All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Balad 90:20 Juzʾ 30 Page 595

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Over them will be fire closed in.

Read in the muṣḥaf

صفحة ٣٦٢
‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .
لَمّا نَوَّهَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أعَقَبَ التَّنْوِيهَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ وبِشارَتِهِمْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ لِإحْضارِهِمْ بِصِفاتِهِمْ في ذِهْنِ السّامِعِ، مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن إرادَةِ التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ.

والمَيْمَنَةُ: جِهَةُ اليَمِينِ، فَهي مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ مَأْخُوذَةٌ مِن فِعْلِ يَمَنَهُ (فِعْلًا ماضِيًا) إذا كانَ عَلى يَمِينِهِ، أيْ: عَلى جِهَةِ يَدِهِ اليُمْنى، أوْ مَأْخُوذَةٌ مِن يَمَنَهُ اللَّهُ يُمْنًا، إذا بارَكَهُ، وإحْدى المادَّتَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأُخْرى، قِيلَ: سُمِّيَتِ اليَدُ اليُمْنى يَمِينًا ويُمْنى لِأنَّها أعْوَدُ نَفْعًا عَلى صاحِبِها في يُسْرِ أعْمالِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بِلادُ اليَمَنِ يَمَنًا؛ لِأنَّها عَنْ جِهَةِ يَمِينِ الواقِفِ مُسْتَقْبِلًا الكَعْبَةَ مِن بابِها؛ لِأنَّ بابَ الكَعْبَةِ شَرْقِيٌّ، فالجِهَةُ الَّتِي عَلى يَمِينِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ هي الجَنُوبُ وهي جِهَةُ بِلادِ اليَمَنِ، وكانَتْ بِلادُ اليَمَنِ مَشْهُورَةً بِالخَيْراتِ، فَهي مَيْمُونَةٌ، وكانَ جُغْرافِيُّو اليُونانِ يَصِفُونَها بِالعَرَبِيَّةِ السَّعِيدَةِ، وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ اعْتِبارُهم ما جاءَ عَنِ اليَمِينِ مِنَ الوَحْشِ والطَّيْرِ مُبَشِّرًا بِالخَيْرِ في عَقِيدَةِ أهْلِ الزَّجْرِ والعِيافَةِ، فالأيامِنُ المَيْمُونَةُ، قالَ المُرَقِّشُ يُفَنِّدُ ذَلِكَ:

فَإذا الأشائِمُ كالأيامِنِ والأيامِنُ كالأشائِمْ
ونَشَأ عَلى اعْتِبارِ عَكْسِ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ بِلادِ الشّامِ شَأْمًا بِالهَمْزِ مُشْتَقَّةً مِنَ الشُّؤْمِ؛ لِأنَّ بِلادَ الشّامِ مِن جِهَةِ شِمالِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ، وقَدْ أبْطَلَ الإسْلامُ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «”اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في شَأْمِنا وفي يَمَنِنا“» وما تَسْمِيَتُهم ضِدَّ اليَدِ اليُمْنى يَسارًا إلّا لِإبْطالِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الشُّؤْمِ فِيها.
ولَمّا كانَتْ جِهَةُ اليَمِينِ جِهَةً مُكَرَّمَةً تَعارَفُوا الجُلُوسَ عَلى اليَمِينِ في المَجامِعِ كَرامَةً لِلْجالِسِ، وجَعَلُوا ضِدَّهم بِعَكْسِ ذَلِكَ. وقَدْ أبْطَلَهُ الإسْلامُ فَكانَ النّاسُ يَجْلِسُونَ حِينَ انْتَهى بِهِمُ المَجْلِسُ.

وسُمِّيَ أهْلُ الجَنَّةِ أصْحابَ المَيْمَنَةِ وأصْحابَ اليَمِينِ، وسُمِّيَ أهْلُ النّارِ ”أصْحابَ المَشْأمَةِ“ و”أصْحابَ الشِّمالِ“ في سُورَةِ الواقِعَةِ، فَقَوْلُهُ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏) أيْ: أصْحابُ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

صفحة ٣٦٣
وقَوْلُهُ: (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) أيْ: هم مُحَقَّرُونَ. وذَلِكَ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى عُرْفِ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ في مَجالِسِهِمْ، ولا مَيْمَنَةَ ولا مَشْأمَةَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ تَقْتَضِيانِ حَيِّزًا لِمَن تُنْسَبُ إلَيْهِ الجِهَةُ.
وجُمْلَةُ (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) تَتْمِيمٌ لِما سِيقَ مِن ذَمِّ الإنْسانِ المَذْكُورِ آنِفًا، إذْ لَمْ يُعَقَّبْ ذَمُّهُ هُنالِكَ بِوَعِيدِهِ عِنايَةً بِالأهَمِّ وهو ذِكْرُ حالَةِ أضْدادِهِ ووَعْدِهِمْ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ ثُنِيَ العِنانُ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ فَحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ بَيْنَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ.

وقَدْ عَرَفْتَ آنِفًا أنَّ المَشْأمَةَ مَنزِلَةُ الإهانَةِ والغَضَبِ، ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) .

وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ ولَيْسَ لِلْقَصْرِ، إذْ قَدِ اسْتُفِيدَ القَصْرُ مِن ذِكْرِ الجُمْلَةِ المُضادَّةِ لِلَّتِي قَبْلَها وهي (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏) .

و(مُوصَدَةٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أوْصَدَ البابَ بِالواوِ. ويُقالُ: أأْصَدَ - بِالهَمْزِ - وهُما لُغَتانِ، قِيلَ: الهَمْزُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ جَعَلَهُ وصِيدَةً. والوَصِيدَةُ: بَيْتٌ يُتَّخَذُ مِنَ الحِجارَةِ في الجِبالِ لِحِفْظِ الإبِلِ. فَقَرَأ الجُمْهُورُ (مُوصَدَةٌ) بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أوْصَدَ بِالواوِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أأْصَدَ البابَ، بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى وصَدَهُ.

وجُمْلَةُ (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم أصْحابُ المَشْأمَةِ.

و(عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُوصَدَةٌ) وقُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الغَلْقِ عَلَيْهِمْ تَعْجِيلًا لِلتَّرْهِيبِ.

وقَدِ اسْتَتَبَّ بِهَذا التَّقْدِيمِ رِعايَةُ الفَواصِلِ بِالهاءِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البلد: ١١]) .

صفحة ٣٦٤
وإسْنادُ المُوصَدَيَّةِ إلى النّارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمُوصَدُ هو مَوْضُوعُ النّارِ، أيْ: جَهَنَّمُ.
* * *

صفحة ٣٦٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشَّمْسِ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الشَّمْسِ) بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ بِدُونِ واوٍ في نُسَخٍ صَحِيحَةٍ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ومِن عارِضَةِ الأحْوَذِيِّ لِابْنِ العَرَبِيِّ.

وعَنْوَنَها البُخارِيُّ سُورَةَ (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) بِحِكايَةِ لَفْظِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ وهو أوْلى أسْمائِها لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلى القارِئِ بِسُورَةِ (﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]) المُسَمّاةِ سُورَةَ التَّكْوِيرِ.

ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.

وعُدَّتِ السّادِسَةَ والعِشْرِينَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القَدْرِ، وقَبْلَ سُورَةِ البُرُوجِ.

وآياتُها خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً في عَدَدِ جُمْهُورِ الأمْصارِ، وعَدَّها أهْلُ مَكَّةَ سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً.

* * *
تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ بِإشْراكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما أصابَ ثَمُودًا بِإشْراكِهِمْ وعُتُوِّهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمُ الَّذِي دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ.
وقُدِّمَ لِذَلِكَ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِالقَسَمِ بِأشْياءَ مُعَظَّمَةٍ وذُكِرَ مِن أحْوالِها ما هو دَلِيلٌ

صفحة ٣٦٦
عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ والَّذِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ الإلَهِيَّةَ، وخاصَّةً أحْوالَ النُّفُوسِ ومَراتِبَها في مَسالِكَ الهُدى والضَّلالِ والسَّعادَةِ والشَّقاءِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Balad 90:20