All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Al-Baqarah 2:236 Juzʾ 2 Page 38

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

There is no blame upon you if you divorce women you have not touched nor specified for them an obligation. But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.

Read in the muṣḥaf

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مِن وِزْرٍ؛ لِأنَّهُ لا بِدْعَةَ في الطَّلاقِ قَبْلَ المَسِيسِ ولَوْ كانَ في الحَيْضِ، وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَثِيرًا ما يَنْهى عَنِ الطَّلاقِ، فَظُنَّ أنَّ فِيهِ جُناحًا، فَنَفى ذَلِكَ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: غَيْرِ ماسِّينَ لَهُنَّ أوْ مُدَّةَ عَدَمِ المَسِّ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَماسُّوهُنَّ) والأعْمَشُ: (مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ)، وعَبْدُ اللهِ: (مِن قَبْلِ أنْ تُجامِعُوهُنَّ)، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: (حَتّى تَفْرِضُوا) أوْ (إلّا أنْ تَفْرِضُوا) عَلى ما في شُرُوحِ الكِتابِ، وفَرِيضَةً فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، والتّاءُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الاسْمِيَّةِ، فَصارَ بِمَعْنى المَهْرِ فَلا تَجُوزُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولَيْسَ بِالجَيِّدِ، والمَعْنى: إنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلى المُطَلِّقِ بِمُطالَبَةِ المَهْرِ أصْلًا إذا كانَ الطَّلاقُ قَبْلَ المَسِيسِ عَلى كُلِّ حالٍ، إلّا في حالِ الفَرْضِ، فَإنَّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ نِصْفَ المُسَمّى كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ، وفي حالِ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ عَلَيْهِ المُتْعَةُ لا نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ، وأمّا إذا كانَ
صفحة 153
بَعْدَ المِساسِ، فَعَلَيْهِ في صُورَةِ التَّسْمِيَةِ تَمامُ المُسَمّى، وفي صُورَةِ عَدَمِها تَمامُ مَهْرِ المِثْلِ؛ هَذِهِ أرْبَعُ صُوَرٍ لِلْمُطَلَّقَةِ نَفَتِ الآيَةُ بِمَنطُوقِها الوُجُوبَ في بَعْضِها، واقْتَضى مَفْهُومُها الوُجُوبَ في الجُمْلَةِ في البَعْضِ الآخَرِ، قِيلَ: وهَهُنا إشْكالٌ قَوِيٌّ، وهو أنَّ ما بَعْدَ أوِ الَّتِي بِمَعْنى حَتّى الَّتِي بِمَعْنى إلى نِهايَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَقَوْلُكَ: لَألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي، مَعْناهُ أنَّ اللُّزُومَ يَنْتَهِي إلى الإعْطاءِ، فَعَلى قِياسِهِ يَكُونُ فَرْضُ الفَرِيضَةِ نِهايَةَ عَدَمِ المِساسِ لا عَدَمَ الجُناحِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ، وهو مُرْتَبِطٌ بِما قَبْلَهُ، فَهو مَعْنًى مُقَيَّدٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْتُمْ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ بِغَيْرِ جُناحٍ وتَبِعَةٍ إلّا إذا (فُرِضَتِ الفَرِيضَةُ) فَيَكُونُ الجُناحُ؛ لِأنَّ المُقَيَّدَ في المَعْنى يَنْتَهِي بِرَفْعِ قَيْدِهِ فَتَأمَّلْ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ كَلِمَةَ (أوْ) عاطِفَةً لِمَدْخُولِها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الفِعْلِ المَجْزُومِ، و(لَمْ) حِينَئِذٍ لِنَفْيِ أحَدِ الأمْرَيْنِ لا بِعَيْنِهِ، وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيُفِيدُ العُمُومَ؛ أيْ: ما لَمْ يَكُنْ مِنكم مَسِيسٌ، ولا فَرْضٌ عَلى حَدٍّ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ واعْتَرَضَهُ القُطْبُ بِأنَّهُ يُوهِمُ تَقْدِيرَ حَرْفِ النَّفْيِ، فَيَصِيرُ (ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) و(ما لَمْ تَفْرِضُوا) فَيَكُونُ الشَّرْطُ حِينَئِذٍ أحَدَ النَّفْيَيْنِ لا نَفْيَ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَجِبَ المَهْرُ إذا عُدِمَ المَسِيسُ ووُجِدَ الفَرْضُ أوْ عُدِمَ الفَرْضُ ووُجِدَ المَسِيسُ، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ عَلى رَأْيٍ.

‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: مَلِّكُوهُنَّ ما يَتَمَتَّعْنَ بِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمّى مُتْعَةً، وهو عَطْفٌ عَلى ما هو جَزاءٌ في المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَلا جُناحَ ومَتِّعُوهُنَّ، وعَطْفُ الطَّلَبِيِّ عَلى الخَبَرِيِّ عَلى ما في الكَشْفِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ جامِعُ جَعْلِهِما كالمُفْرِدِينَ؛ أيِ الحُكْمِ هَذا وذاكَ، أوْ لِأنَّ المَعْنى فَلا جُناحَ وواجِبٌ هَذا أوْ فَلا تَعْزِمُوا ذَلِكَ ومَتِّعُوهُنَّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ عَطْفَ القَصَّةِ عَلى القَصَّةِ، وأنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بِالواوِ وارِدًا لِبَيانِ ما يَجِبُ لِلْمُطَلَّقاتِ المَذْكُوراتِ عَلى أزْواجِهِنَّ بَعْدَ التَّطْلِيقِ، والعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ؛ إذْ لا مَعْنى لِقَوْلِنا: إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ إلّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ المَعْطُوفَ، والحِكْمَةُ في إعْطاءِ المُتْعَةِ جَبْرُ إيحاشِ الطَّلاقِ، والظّاهِرُ فِيها عَدَمُ التَّقْدِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: عَلى كُلٍّ مِنهُما مِقْدارُ ما يُطِيقُهُ ويَلِيقُ بِهِ كائِنًا ما كانَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -: ”مُتْعَةُ الطَّلاقِ أعْلاها الخادِمُ، ودُونَ ذَلِكَ الوَرِقُ، ودُونَ ذَلِكَ الكِسْوَةُ“، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ: ”أدْنى ما يَكُونُ مِنَ المُتْعَةِ ثَلاثُونَ دِرْهَمًا“، وقالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ: هي دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ عَلى حَسَبِ الحالِ، إلّا أنْ يَقِلَّ مَهْرُ مِثْلِها مِن ذَلِكَ، فَلَها الأقَلُّ مَن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، ومِنَ المُتْعَةِ ولا يَنْتَقِصُ مِن خَمْسَةِ دَراهِمَ، والمُوسِعُ مَن يَكُونُ ذا سَعَةٍ وغِنًى مِن أوْسَعَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَ مالُهُ واتَّسَعَتْ حالُهُ، و(المُقْتِرُ) مَن يَكُونُ ضَيِّقَ الحالِ مِن (أقْتَرَ) إذا افْتَقَرَ وقَلَّ ما في يَدِهِ وأصْلُ البابِ الإقْلال،ُ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِمِقْدارِ حالِ المُتْعَةِ بِالنَّظَرِ إلى حالِ المُطَلِّقِ - إيسارًا وإقْتارًا - والجُمْهُورُ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( مَتِّعُوهُنَّ )، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ أيْ مِنكُمْ، ومَن جَعَلَ الألِفَ واللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: عَلى مُوسِعِكم إلَخْ اسْتَغْنى عَنِ القَوْلِ بِالحَذْفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ وابْنَ ذَكْوانَ: (قَدَرُهُ) بِفَتْحِ الدّالِ، والباقُونَ بِإسْكانِها، وهُما لُغَتانِ فِيهِ، وقِيلَ: (القَدْرُ) بِالتَّسْكِينِ الطّاقَةُ وبِالتَّحْرِيكِ المِقْدارُ، وقُرِئَ: (قَدْرَهُ) بِالنَّصْبِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى مَتِّعُوهُنَّ إلَخْ لِيُؤَدِّ كُلٌّ مِنكم قَدْرَ وُسْعِهِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وأجْوَدُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَأوْجِبُوا عَلى المُوسِعِ قَدْرَهُ، ‏‏‏‏ اسْمُ مَصْدَرٍ أُجْرِيَ مَجْراهُ أيْ تَمْتِيعًا ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يُسْتَحْسَنُ، وهو في مَحَلِّ الصِّفَةِ
صفحة 154
لِـ مَتاعًا وحَقًّا أيْ: ثابِتًا، صِفَةٌ ثانِيَةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا؛ أيْ: حَقٍّ ذَلِكَ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِالنّاصِبِ لِلْمَصْدَرِ، أوْ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ: مَن شَأْنُهُمُ الإحْسانُ، أوِ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إلى أنْفُسِهِمْ؛ بِالمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، أوْ إلى المُطَلَّقاتِ بِالتَّمْتِيعِ، وإنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ؛ اعْتِبارًا لِلْمُشارَفَةِ تَرْغِيبًا وتَحْرِيضًا

وقالَ الإمامُ مالِكٌ: المُحْسِنُونَ المُتَطَوِّعُونَ، وبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلى اسْتِحْبابِ المُتْعَةِ، وجَعَلَهُ قَرِينَةً صارِفَةً لِلْأمْرِ إلى النَّدْبِ، وعِنْدَنا هي واجِبَةٌ لِلْمُطَلَّقاتِ في الآيَةِ، مُسْتَحَبَّةٌ لِسائِرِ المُطَلَّقاتِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: هي واجِبَةٌ لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُطَلَّقَةٍ؛ إذا كانَ الفِراقُ مِن قِبَلِ الزَّوْجِ، إلّا الَّتِي سَمّى لَها وطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، ولَمّا لَمْ يُساعِدْهُ مَفْهُومُ الآيَةِ ولَمْ يُعْتَبَرِ العُمُومُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ لِأنَّهُ يَحْمِلُ المُطْلَقَ عَلى المُقَيَّدِ، قالَ بِالقِياسِ وجَعَلَهُ مُقَدَّمًا عَلى المَفْهُومِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ دُونَهُ، وأُجِيبُ عَمّا قالَهُ مالِكٌ بِمَنعِ قَصْرِ المُحْسِنِ عَلى المُتَطَوِّعِ، بَلْ هو أعَمُّ مِنهُ، ومِنَ القائِمِ بِالواجِباتِ، فَلا يُنافِي الوُجُوبَ، فَلا يَكُونُ صارِفًا لِلْأمْرِ عَنْهُ مَعَ ما انْضَمَّ مِن لَفْظِ ( حَقًّا ).

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:236