All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

As-Sajdah 32:10 Juzʾ 21 Page 415

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And they say, "When we are lost within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in [the matter of] the meeting with their Lord, disbelievers.

Read in the muṣḥaf

﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ .

الواوُ لِلْحالِ، والحالُ لِلتَّعْجِيبِ مِنهم كَيْفَ أحالُوا إعادَةَ الخَلْقِ وهم يَعْلَمُونَ النَّشْأةَ الأُولى، ولَيْسَتِ الإعادَةُ بِأعْجَبَ مِن بَدْءِ الخَلْقِ وخاصَّةً بَدْءَ خَلْقِ آدَمَ عَنْ عَدَمٍ، وخُلُوُّ الجُمْلَةِ الماضَوِيَّةِ عَنْ حَرْفِ (قَدْ) لا يَقْدَحُ في كَوْنِها حالًا عَلى التَّحْقِيقِ.

والِاسْتِفْهامُ في ”أاْذا ضَلَلْنا“ لِلتَّعَجُّبِ والإحالَةِ، أيْ أظْهَرُوا في كَلامِهِمُ اسْتِبْعادَ البَعْثِ بَعْدَ فَناءِ الأجْسادِ واخْتِلاطِها بِالتُّرابِ، مُغالَطَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرْوِيجًا لِكُفْرِهِمْ. والضَّلالُ: الغِيابُ، ومِنهُ: ضَلالُ الطَّرِيقِ، والضّالَّةُ: الدّابَّةُ الَّتِي ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها فَلَمْ يُعْرَفْ مَكانُها. وأرادُوا بِذَلِكَ إذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ أجْسادِنا في خِلالِ الأرْضِ واخْتَلَطَتْ بِتُرابِ الأرْضِ. وقِيلَ: الضَّلالُ في الأرْضِ: الدُّخُولُ فِيها بِناءً عَلى أنَّهُ يُقالُ: أضَلَّ النّاسُ المَيِّتَ، أيْ دَفَنُوهُ. وأنْشَدُوا قَوْلَ النّابِغَةِ في رِثاءِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:

فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ
وقَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: (‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى
صفحة ٢١٩
الإخْبارِ اكْتِفاءً بِدُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلى أوَّلِ الجُمْلَةِ ومُتَعَلِّقِها. وقَرَأ الباقُونَ (﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما لِلِاسْتِفْهامِ والثّانِيَةُ تَأْكِيدًا لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الدّاخِلَةِ عَلى ﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أنَّ الكَلامَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ.

وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ (﴿إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) بِحَرْفِ ”إنَّ“ لِأنَّهم حَكَوُا القَوْلَ الَّذِي تَعَجَّبُوا مِنهُ وهو ما في القُرْآنِ مِن تَأْكِيدِ تَجْدِيدِ الخَلْقِ فَحَكَوْهُ بِالمَعْنى كَما في الآيَةِ الأُخْرى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [سبإ: ٧]، أيْ يُحَقِّقُ لَكم ذَلِكَ.

و”إذا“ ظَرْفٌ وهو مَعْمُولٌ لِما في جُمْلَةِ (﴿إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) مِن مَعْنى الكَوْنِ. والخَلْقُ: مَصْدَرٌ.

و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ ومَعْناها المُصاحَبَةُ.

والجَدِيدُ: المُحْدَثُ، أيْ غَيْرِ خَلْقِنا الَّذِي كُنّا فِيهِ.

و”بَلْ“ مِن ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إضْرابٌ عَنْ كَلامِهِمْ، أيْ لَيْسَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ لِلِاسْتِبْعادِ والِاسْتِحالَةِ لِأنَّ دَلائِلَ إمْكانِهِ واضِحَةٌ لِكُلِّ مُتَأمِّلٍ ولَكِنَّ الباعِثَ عَلى إنْكارِهِمْ إيّاهُ هو كُفْرُهم بِلِقاءِ اللَّهِ، أيْ كُفْرُهُمُ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْ أئِمَّتِهِمْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فالمَعْنى: بَلْ هم قَدْ أيْقَنُوا بِانْتِفاءِ البَعْثِ فَهم مُتَعَنِّتُونَ في الكُفْرِ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ لا تَنْفَعُهُمُ الآياتُ والأدِلَّةُ، فالكُفْرُ المُثْبَتُ هُنا كُفْرٌ خاصٌّ وهو غَيْرُ الكُفْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) فَإنَّهُ كُفْرٌ بِلِقاءِ اللَّهِ لَكِنَّهم أظْهَرُوهُ في صُورَةِ الِاسْتِبْعادِ تَشْكِيكًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرْوِيجًا لِكُفْرِهِمْ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى ”كافِرُونَ“ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى كُفْرِهِمْ والثَّباتِ عَلَيْهِ.

The same ayah, in another commentary

As-Sajdah 32:10