All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Maʿārij 70:41 Juzʾ 29 Page 570

‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

To replace them with better than them; and We are not to be outdone.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلِانْتِقالِ مِن إثْباتِ الجَزاءِ إلى الِاحْتِجاجِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِهِ، وهو الإنْكارُ الَّذِي ذُكِرَ إجْمالًا بِقَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا (إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا) فاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّشْأةِ الأُولى كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٦٢] فالخَبَرُ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ.

فَهَذا مِن تَمامِ الخِطابِ المُوَجَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ إلى أسْماعِ المُشْرِكِينَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

والمَعْنى: أنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ حَتّى صارَتْ إنْسانًا عاقِلًا مُناظِرًا فَكَذَلِكَ نُعِيدُ خَلْقَهُ بِكَيْفِيَّةٍ لا يَعْلَمُونَها.

فَماصَدَقَ (ما يَعْلَمُونَ) هو ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن أنَّهُ كُوِّنَ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ، ولَكِنَّهم عَلِمُوا هَذِهِ النَّشْأةَ الأُولى فَألْهاهُمُ التَّعَوُّدُ بِها عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلالَتِها عَلى إمْكانِ إعادَةِ المُكَوَّنِ مِنها بِتَكْوِينٍ آخَرَ.

صفحة ١٧٩
وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: إنّا خَلَقْناهم مِن نُطْفَةٍ، كَما قالَ في آياتٍ أُخْرى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإنسان: ٢] وقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [يس: ٧٨]، وغَيْرُها مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ في قَوْلِهِ مِمّا يَعْلَمُونَ تَوْجِيهًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ جادَلُوا وعانَدُوا، وعِلْمُ ما جادَلُوا فِيهِ قائِمٌ بِأنْفُسِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٦٢] . وكانَ في قَوْلِهِ تَعالى مِمّا يَعْلَمُونَ إيماءٌ إلى أنَّهم يُخْلَقُونَ الخَلْقَ الثّانِيَ مِمّا لا يَعْلَمُونَ كَما قالَ في الآيَةَ الأُخْرى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٣٦] وقالَ (ونُنْشِئُكم فِيما لا تَعْلَمُونَ) فَكانَ في الخَلْقِ الأوَّلِ سِرٌّ لا يَعْلَمُونَهُ.
ومَجِيءُ إنّا خَلَقْناهم مُوَكَّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ فِيما صَدَرَ مِنهم مِنَ الشُّبْهَةِ الباطِلَةِ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُونَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نُطْفَةٍ وكانُوا مَعْدُومِينَ، فَكَيْفَ أحالُوا إعادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ عَدِمَ بَعْضُ أجْزائِها وبَقِيَ بَعْضُها، ثُمَّ أتْبَعَ هَذِهِ الكِنايَةَ عَنْ إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والتَّقْدِيرُ: فَإنّا لَقادِرُونَ الآيَةَ.

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفاءِ وما عَطَفَتْهُ.

والقَسَمُ بِاللَّهِ بِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ المَشارِقَ والمَغارِبَ مَعْناهُ: رُبُوبِيَّتُهُ العالَمَ كُلَّهُ؛ لِأنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في جِهاتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها.

وجَمْعُ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَطالِعِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها في فُصُولِ السَّنَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مَظْهَرٌ عَجِيبٌ مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ دالٌّ عَلى الحَرَكاتِ الحافَّةِ بِالشَّمْسِ الَّتِي هي مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُ في القُرْآنِ قَسَمٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ دُونَ الشَّمالِ والجَنُوبِ مَعَ أنَّ الشَّمالَ والجَنُوبَ جِهَتانِ مَشْهُورَتانِ عِنْدَ العَرَبِ. أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى سُنَّةِ أقْسامِ القُرْآنِ.

وفِي إيثارِ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِالقَسَمِ بِرَبِّها رَعْيٌ لِمُناسَبَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها لِتَمْثِيلِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ.

صفحة ١٨٠
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ مَعَ لا أُقْسِمُ عِنْدَ قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ، وقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
وقَوْلُهُ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أوَّلَهُما وهو المُناسِبُ لِلسِّياقِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى أنْ نُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنهم، أيْ: نُبَدِّلُ ذَواتَهم خَلْقًا خَيْرًا مِن خَلْقِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ. والخَيْرِيَّةُ في الإتْقانِ والسُّرْعَةِ ونَحْوِهِما وإنَّما كانَ خَلْقًا أُتْقِنَ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ خَلْقٌ مُناسِبٌ لِعالَمِ الخُلُودِ، وكانَ الخَلْقُ الأوَّلُ مُناسِبًا لِعالَمِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نُبَدِّلَ مُضَمَّنًا مَعْنى: نُعَوِّضُ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ نُبَدِّلَ ضَمِيرًا مِثْلَ ضَمِيرِ (مِنهم) أيْ: نُبَدِّلُهم والمَفْعُولُ الثّانِي خَيْرًا مِنهم.

و(مِن) تَفْضِيلِيَّةٌ، أيْ: خَيْرًا في الخِلْقَةِ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ زَمانَيِ الخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثّانِي، أوِ اخْتِلافِ عالَمَيْهِما.

والمَعْنى الثّانِي: أنْ نُبَدِّلَ هَؤُلاءِ بِخَيْرٍ مِنهم، أيْ: بِأُمَّةٍ خَيْرٍ مِنهم، والخَيْرِيَّةُ في الإيمانِ، فَيَكُونُ نُبَدِّلَ عَلى أصْلِ مَعْناهُ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا مِثْلَ ما في المَعْنى الأوَّلِ، ويَكُونُ خَيْرًا مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ البَدَلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٦١]، ويَكُونُ هَذا تَهْدِيدًا لَهم بِأنْ سَيَسْتَأْصِلُهم ويَأْتِي بِقَوْمٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى (﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [محمد: ٣٨] .

وفِي هَذا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَذْكِيرٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِحالِهِمْ.

وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، والمَسْبُوقُ مُسْتَعارٌ لِلْمَغْلُوبِ عَنْ أمْرِهِ، شُبِّهَ بِالمَسْبُوقِ في الحَلْبَةِ، أوْ بِالمَسْبُوقِ في السَّيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الجاثية: ٢١] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٤]، ومِنهُ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءِ الفَقْعَسِيِّ:

كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ
يُرِيدُ: كَأنَّكَ لَمْ تُغْلَبْ إذا تَدارَكْتَ أمْرَكَ وأدْرَكْتَ طِلْبَتَكَ.

صفحة ١٨١
و(عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَسْبُوقِينَ)، أيْ: ما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بِأمْثالِكم كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم.

The same ayah, in another commentary

Al-Maʿārij 70:41