All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

An-Nūr 24:51 Juzʾ 18 Page 356

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

The only statement of the [true] believers when they are called to Allah and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جارٍ عَلى عادَتِهِ تَعالى في اتِّباعِ ذِكْرِ المُحِقِّ المُبْطِلِ والتَّنْبِيهُ عَلى ما يَنْبَغِي بَعْدَ إنْكارِهِ لِما لا يَنْبَغِي، ونَصْبُ ‏‏‏ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمِها، ونَصَّ سِيبَوَيْهُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى جَوازِ العَكْسِ فَيَرْفَعُ ‏‏‏ عَلى الِاسْمِيَّةِ ويُنْصَبُ المَصْدَرُ الحاصِلُ مِنَ السَّبْكِ عَلى الخَبَرِيَّةِ.

وقَدْ قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ: بِرَفْعِ «قَوْلٌ» عَلى ذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى لِأنَّ الأوْلى لِلِاسْمِيَّةِ ما هو أوْغَلُ في التَّعْرِيفِ وذَلِكَ هو المَصْدَرُ الَّذِي أُوِّلَ بِهِ أنْ يَقُولُوا لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُهُ كَما إذا اخْتُزِلَتْ عَنْهُ الإضافَةُ، وقِيلَ في وجْهِ أعْرَفِيَّتِهِ إنَّهُ لا يُوصَفُ كالضَّمِيرِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ في الأعْرَفِيَّةِ، ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَصْدَرَ الحاصِلَ مِن سَبْكِ أنَّ والفِعْلِ لا يَجِبُ كَوْنُهُ مُضافًا في كُلِّ مَوْضِعٍ ألا تَرى أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [يُونُسُ: 37] إنَّهُ بِمَعْنى ما كانَ هَذا القُرْآنُ افْتِراءً.

وذَكَرَ أنَّ جَوازَ تَنْكِيرِهِ مَذْهَبُ الفارِسِيِّ وهو ومُتَعَيِّنٌ في نَحْوِ أنْ يَقُومَ رَجُلٌ إذْ هو مُؤَوَّلٌ قَطْعًا بِقِيامِ رَجُلٍ وهو نَكِرَةٌ بِلا رَيْبَ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ النَّصْبَ أقْوى صِناعَةً لَكِنَّ الرَّفْعَ أقْعَدُ مَعْنًى وأوْفى لِمُقْتَضى المَقامِ لَمّا أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ هو الخَبَرُ فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحُدُوثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ هاهُنا في أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمُّ وأكْمَلُ فَإذَنْ هو أحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ قَلِيلَةَ الجَدْوى سَهْلَةَ الحُصُولِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً مُجْمَلَةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ فالمَعْنى إنَّما كانَ مُطْلَقَ القَوْلِ الصّادِرِ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذا دَعَوْا إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ خُصُومِهِمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا إلَخْ أيْ خُصُوصِيَّةِ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْهم لا قَوْلًا آخَرَ أصْلًا، وأمّا النَّصْبُ فالمَعْنى عَلَيْهِ إنَّما كانَ قَوْلًا لِلْمُؤْمِنِينَ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمْ ‏‏‏‏‏ إلَخْ فَفِيهِ مَن جَعَلَ أخَصَّ النِّسْبَتَيْنِ وأبْعَدَهُما
صفحة 198
وُقُوعًا وحُضُورًا في الأذْهانِ وأحَقُّهُما بِالبَيانِ مَفْرُوغًا عَنْها عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ وإبْرازُ ما هو بِخِلافِها في مَعْرَضِ القَصْدِ الأصْلِيِّ ما لا يُخْفى انْتَهى، وبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهم بِأنَّ مَساقَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ سَمِعْنا وأطَعْنا في مُقابَلَةِ إعْراضِ المُنافِقِينَ فَحَيْثُ ذَمَّ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ناسَبَ أنَّ يُمْدَحَ هَذا، ولا شَكَّ أنَّ الأنْسَبَ في مَدْحِهِ الإخْبارُ عَنْهُ لا الإخْبارُ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ اسْمُ كانَ ( وقَوْلَ المُؤْمِنِينَ ) خَبَرُها وفي ذَلِكَ مَدْحٌ لِقَوْلِهِمْ سَمِعْنا وأطَعْنا إذْ مَعْنى كَوْنِهِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ قَوْلٌ لائِقٌ بِهِمْ ومِن شَأْنِهِمْ عَلى أنَّ الأهَمَّ بِالإفادَةِ كَوْنُ ذَلِكَ القَوْلِ الخاصِّ هو قَوْلُهم ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ قَوْلِهِمُ المُقَيَّدِ بِما ذَكَرَ لِيَظْهَرَ أتَمَّ ظُهُورِ مُخالِفَةِ حالِ قَوْلِهِمْ سَمِعْنا وأطَعْنا وحالَ قَوْلِ المُنافِقِينَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا فَتَدَبَّرْ فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن ( أطَعْنا ) هُنا غَيْرُ المُرادِ مِنهُ فِيما سَبَقَ فَكَأنَّهم أرادُوا سَمِعْنا كَلامَكم وأطَعْنا أمْرَكم بِالذَّهابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَكم وبَيْنَنا، وقِيلَ المَعْنى قَبِلْنا قَوْلَكم وانْقَدْنا لَهُ وأجَبْنا إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ أنَّ المَعْنى سَمِعْنا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وأطَعْنا أمْرَهُ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ الطّاعَةِ الثُّبُوتُ أوِ الإخْلاصُ لِتَغايُرِ ما مَرَّ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ الياسٍ «لِيَحْكُمَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُجاوِبًا لَدَعَوْا، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هُنا وفِيما مَرَّ ونائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ لِيَحْكُمَ هو أيِ الحُكْمِ، والمَعْنى لِيَفْعَلَ الحُكْمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سَبَأٌ: 54] .

‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ أيْ وأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ النَّعْتِ الجَلِيلِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ هُمُ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ والنّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورٍ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And whoever obeys Allah and His Messenger and fears Allah and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَن حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ وتَرْغِيبِ مَن عَداهم في الِانْتِظامِ في سِلْكِهِمْ أيْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ ﷺ كائِنًا مَن كانَ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ في الفَرائِضِ والسُّنَنِ وهو يَحْتَمِلُ اللَّفَّ والنَّشْرَ وعَلى ذَلِكَ جَرى في البَحْرِ ‏‏‏ ‏‏ عَلى ما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ‏‏‏‏‏ فِيما يَسْتَقْبِلُ ‏‏‏‏‏‏ المَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ الطّاعَةِ والخَشْيَةِ والِاتِّقاءِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ لا مِن عَدِّهِمْ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وقالُونُ عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ «ويَتَّقِهِ» بِكَسْرِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ في رِوايَةِ العِجْلِيِّ وخَلادٍ وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةِ حَمّادٍ ويَحْيى بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ حَفْصٌ بِسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ غَيْرِ مُشْبَعَةٍ والباقُونَ بِكَسْرِ القافِ وكَسْرِ الهاءِ مُشْبَعَةٍ بِحَيْثُ يَتَوَلَّدُ ياءٌ، ووَجْهُ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأصْلَ في هاءِ الضَّمِيرِ إذا كانَ ما قَبْلَها مُتَحَرِّكًا أنَّ تَشْبَعَ حَرَكَتُها كَما في يُؤْتِهِ ويُؤَدِّهِ ووَجْهُ عَدَمِ الإشْباعِ أنَّ ما قَبْلُ الضَّمِيرِ ساكِنٌ تَقْدِيرًا ولا إشْباعَ بِحَرَكَتِهِ فِيما إذا سَكَنَ ما قَبْلُهُ كَفَّيْهِ ومِنهُ، ووَجْهُ إسْكانِ الهاءِ أنَّها هاءُ السَّكْتِ وهي تَسْكُنُ في كَلامِهِمْ، وقِيلَ: هي هاءُ الضَّمِيرِ لَكِنْ أُجْرِيَتْ مَجْرى هاءِ السَّكْتِ فَسَكَنَتْ وكَثِيرًا ما يُجْرِي الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهَ أنَّهُ سَمِعَ مَن يَقُولُ: هَذِهِ أمَةُ اللَّهِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ووَجْهُ قِراءَةِ حَفْصٍ أنَّهُ أعْطى «يَتَّقِهْ» حُكْمَ كَتِفٍ لِكَوْنِهِ عَلى وزْنِهِ فَخَفَّفَ بِسُكُونٍ
صفحة 199
وسَطُهُ لِجَعْلِهِ كَكَلِمَةٍ واحِدَةٍ كَما خَفَّفَ يَلِدا في قَوْلِهِ: «وذِي ولَدٍ لَمْ يَلِدْهُ أبَوانِ» وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ في كُلِّ مُعْتَلٍّ حُذِفَ آخِرُهُ فَيَقُولُونَ لَمْ أرَ زَيْدًا يَسْقُطُونَ الحَرْفَ لِلْجَزْمِ ثُمَّ يَسْكُنُونَ ما قَبْلُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

ومِن يَتَّقِ فَإنَّ اللَّهَ مَعَهُ ورِزْقُ اللَّهِ مُؤْتابٌ وغادٍ
وقَوْلُهُ:

قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرِ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗ وهاتِ خُبْزَ البَرِّ أوْ دَقِيقًا
والهاءُ إمّا لِلسَّكْتِ وحُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أوْ ضَمِيرٍ، وكانَ القِياسُ ضَمُّها حِينَئِذٍ كَما في مِنهُ لَكِنَّ السُّكُونَ لِعَرُوضِهِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ ولِئَلّا يَنْتَقِلَ مِن كَسْرٍ لَضَمٍّ تَقْدِيرًا، وضَعَّفَ الأوَّلَ لِتَحْرِيكِ هاءِ السَّكْتِ وإثْباتِها في الوَصْلِ كَذا قِيلَ فَلا تَغْفُلْ.

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And they swear by Allah their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allah 's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known. Indeed, Allah is Acquainted with that which you do."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏

حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أكاذِيبِ الكَفَرَةِ المُنافِقِينَ مُؤَكِّدًا بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ فَهو عَوْدٌ عَلى بَدْءٍ، والقَسَمُ الحَلْفُ وأصْلُهُ مِنَ القَسامَةِ وهي أيْمانٌ تُقْسَمُ عَلى مُتَّهَمِينَ بِقَتْلٍ حَسْبَما بَيَّنَ في كُتُبِ الفِقْهِ ثُمَّ صارَ اسْمًا لِكُلِّ حَلْفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، وجُمْلَةُ ذَلِكَ الفِعْلِ مَعَ فاعِلِهِ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ هو نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ حَلَفُوا بِهِ تَعالى يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جُهْدًا أوْ جاهِدِينَ أيْمانَهُمْ، ومَعْنى جُهْدِ اليَمِينِ بُلُوغُ غايَتِها بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِن قَوْلِهِمْ: جُهْدُ نَفْسِهِ إذا بَلَغَ أقْصى وُسْعِها وطاقَتِها، والمُرادُ أقْسَمُوا بِالغَيْنِ أقْصى مَراتِبِ اليَمِينِ في الشِّدَّةِ والوَكادَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا لَأقْسَمُوا أيْ أقْسَمُوا أقْسامَ اجْتِهادٍ في اليَمِينِ، قالَ مُقاتِلٌ: مَن حَلَفَ بِاللَّهِ تَعالى فَقَدِ اجْتَهَدَ في اليَمِينِ.

والظّاهِرُ هُنا أنَّهم غَلَّظُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها ولَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِ واللَّهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏

أيْ بِالخُرُوجِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏

والمُرادُ بِهَذا الخُرُوجِ الخُرُوجُ لِلْجِهادِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ الخُرُوجُ مِنَ الأمْوالِ.

وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ جَوابٌ لَأقْسَمُوا وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ وهي حِكايَةٌ بِالمَعْنى والأصْلُ لَنَخْرُجُنَّ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ، وقِيلَ الأصْلُ لَخَرَجْنا إلّا أنَّهُ أُرِيدَ حِكايَةُ الحالِ الماضِيَةِ فَعَبَّرَ بِذَلِكَ. وتَعَقَّبَ بِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ هو مُسْتَقْبَلٌ ‏‏

أيْ رَدًّا عَلَيْهِمْ وزَجْرًا لَهم عَنِ التَّفَوُّهِ بِتِلْكَ الأيْمانِ وإظْهارًا لِعَدَمِ القَبُولِ لِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ فِيها لا ‏‏‏‏‏‏

عَلى ما يُنَبِّئُ عَنْهُ كَلامُكم مِنَ الطّاعَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ طاعَتِكم طاعَةٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تُقْسِمُوا عَلى ما تَدْعُونَ مِنَ الطّاعَةِ لِأنَّ طاعَتَكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِأنَّها واقِعَةٌ بِاللِّسانِ فَقَطْ مِن غَيْرِ مُواطَأةٍ مِنَ القَلْبِ لا يَجْهَلُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ المَطْلُوبُ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ مَعْلُومَةٌ لا يَشُكُّ فِيها كَطاعَةِ الخُلَّصِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ ‏‏‏‏

مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ طاعَةٍ مَعْرُوفَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأوْلى بِكم مِن قِسْمِكم. واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ لِتَكُنْ طاعَةً مَعْرُوفَةً مِنكُمْ، وضَعَّفَ الكُلُّ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ المُقامُ والأخِيرُ بِأنَّ فِيهِ حَذْفُ الفِعْلِ في غَيْرِ مَوْضِعِ الحَذْفِ.

وقالَ البَقاعِيُّ: لا تَقْدِيرَ في الكَلامِ ( وطاعَةٌ )

مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ‏‏‏‏‏‏‏

وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ أنَّها أُرِيدَ بِها
صفحة 200
الحَقِيقَةَ فَتَعُمُّ والعُمُومُ مِنَ المُسَوِّغاتِ، ولَمْ تَعْرِفْ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ تَعْرِيفَها لِلْعَهْدِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تُقْسِمُوا فَإنَّ الطّاعَةَ مَعْرُوفَةٌ مِنكم ومِن غَيْرِكم لا تُخْفى فَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّ العَبْدَ وإنِ اجْتَهَدَ في إخْفاءِ الطّاعَةِ لا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ سُبْحانَهُ مَخايِلَها عَلى شَمائِلِهِ، وكَذا المَعْصِيَةُ فَلا فائِدَةَ في إظْهارِ ما يُخالِفُ الواقِعَ، وفي الأحادِيثِ ما يَشْهَدُ لِما ذُكِرَ،

فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ جُنْدُبٍ «ما أسَرَّ عَبْدٌ سَرِيرَةً إلّا ألْبَسُهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَها»

ورَوى الحاكِمُ وقالَ صَحِيحُ الإسْنادِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِإنْسانٍ كائِنًا مَن كانَ»»

وهَذا المَعْنى عَلى ما قِيلَ حَسَنٌ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ واليَزِيدِيُّ «طاعَةً مَعْرُوفَةً» بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ تُطِيعُونَ طاعَةً مَعْرُوفَةً نَفاقِيَّةً، وقِيلَ أطِيعُوا طاعَةً مَعْرُوفَةً حَقِيقِيَّةً وطاعَةً بِمَعْنى إطاعَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [نُوحٌ: 17] ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَظْهَرُونَهُ مِنَ الأكاذِيبِ المُؤَكِّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ وما تُضْمِرُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ والعَزِيمَةِ عَلى مُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِها مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ والمُرادُ الوَعِيدُ بِأنَّهُ تَعالى مُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِنها نِفاقُهُمْ، وفي الإرْشادِ أنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّ طاعَتَهم طاعَةٌ نِفاقِيَّةٌ مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ شُهْرَةِ أمْرِها فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إخْبارُهُ تَعالى بِذَلِكَ ووَعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Say, "Obey Allah and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Allah has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves after that - then those are the defiantly disobedient.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 24:51–55 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

An-Nūr 24:51