All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

Maryam 19:16 Juzʾ 16 Page 306

‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And mention, [O Muhammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.

Read in the muṣḥaf
زاد المسير Ibn al-Jawzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: القُرْآنَ، ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، وهو عِنْدُ العَرَبِ خَيْرٌ مِنَ الغَرْبِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: أهْلَها، ﴿حِجابًا﴾؛ أيْ: سِتْرًا وحاجِزًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها ضَرَبَتْ سِتْرًا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الشَّمْسَ أظَلَّتْها، فَلَمْ يَرَها أحَدٌ مِنهُمْ، وذَلِكَ مِمّا سَتَرَها اللَّهُ بِهِ، [ ورُوِيَ ] هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها اتَّخَذَتْ حِجابًا مِنَ الجُدْرانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

وَفِي سَبَبِ انْفِرادِها عَنْهم قَوْلانِ:

أحَدُهُما: [ أنَّها ] انْفَرَدَتْ لِتَطْهُرَ مِنَ الحَيْضِ وتَمْتَشِطَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِتُفَلِّيَ رَأْسَها، قالَهُ عَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو جِبْرِيلُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: صاحِبُ رُوحِنا وهو جِبْرِيلُ. والرُّوحُ بِمَعْنى: الرُّوحِ والفَرَحِ، ثُمَّ تُضَمُّ الرّاءُ لِتَحْقِيقِ مَذْهَبِ الِاسْمِ، وإبْطالِ طَرِيقِ المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرُّوحِ هاهُنا: الوَحْيُ، وجِبْرِيلُ صاحِبُ الوَحْيِ.

وَفِي وقْتِ مَجِيئِهِ إلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

(p-٢١٧)أحَدُها: وهي تَغْتَسِلُ. والثّانِي: بَعْدَ فَراغِها ولُبْسِها الثِّيابَ. والثّالِثُ: بَعْدَ دُخُولِها بَيْتَها. وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالرُّوحِ هاهُنا: [ الرُّوحُ ] الَّذِي خُلِقَ مِنهُ عِيسى، حَكاهُ الزَّجّاجُ والماوَرْدِيُّ، وهو مَضْمُونُ كَلامِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيما سَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ( فَحَمَلَتْهُ ) . قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفِيهِ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، والمَعْنى: تَصَوَّرَ لَها في صُورَةِ البَشَرِ التّامِّ الخِلْقَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جاءَها في صُورَةِ شابٍّ أبْيَضَ الوَجْهِ، جَعْدٍ قَطَطٍ حِينَ طَرَّ شارِبَهُ. وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: ( فَأرْسَلْنا إلَيْها رَوْحَنا ) بِفَتْحِ الرّاءِ مِنَ الرُّوحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ المَعْنى: إنْ كُنْتَ تَتَّقِي اللَّهَ فَسَتَنْتَهِي بِتَعَوُّذِي مِنكَ، هَذا هو القَوْلُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في زَمانِها رَجُلٌ اسْمُهُ تَقِيٌّ، وكانَ فاجِرًا، فَظَنَتُهُ إيّاهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ والماوَرْدِيُّ. وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَجاءٍ: ( إلّا أنْ تَكُونَ تَقِيًّا ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: فَلا تَخافِي، " لِيَهَبَ لَكِ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لِأهَبَ لَكِ ) بِالهَمْزِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: ( لِيَهَبَ لَكَ ) بِغَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( لِيَهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلَنِي لِيَهَبَ، ومَن قَرَأ: ( لِأهَبَ ) فالمَعْنى: أرْسَلْتُ إلَيْكَ لِأهَبَ لَكَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: أرْسَلَنِي يَقُولُ لَكَ: أرْسَلْتُ رَسُولِي إلَيْكَ لِأهَبَ لَكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: طاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ. والبَغِيُّ: الفاجِرَةُ الزّانِيَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بَغِيَّةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ يَغْلُبُ عَلى النِّساءِ، فَقَلَّما تَقُولُ العَرَبُ: رَجُلٌ بَغِيٌّ، فَيَجْرِي مَجْرى حائِضٍ وعاقِرٍ. وقالَ غَيْرُهُ: (p-٢١٨)إنَّما لَمْ يَقُلْ: ( بُغْيَةً )؛ لِأنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ، فَهو ( فَعِيلٌ ) بِمَعْنى ( فاعِلٍ ) . ومَعْنى الآَيَةِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ ولَسْتُ بِزانِيَةٍ، وإنَّما يَكُونُ الوَلَدُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ. ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ قَدْ شَرَحْناهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا، والمَعْنى: أنَّهُ يَسِيرُ عَلى أنْ أهَبَ لَكِ غُلامًا مِن غَيْرِ أبٍ. ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: دَلالَةً عَلى قُدْرَتِنا كَوْنُهُ مِن غَيْرِ أبٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما دَخَلَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾؛ لِأنَّها عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى كَلامٍ مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: قالَ رَبُّكُ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ، لِنَنْفَعَكَ بِهِ ولِنَجْعَلَهُ عِبْرَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: لِمَن تَبِعَهُ وآَمَنَ بِهِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: وكانَ خُلُقُهُ أمْرًا مَحْكُومًا بِهِ، مَفْرُوغًا عَنْهُ، سابِقًا في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَوْنُهُ.

The same ayah, in another commentary

Maryam 19:16