All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

Adh-Dhāriyāt 51:57 Juzʾ 27 Page 523

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

I do not want from them any provision, nor do I want them to feed Me.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أوْصى أوَّلُهم آخِرَهم بِالتَّكْذِيبِ؟! وهَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أتَواطَؤُوا عَلَيْهِ فَأخَذَهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: يَحْمِلُهُمُ الطُّغْيانُ فِيما أُعْطُوا مِنَ الدُّنْيا عَلى التَّكْذِيبِ؛ والمُشارُ إلَيْهِمْ أهْلُ مَكَّةَ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَقَدْ بَلَّغْتَهم ‏‏‏ ‏‏‏ عَلَيْهِمْ ﴿بِمَلُومٍ﴾ لِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ الرِّسالَةَ. ومَذْهَبُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، ولَهم في ناسِخِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والثّانِي: آيَةُ السَّيْفِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: عِظْ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: ذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ وعَذابِهِ ورَحْمَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أثْبَتَ الياءَ في "يَعْبُدُونِ" و"يُطْعِمُونِ" و"لا يَسْتَعْجِلُونَ" في الحالَيْنِ يَعْقُوبٌ. واخْتَلَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلّا لِآمُرَهم أنْ يَعْبُدُونِي، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: إلّا لِيُقِرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا وكَرْهًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وبَيانُ هَذا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ٨٧] .

والثّالِثُ: أنَّهُ خاصٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ. قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: ما خَلَقْتُ مَن يَعْبُدُنِي إلّا لِيَعْبُدَنِي. وقالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا خاصٌّ لِأهْلِ طاعَتِهِ، وهَذا اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى فَإنَّهُ قالَ: مَعْنى هَذا الخُصُوصُ لا العُمُومُ، لِأنَّ البُلْهَ والأطْفالَ والمَجانِينَ لا يَدْخُلُونَ تَحْتَ الخِطابِ وإنْ كانُوا (p-٤٣)مِنَ الإنْسِ، فَكَذَلِكَ الكَفّارُ يَخْرُجُونَ مِن هَذا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ١٧٩]، فَمَن خُلِقَ لِلشَّقاءِ ولِجَهَنَّمَ، لَمْ يُخْلَقْ لِلْعِبادَةِ.

والرّابِعُ: إلّا لِيَخْضَعُوا إلَيَّ ويَتَذَلَّلُوا. ومَعْنى العِبادَةِ في اللُّغَةِ: الذُّلُّ والِانْقِيادُ. وكُلُّ الخَلْقِ خاضِعٌ ذَلِيلٌ لِقَضاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَمْلِكُ خُرُوجًا عَمّا قَضاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ المَعانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا أنْفُسَهم ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أنْ يُطْعِمُوا أحَدًا مِن خَلْقِي، لِأنِّي أنا الرَّزّاقُ. وإنَّما أسْنَدَ الإطْعامَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ عِيالُ اللَّهِ، ومَن أطْعَمَ عِيالَ أحَدٍ فَقَدْ أطْعَمَهُ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: يا ابْنَ آدَمَ: اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي"، أيْ: لَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي.»

فَأمّا "الرَّزّاقُ" فَقَرَأ الضَّحّاكُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الرّازِقُ" بِوَزْنِ "العالِمِ" .

قالَ الخَطّابِيُّ: هو المُتَكَفِّلُ بِالرِّزْقِ القائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما يُقِيمُها (p-٤٤)مِن قُوتِها. و ﴿المَتِينُ﴾ الشَّدِيدُ القُوَّةِ الَّذِي لا تَنْقَطِعُ قُوَّتُهُ ولا يَلْحَقُهُ في أفْعالِهِ مَشَقَّةٌ. وقَدْ رَوى قُتَيْبَةَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "المَتِينِ" بِكَسْرِ النُّونِ وكَذا قَرَأ أبُو رَزِينٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ، قالَ الزَّجّاجُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: ذُو الِاقْتِدارِ الشَّدِيدِ، ومَن رَفَعَ "المَتِينَ" فَهو صِفَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن خَفَضَهُ جَعَلَهُ صِفَةً لِلْقُوَّةِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ القُوَّةِ كَتَأْنِيثِ المَوْعِظَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٧٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ (ذَنُوبًا) أيْ: نَصِيبًا مِنَ العَذابِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودٍ. قالَ الفَرّاءُ: الذَّنُوبُ في كَلامِ العَرَبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَذْهَبُ بِها إلى النَّصِيبِ والحَظِّ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ

والذَّنُوبُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أصْلُ الذَّنُوبِ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ، وكانُوا يَسْتَقُونَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ ذَنُوبٌ، فَجُعِلَ "الذَّنُوبُ" مَكانَ "الحَظِّ والنَّصِيبِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: بِالعَذابِ إنْ أُخِّرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ، ويُقالُ: هو يَوْمُ بَدْرٍ.

The same ayah, in another commentary

Adh-Dhāriyāt 51:57