All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Luqmān 31:14 Juzʾ 21 Page 412

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اعْتُرِضَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ في أثْناءِ وصِيَّةِ لُقْمانَ تَأْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ، فَهو مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقُلْهُ سُبْحانَهُ لِلُقْمانَ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِهِ تَعالى، قالَهُ جَلَّ وعَلا لَهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْنا لَهُ: اشْكُرْ، وقُلْنا لَهُ: وصَّيْنا الإنْسانَ إلَخْ، وفي البَحْرِ: لَمّا بَيَّنَ لُقْمانُ لِابْنِهِ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ ونَهاهُ عَنْهُ كانَ ذَلِكَ حَثًّا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الطّاعَةَ أيْضًا تَكُونُ لِلْأبَوَيْنِ، وبَيَّنَ السَّبَبَ في ذَلِكَ، فَهو مِن كَلامِ لُقْمانَ مِمّا وصّى بِهِ ابْنَهُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والمَعْنى: وأمَرْنا الإنْسانَ بِرِعايَةِ والِدَيْهِ، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ ضَعْفًا ‏ ‏‏‏ أيْ ضَعْفٍ، والمَصْدَرُ حالٌ مِن ( أُمُّهُ ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذاتَ وهْنٍ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ نَفْسُهُ حالًا مُبالَغَةً لَكِنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، إذِ القِياسُ في الحالِ كَوْنُهُ مُشْتَقًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ تَهِنُ وهْنًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( أُمُّهُ ) أيْضًا. وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ تَضْعُفُ ضَعْفًا مُتَزايِدًا بِازْدِيادِ ثِقَلِ الحَمْلِ إلى مُدَّةِ الطَّلْقِ، وقِيلَ: ضَعْفًا مُتَتابِعًا وهو ضَعْفُ الحَمْلِ، وضَعْفُ الطَّلْقِ، وضَعْفُ النِّفاسِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ( حَمَلَتْهُ ) العائِدِ عَلى ( الإنْسانَ )، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ‏‏‏‏ الوَلَدُ، ‏ ‏‏‏ الوالِدَةُ وضَعْفُها، والمُرادُ أنَّها حَمَلَتْهُ حالَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا عَلى ضَعِيفٍ مِثْلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها حَمَلَتْهُ حالَ كَوْنِهِ مُتَزايِدَ الضَّعْفِ لِيُقالَ أنَّ ضَعْفَهُ لا يَتَزايَدُ، بَلْ يَنْقُصُ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: ( وهَنًا عَلى وهَنٍ ) بِفَتْحِ الهاءِ فِيهِما، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَحْرِيكِ العَيْنِ، إذا كانَتْ حَرْفَ حَلْقٍ كالشَّعْرِ والشَّعَرِ، عَلى القِياسِ المُطَّرِدِ عِنْدَ الكُوفِيِّ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ جِنِّي، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرَ وهِنَ بِكَسْرِ الهاءِ يُوهَنُ بِفَتْحِها، فَإنَّ مَصْدَرَهُ جاءَ كَذَلِكَ، وهَذا كَما يُقالُ: تَعِبَ يَتْعَبُ تَعَبًا، كَما قِيلَ، وكَلامُ صاحِبِ القامُوسِ ظاهِرٌ في عَدَمِ
صفحة 86
اخْتِصاصِ أحَدِ المَصْدَرَيْنِ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ قالَ:

الوَهْنُ الضَّعْفُ في العَمَلِ، ويُحَرَّكُ، والفِعْلُ كَوَعَدَ ووَرِثَ وكَرُمَ.

‏‏‏‏‏‏ أيْ فِطامُهِ، وتَرْكُ إرْضاعِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ «وفَصْلُهُ» وهو أعَمُّ مِنَ الفِصالِ، والفِصالُ ها هُنا أوْقَعُ مِنَ الفَصْلِ، لِأنَّهُ مَوْقِعٌ يَخْتَصُّ بِالرَّضاعِ، وإنْ رَجَعا إلى أصْلٍ واحِدٍ عَلى ما قالَهُ الطِّيبِيُّ، ‏ ‏‏‏ أيْ في انْقِضاءِ عامَيْنِ، أيْ في أوَّلِ زَمانِ انْقِضائِهِما، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ عامانِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ، والإمامُ أحْمَدُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وهو مُخْتارُ الطَّحاوِيِّ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحْقافُ: 15]، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، وضَرَبَ لَهُما مُدَّةً فَكانَتْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِكَمالِها، كالأجَلِ المَضْرُوبِ لِلدَّيْنَيْنِ عَلى شَخْصَيْنِ بِأنْ قالَ: أجَّلْتُ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلى فُلانٍ والدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلى فُلانٍ سَنَةً، فَإنَّهُ يُفْهَمُ أنَّ السَّنَةَ بِكَمالِها لِكُلٍّ، أوْ عَلى شَخْصٍ بِأنْ قالَ لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ وعَشَرَةُ أقْفِزَةٍ إلى سَنَةٍ، فَصَدَّقَهُ المُقِرُّ لَهُ في الأجَلِ، فَإذا مَضَتِ السَّنَةُ يَتِمُّ أجَلُهُما جَمِيعًا، إلّا أنَّهُ قامَ النَّقْصُ في أحَدِهِما أعْنِي مُدَّةَ الحَمْلِ، لِقَوْلِ عائِشَةَ الَّذِي لا يُقالُ مِثْلُهُ إلّا سَماعًا: الوَلَدُ لا يَبْقى في بَطْنِ أُمِّهِ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ، ولَوْ بِقَدْرِ فَلَكَةِ مِغْزَلٍ، فَتَبْقى مُدَّةُ الفِصالِ عَلى ظاهِرِها، وما ذُكِرَ هُنا أقَلُّ مُدَّتِهِ وفِيهِ بَحْثٌ، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ تَفْسِيرٌ (لِوَصَّيْنا) كَما اخْتارَهُ النَّحّاسُ، فَأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ قَبْلَها، وهو مُتَعَلِّقٌ (بِوَصَّيْنا) وبِلا تَقْدِيرٍ عَلى أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن – والِدَيْهِ - بَدَلَ الِاشْتِمالِ، وعَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ بِشُكْرِهِما، وذَكَرَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ صِحَّةَ شُكْرِهِما تَتَوَقَّفُ عَلى شُكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما قِيلَ في عَكْسِهِ: «(لا يَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ)،» ولِذا قَرَنَ بَيْنَهُما في الوَصِيَّةِ، وفي هَذا مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الأمْرَ يَأْبى التَّفْسِيرَ، والتَّعْلِيلَ، والبَدَلِيَّةَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَرِيبًا، وعَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ – إلى - ‏‏‏ اعْتِراضًا مُؤَكِّدًا لِلتَّوْصِيَةِ في حَقِّ الأُمِّ خُصُوصًا، لِذِكْرِ ما قاسَتْهُ في تَرْبِيَتِهِ وحَمْلِهِ، ولِذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو داوُدَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «لِمَن سَألَهُ عَمَّنْ يَبَرُّهُ: أُمُّكَ، وأجابَهُ عَنْ سُؤالِهِ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ».

وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ حَمَلَ أُمَّهُ إلى الحَجِّ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يَقُولُ في حُدائِهِ:

أحْمِلُ أُمِّي وهي الحَمّالَهْ تُرْضِعُنِي الدَّرَّةَ والعُلالَهْ

ولا يُجازى والِدٌ فِعالَهْ
ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:

لِأُمِّكَ حَقٌّ لَوْ عَلِمْتَ كَبِيرُ

كَثِيرُكَ يا هَذا لَدَيْهِ يَسِيرُ ∗∗∗ فَكَمْ لَيْلَةٍ باتَتْ بِثِقْلِكَ تَشْتَكِي

لَها مِن جَرّاها أنَّةٌ وزَفِيرُ ∗∗∗ وفي الوَضْعِ لَوْ تَدْرِي عَلَيْها مَشَقَّةٌ

فَمِن غُصَصٍ لَها الفُؤادُ يَطِيرُ ∗∗∗ وكَمْ غَسَلَتْ عَنْكَ الأذى بِيَمِينِها

وما حِجْرُها إلّا لَدَيْكَ سَرِيرُ ∗∗∗ وتَفْدِيكَ مِمّا تَشْتَكِيهِ بِنَفْسِها

ومِن ثَدْيِها شِرْبٌ لَدَيْكَ نَمِيرُ ∗∗∗ وكَمْ مَرَّةٍ جاعَتْ وأعْطَتْكَ قُوتَها حُنُوًّا وإشْفاقًا وأنْتَ صَغِيرُ

فَآهًا لِذِي عَقْلٍ ويُتَّبِعُ الهَوى ∗∗∗ وآهًا لِأعْمى القَلْبِ وهو بَصِيرُ

فَدُونَكَ فارْغَبْ في عَمِيمِ دُعائِها ∗∗∗ فَأنْتَ لِما تَدْعُو بِهِ لَفَقِيرُ
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالشُّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ، فَقِيلَ هو الطّاعَةُ، وفِعْلُ ما يُرْضِي كالصَّلاةِ والصِّيامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى
صفحة 87
وكالصِّلَةِ والبِرِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الوالِدَيْنِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: (مَن صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعالى، ومَن دَعا لِوالِدَيْهِ في أدْبارِها فَقَدْ شَكَرَهُما)، ولَعَلَّ هَذا بَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ الشُّكْرِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ إلى الرُّجُوعِ لا إلى غَيْرِي، فَأُجازِيكَ عَلى ما صَدَرَ عَنْكَ مِمّا يُخالِفُ أمْرِي.

The same ayah, in another commentary

Luqmān 31:14