولانِ المُقَدَّرانِ رَجَحَ جانِبُ الشَّرْطِ.

والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ (‏‏‏ ‏‏) مَعِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وهي المُوافَقَةُ والمُشارَكَةُ في الاعْتِقادِ والدِّينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الفتح: ٢٩] الآيَةَ، أيِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التحريم: ٨]، كَما أُطْلِقَتِ المُوافِقَةُ عَلى الرَّأْيِ والفَهْمِ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ أنا مَعَ ابْنِ أخِي يَعْنِي مُوافِقٌ لِأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وذَلِكَ حِينَ اخْتَلَفَ أبُو سَلَمَةَ وابْنُ عَبّاسٍ في المُتَوَفّى عَنْها الحامِلِ إذا وضَعَتْ حَمْلَها قَبْلَ مُضِيِّ عِدَّةِ الوَفاةِ.

والاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إلَخْ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يُجِيرُهم مِنهُ مُجِيرٌ، أيْ أظَنَنْتُمْ أنْ تَجِدُوا مُجِيرًا لَكم إذا هَلَكْنا فَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَماذا يَنْفَعُكم هَلاكُنا !

والعَذابُ المَذْكُورُ هُنا ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالوَعْدِ في الآيَةِ قَبْلَها.

وتَنْكِيرُ عَذابٍ لِلتَّهْوِيلِ.

والمُرادُ بِ (الكافِرِينَ) جَمِيعُ الكافِرِينَ فَيَشْمَلُ المُخاطَبِينَ.

والكَلامُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، وفِيهِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن يُجِيرُكم مِن عَذابٍ فَإنَّكم كافِرُونَ ولا مُجِيرَ لِلْكافِرِينَ.

وذُكِرَ وصْفُ (الكافِرِينَ) لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ لِأنَّهُ وصْفٌ إذا عَلِقَ بِهِ حُكْمٌ أفادَ تَعْلِيلَ ما مِنهُ اشْتِقاقُ الوَصْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحَةٍ عَلى ياءِ (أهْلَكَنِيَ)، وقَرَأها حَمْزَةُ بِإسْكانِ الياءِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ياءَ (مَعِيَ) بِفَتْحَةٍ. وقَرَأها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيُّ بِسُكُونِ الياءِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Mulk 67:28