All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Ḥajj 22:11 Juzʾ 17 Page 333

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And of the people is he who worships Allah on an edge. If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to the other direction]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذا وصْفُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الَّذِينَ يُقابِلُونَ الأمْرَ بِالتَّقْوى والإنْذارَ بِالسّاعَةِ مُقابَلَةَ غَيْرِ المُطْمَئِنِّ بِصِدْقِ دَعْوَةِ الإسْلامِ ولا المُعْرِضِ عَنْها إعْراضًا تامًّا ولَكِنَّهم يَضَعُونَ أنْفُسَهم في مَعْرِضِ المُوازَنَةِ بَيْنَ دِينِهِمُ القَدِيمِ ودِينِ الإسْلامِ. فَهم يَقْبَلُونَ دَعْوَةَ الإسْلامِ ويَدْخُلُونَ في عِدادِ

صفحة ٢١١
مُتَّبِعِيهِ ويَرْقُبُونَ ما يَنْتابُهم بَعْدَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَإنْ أصابَهُمُ الخَيْرُ عَقِبَ ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ دِينَهُمُ القَدِيمَ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّ آلِهَتَهم لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لِأنَّها لَوْ قَدَرَتْ لانْتَقَمَتْ مِنهم عَلى نَبْذِ عِبادَتِها وظَنُّوا أنَّ الإسْلامَ حَقٌّ، وإنْ أصابَهم شَرٌّ مِن شُرُورِ الدُّنْيا العارِضَةِ في الحَياةِ المُسَبَّبَةِ عَنْ أسْبابٍ عادِيَّةٍ سَخِطُوا عَلى الإسْلامِ وانْخَلَعُوا عَنْهُ. وتَوَهَّمُوا أنَّ آلِهَتَهم أصابَتْهم بِسُوءٍ غَضَبًا مِن مُفارَقَتِهِمْ عِبادَتَها كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عادٍ إذْ قالُوا لِرَسُولِهِمْ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [هود: ٥٤] .
فالعِبادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ مُرادٌ بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحج: ١٢] . والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونَتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ.

وفِي رِوايَةِ الحَسَنِ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ يَعْنِي المُنافِقِينَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ. وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُبْطِنِينَ الكُفْرَ فَلا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . ومِمَّنْ يَصْلُحُ مِثالًا لِهَذا الفَرِيقِ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا وهاجَرُوا فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ. فَأمَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَلْحَقُوا بِراعِي إبِلِ الصَّدَقَةِ خارِجَ المَدِينَةِ فَيَشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبْوالِها حَتّى يَصِحُّوا فَلَمّا صَحُّوا قَتَلُوا الرّاعِيَ واسْتاقُوا الذَّوْدَ وفَرُّوا. فَألْحَقَ بِهِمُ النَّبِيءُ ﷺ الطَّلَبَ في أثَرِهِمْ حَتّى لَحِقُوا بِهِمْ فَأمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا.

صفحة ٢١٢
وفِي حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «أنَّ أعْرابِيًّا أسْلَمَ وبايَعَ النَّبِيءَ ﷺ فَأصابَهُ وعْكٌ بِالمَدِينَةِ، فَجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتِقِيلُهُ بَيْعَتَهُ فَأبى أنْ يُقِيلَهُ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ طِيبُها» فَجَعَلَهُ خَبَثًا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ثابِتًا. وذَكَرَ الفَخْرُ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ نَفَرًا مِن أسَدٍ وغَطَفانَ قالُوا: نَخافُ أنْ لا يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَيَنْقَطِعَ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِنَ اليَهُودِ فَلا يُمِيرُونَنا فَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ [الحج: ١٥] الآياتِ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، مِنهم: عُيَيْنَةُ ابْنُ حِصْنٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ والعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ قالُوا: نَدْخُلُ في دِينِ مُحَمَّدٍ فَإنْ أصَبْنا خَيْرًا عَرَفْنا أنَّهُ حَقٌّ. وإنْ أصَبْنا غَيْرَ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّهُ باطِلٌ. وهَذا كُلُّهُ ناشِئٌ عَنِ الجَهْلِ وتَخْلِيطِ الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالأسْبابِ الأُخْرَوِيَّةِ، وجَعْلِ المُقارَناتِ الِاتِّفاقِيَّةِ كالمَعْلُوماتِ اللُّزُومِيَّةِ. وهَذا أصْلٌ كَبِيرٌ مِن أُصُولِ الضَّلالَةِ في أُمُورِ الدِّينِ وأُمُورِ الدُّنْيا. ولَنِعْمَ المُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إذْ لا يَهْتَدِي إلى تَطَلُّبِ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها.

وحَرْفُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وجانِبُهُ سَواءٌ كانَ مُرْتَفِعًا كَحَرْفِ الجَبَلِ والوادِي أمْ كانَ مُسْتَوِيًا كَحَرْفِ الطَّرِيقِ. ويُطْلَقُ الحَرْفُ عَلى طَرَفِ الجَيْشِ. ويُجْمَعُ عَلى طِرَفٍ بِوَزْنِ عِنَبٍ، قالَ في القامُوسِ: ولا نَظِيرَ لَهُ سِوى طَلٍّ وطِلَلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُتَرَدِّدِ في عَمَلِهِ، يُرِيدُ تَجْرِبَةَ عاقِبَتِهِ بِحالِ مَن يَمْشِي عَلى حَرْفِ جَبَلٍ أوْ حَرْفِ وادٍ فَهو مُتَهَيِّئٌ لِأنْ يَزِلَّ عَنْهُ إلى أسْفَلِهِ فَيَنْقَلِبَ، أيْ يَنْكَبَّ.

صفحة ٢١٣
ومَعْنى اطْمَأنَّ: اسْتَقَرَّ وسَكَنَ في مَكانِهِ. ومَصْدَرُهُ الِاطْمِئْنانُ واسْمُ المَصْدَرِ الطُّمَأْنِينَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: اسْتَمَرَّ عَلى التَّوْحِيدِ فَرِحًا بِالخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ. واسْتِقْرارُ مِثْلِ هَذا عَلى الإيمانِ يُصَيِّرُهُ مُؤْمِنًا إذا زالَ عَنْهُ التَّرَدُّدُ، وحالُ هَؤُلاءِ قَرِيبٌ مِن حالِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم.
والِانْقِلابُ: مُطاوِعٌ قَلَبَهُ إذا كَبَّهُ، أيْ ألْقاهُ عَلى عَكْسِ ما كانَ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلَ ما كانَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ كَما يُقْلَبُ القالَبُ بِفَتْحِ اللّامِ. فالِانْقِلابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ. وتَفْسِيرُنا الِانْقِلابَ هُنا بِهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ سَقَطَ وانْكَبَّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

يَكُبُّ عَلى الأذْقانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
وكَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ هَذا الأمْرَ في قُرَيْشٍ لا يُنازِعُهم فِيهِ أحَدٌ إلّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلى وجْهِهِ» . وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ ظاهِرٌ وهو أيْضًا المُلائِمُ لِتَمْثِيلِ أوَّلِ حالِهِ بِحالِ مَن هو عَلى حَرْفٍ. ويُطْلَقُ الِانْقِلابُ كَثِيرًا عَلى الِانْصِرافِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي أتاها إلى الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وهو مَجازٌ شائِعٌ وبِهِ فَسَّرَ المُفَسِّرُونَ. ولا يُناسِبُ اعْتِبارُهُ هُنا؛ لِأنَّ مِثْلَهُ يُقالُ فِيهِ: انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ لا عَلى وجْهِهِ، كَما قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٣] إذِ الرُّجُوعُ إنَّما يَكُونُ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ الوَجْهِ.
والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ الحالِ وقَلَقُ البالِ مِن حُدُوثِ شَرٍّ لا مَدْفَعَ لَهُ. وهي مُقابِلُ الخَيْرِ.

صفحة ٢١٤
وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ . وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وجُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [الحج: ١٢] الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (انْقَلَبَ) أيْ أُسْقِطَ في الشِّرْكِ.
والخُسْرانُ: تَلَفُ جُزْءٍ مِن أصْلِ مالِ التِّجارَةِ، فَشَبَّهَ نَفْعَ الدُّنْيا ونَفْعَ الآخِرَةِ بِمالِ التّاجِرِ السّاعِي في تَوْفِيرِهِ لِأنَّ النّاسَ يَرْغَبُونَ تَحْصِيلَهُ. وثَنّى عَلى ذَلِكَ إثْباتَ الخُسْرانِ لِصاحِبِهِ الَّذِي هو مِن مُرادِفاتِ مالِ التِّجارَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، فَشَبَّهَ فَواتَ النَّفْعِ المَطْلُوبِ بِخَسارَةِ المالِ.

وتَعَلُّقَ الخُسْرانِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَّقْدِيرُ خَسِرَ خَيْرَ الدُّنْيا وخَيْرَ الآخِرَةِ. فَخَسارَةُ الدُّنْيا بِسَبَبِ ما أصابَهُ فِيها مِنَ الفِتْنَةِ، وخَسارَةُ الآخِرَةِ بِسَبَبِ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِثَوابِها المَرْجُوِّ لَهُ.

والمُبِينُ: الَّذِي فِيهِ ما يُبَيِّنُ لِلنّاسِ أنَّهُ خُسْرانٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ. والمُرادُ أنَّهُ خُسْرانٌ شَدِيدٌ لا يَخْفى.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ المُسْنَدِ إلَيْهِ أتَمَّ تَمْيِيزٍ لِتَقْرِيرِ مَدْلُولِهِ في الأذْهانِ. وضَمِيرُ (هو) ضَمِيرُ فَصْلٍ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ. ادُّعِيَ أنَّ ماهِيَّةَ الخُسْرانِ المُبِينِ انْحَصَرَتْ في خُسْرانِهِمْ. والمَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ الِادِّعائِيِّ تَحْقِيقُ الخَبَرِ ونَفْيُ الشَّكِّ في وُقُوعِهِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ أكَّدَ مَعْنى القَصْرِ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ المَقْصُورِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥajj 22:11