All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Aʿrāf 7:194 Juzʾ 9 Page 175

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allah are servants like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏

هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في كَوْنِ المُخاطَبِ، بِقَوْلِهِ ”‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ١٩٣]“ الآيَةَ النَّبِيءَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا انْتَقَلَ بِهِ إلى مُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ صُدِّرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ مُساواةَ الأصْنامِ إيّاهم في العُبُودِيَّةِ، وفِيهِ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ: الأصْنامُ، فَتَعْرِيفُها بِالمَوْصُولِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في دُعائِهِمْ إيّاها مِن دُونِ اللَّهِ، في حِينٍ هي لَيْسَتْ أهْلًا لِذَلِكَ، فَهَذا المَوْصُولُ كالمَوْصُولِ في قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ.

إنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
ويَجِيءُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في الخِطابِ السّابِقِ: أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانًا وتَعْلِيلًا
صفحة ٢٢١
لِجُمْلَةِ ”‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ١٩٣]“ أيْ لِأنَّهم عِبادٌ أيْ مَخْلُوقُونَ.
و”العَبْدُ“ أصْلُهُ المَمْلُوكُ، ضِدَّ الحُرِّ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٨] وقَدْ أُطْلِقَ في اللِّسانِ عَلى المَخْلُوقِ: كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمانِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] ولِذَلِكَ يُطْلَقُ العَبِيدُ عَلى النّاسِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَخْلُوقاتِ مِنَ الآدَمِيِّينَ فَيَكُونُ إطْلاقُ العِبادِ عَلى الأصْنامِ كَإطْلاقِ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلَيْها بِناءً عَلى الشّائِعِ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الإطْلاقِ، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ إطْلاقَ تَهَكُّمٍ واسْتِهْزاءٍ بِالمُشْرِكِينَ، يَعْنِي أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ فَلَوْ بَلَغُوا تِلْكَ الحالَةَ لَما كانُوا إلّا مَخْلُوقِينَ مِثْلَكم، قالَ: ولِذَلِكَ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ”‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأعراف: ١٩٥]“ إلى آخِرِهِ.

والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ إطْلاقُ العِبادِ عَلَيْهِمْ مَجازًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ رُوعِيَ في حُسْنِهِ المُشاكَلَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ لِأنَّهُ لَمّا ماثَلَهم بِالمُخاطَبِينَ في المَخْلُوقِيَّةِ وكانَ المُخاطَبُونَ عِبادَ اللَّهِ أطْلَقَ العِبادَ عَلى مُماثَلِيهِمْ مُشاكَلَةً.

وفَرَّعَ عَلى المُماثَلَةِ أمْرَ التَّعْجِيزِ بِقَوْلِهِ ”‏‏‏‏‏‏‏“ فَإنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ بِاعْتِبارِ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمُ المُتَضَمِّنِ إجابَةَ الأصْنامِ إيّاهم، لِأنَّ نَفْسَ الدُّعاءِ مُمْكِنٌ ولَكِنَّ اسْتِجابَتَهُ لَهم لَيْسَتْ مُمْكِنَةً، فَإذا دَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم تَبَيَّنَ عَجْزُ الآلِهَةِ عَنِ الِاسْتِجابَةِ لَهم، وعَجْزُ المُشْرِكِينَ عَنْ تَحْصِيلِها مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى تَحْصِيلِها لِإنْهاضِ حُجَّتِهِمْ، فَآلَ ظُهُورُ عَجْزِ الأصْنامِ عَنْ الِاسْتِجابَةِ لِعِبادِها إلى إثْباتِ عَجْزِ المُشْرِكِينَ عَنْ نُهُوضِ حُجَّتِهِمْ لِتَلازُمِ العَجْزَيْنِ قالَ - تَعالى - ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فاطر: ١٤] .

والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالدَّعْوَةِ المَأْمُورِ بِها الدَّعْوَةُ لِلنَّصْرِ والنَّجْدَةِ كَما قالَ ذاكَ المازِنِيُّ: إذا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأيِّ مَكانِ.

وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ أمْرَ التَّعْجِيزِ كِنايَةٌ عَنْ ثُبُوتِ عَجْزِ الأصْنامِ عَنْ إجابَتِهِمْ، وعَجْزِ المُشْرِكِينَ عَنْ إظْهارِ دُعاءٍ لِلْأصْنامِ تَعْقُبُهُ الِاسْتِجابَةُ.

والأمْرُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ ”‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏“ أمْرَ تَعْجِيزٍ لِلْأصْنامِ، وهو أمْرُ الغائِبِ فَإنَّ طَرِيقَ أمْرِ الغائِبِ هو الأمْرُ.

صفحة ٢٢٢
ومَعْنى تَوْجِيهِ أمْرِ الغائِبِ السّامِعِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يُبْلِغَ الأمْرَ لِلْغائِبِ.
وهَذا أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ عَجْزِ الأصْنامِ عَنْ الِاسْتِجابَةِ لِعَجْزِها عَنْ تَلَقِّي التَّبْلِيغِ مِن عَبَدَتِها.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”صادِقِينَ“ لِظُهُورِ السِّياقِ أيْ صادِقِينَ في نِسْبَةِ الآلِهَةِ لِلْأصْنامِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aʿrāf 7:194