All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Aḥzāb 33:22 Juzʾ 21 Page 420

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allah and His Messenger had promised us, and Allah and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.

Read in the muṣḥaf

صفحة ٣٠٤
‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏
لَمّا ذُكِرَتْ أقْوالُ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المُؤْذِنَةُ بِما يُداخِلُ قُلُوبَهم مِنَ الخَوْفِ وقِلَّةِ الإيمانِ والشَّكِّ فِيما وعَدَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأحزاب: ١٢] قُوبِلَتْ أقْوالُ أُولَئِكَ بِأقْوالِ المُؤْمِنِينَ حِينَما نَزَلَتْ بِهِمُ الأحْزابُ ورَأوْا كَثْرَتَهم وعَدَدَهَمْ وكانُوا عَلى بَصِيرَةٍ مِن تَفَوُّقِهِمْ عَلَيْهِمْ في القُوَّةِ والعَدَدِ أضْعافًا وعَلِمُوا أنَّهم قَدِ ابْتُلُوا وزُلْزِلُوا، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُخِرْ عَزائِمَهم ولا أدْخَلَ عَلَيْهِمْ شَكًّا فِيما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ.

وكانَ اللَّهُ وعَدَهُمُ النَّصْرَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢١٤] . فَلَمّا رَأى المُسْلِمُونَ الأحْزابَ وابْتُلُوا وزُلْزِلُوا ورَأوْا مِثْلَ الحالَةِ الَّتِي وُصِفَتْ في تِلْكَ الآيَةِ عَلِمُوا أنَّهم مَنصُورُونَ عَلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ هو الوَعْدُ الَّذِي وعَدَهُمُ اللَّهُ بِآيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَتْ آيَةُ البَقَرَةِ نَزَلَتْ قَبْلَ وقْعَةِ الأحْزابِ بِعامٍ، كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأيْضًا فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أخْبَرَ المُسْلِمِينَ: «أنَّ الأحْزابَ سائِرُونَ إلَيْكم بَعْدَ تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ»، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ وزُلْزِلُوا راجَعَهُمُ الثَّباتُ النّاشِئُ عَنْ قُوَّةِ الإيمانِ وقالُوا ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، أيْ مِنَ النَّظَرِ ومِنَ الإخْبارِ بِمَسِيرِ الأحْزابِ وصَدَّقُوا وعْدَ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ وإخْبارَ النَّبِيءِ ﷺ بِمَسِيرِ الأحْزابِ، فالإشارَةُ بِهَذا إلى ما شاهَدُوهُ مِن جُيُوشِ الأحْزابِ وإلى ما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الشِّدَّةِ والصَّبْرِ عَلَيْها وكُلُّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ . ثُمَّ أُخْبِرُوا عَنْ صِدْقِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أخْبَرا بِهِ وصَدَّقُوا اللَّهَ فِيما وعَدَهم مِنَ النَّصْرِ خِلافًا لِقَوْلِ المُنافِقِينَ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٢] فالوَعْدُ راجِعٌ إلى الأمْرَيْنِ والصِّدْقُ كَذَلِكَ.

والوَعْدُ: إخْبارُ مُخْبِرٍ بِأنَّهُ سَيَعْمَلُ عَمَلًا لِلْمُخْبَرِ (بِالفَتْحِ) .

فَفِعْلُ صَدَقَ فِيما حُكِيَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

صفحة ٣٠٥
مُسْتَعْمَلٌ في الخَبَرِ عَنْ صِدْقٍ مَضى وعَنْ صِدْقٍ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مُحَقَّقٍ وُقُوعُهُ بِحَيْثُ يُجْعَلُ اسْتِقْبالُهُ كالمُضِيِّ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحَقُّقِ.
أوْ هو اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَحْمَلَ الفِعْلِ عَلى الصِّدْقِ في المُسْتَقْبَلِ أنْسَبُ بِمَقامِ الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ وأعْلَقُ بِإناطَةِ قَوْلِهِمْ بِفِعْلِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دُونَ أنْ يُقالَ: ولَمّا جاءَتِ الأحْزابُ. فَإنْ أبَيْتَ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ فاقْصُرْهُ عَلى المَجازِ واطْرَحِ احْتِمالَ الإخْبارِ عَنَ الصِّدْقِ الماضِي.

وضَمِيرُ زادَهُمُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ، أيْ وما زادَهم ما رَأوْا إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا، أيْ بِعَكْسِ حالِ المُنافِقِينَ إذْ زادَهم شَكًّا في تَحَقُّقِ الوَعْدِ، والمَعْنى: وما زادَ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ إلّا إيمانًا، أيْ ما زادَ في خَواطِرِ نُفُوسِهِمْ إلّا إيمانًا، أيْ لَمْ يَزِدْهم خَوْفًا عَلى الخَوْفِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ مُتَرَقِّبٍ أنْ يُنازِلَهُ العَدُوُّ الشَّدِيدُ، بَلْ شَغَلَهم عَنِ الخَوْفِ والهَلَعِ شاغِلُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَهم بِهِ وفِيما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ النَّصْرِ فَأعْرَضَتْ نُفُوسُهم عَنْ خَواطِرِ الخَوْفِ إلى الِاسْتِبْشارِ بِالنَّصْرِ المُتَرَقَّبِ.

والتَّسْلِيمُ: الِانْقِيادُ والطّاعَةُ لِأنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمُ النَّفْسِ لِلْمُنْقادِ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] في سُورَةِ النِّساءِ. ومِنَ التَّسْلِيمِ هُنا تَسْلِيمُ أنْفُسِهِمْ لِمُلاقاةِ عَدُوٍّ شَدِيدٍ دُونَ أنْ يَتَطَلَّبُوا الإلْقاءَ بِأيْدِيهِمْ إلى العَدُوِّ وأنْ يُصالِحُوهُ بِأمْوالِهِمْ. فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّهُ «لَمّا اشْتَدَّ البَلاءُ عَلى المُسْلِمِينَ اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّعْدَيْنِ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ وسَعْدَ بْنَ مُعاذٍ في أنْ يُعْطِيَ ثُلُثَ ثِمارِ المَدِينَةِ تِلْكَ السَّنَةِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والحارِثَ بْنَ عَوْفٍ وهُما قائِدا غَطَفانَ عَلى أنْ يَرْجِعا عَنِ المَدِينَةِ، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ أهْوَ أمْرٌ تُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أمْ شَيْءٌ أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لا بُدَّ لَنا مِنَ العَمَلِ بِهِ، أمْ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنا ؟ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ شَيْءٌ أصْنَعُهُ لَكم واللَّهِ ما أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِأنِّي رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ وكالَبُوكم مِن كُلِّ جانِبٍ فَأرَدْتُ أنْ أكْسِرَ عَنْكم مِن شَوْكَتِهِمْ إلى أمَرٍ ما. فَقالَ
صفحة ٣٠٦
سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كُنّا نَحْنُ وهَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ لا نَعْبُدُ اللَّهَ ولا نَعْرِفُهُ وهم لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ثَمَرَةً واحِدَةً إلّا قِرًى أوْ بَيْعًا أفَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وهَدانا إلَيْهِ وأعَزَّنا بِكَ وبِهِ نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا ؟ ما لَنا بِهَذا مِن حاجَةٍ، واللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَهم، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْتَ وذاكَ» . فَهَذا مَوْقِفُ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ الشِّدَّةِ وهَذا تَسْلِيمُ أنْفُسِهِمْ لِلْقِتالِ.

ومِنَ التَّسْلِيمِ الرِّضى بِما يَأْمُرُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الثَّباتِ مَعَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وإذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى آخِرِهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ الإيمانَ الَّذِي زادَهم ذَلِكَ هو زِيادَةٌ عَلى إيمانِهِمْ، أيْ إيمانٌ مَعَ إيمانِهِمْ.

والإيمانُ الَّذِي زادَهُمُوهُ أُرِيدَ بِهِ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ إيمانِهِمُ القَوِيِّ، فَجَعَلَ تَكَرُّرَ مَظاهِرِ الإيمانِ وآثارِهِ كالزِّيادَةِ في الإيمانِ لِأنَّ تَكَرُّرَ الأعْمالِ يُقَوِّي الباعِثَ عَلَيْها في النَّفْسِ ويُباعِدُ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ الشَّكِّ والِارْتِدادِ فَكَأنَّهُ يَزِيدُ في ذَلِكَ الباعِثِ، وهَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الفتح: ٤] وقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٢٤] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ بَراءَةَ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في ضِدِّ الزِّيادَةِ وهو النَّقْصُ، وإلّا فَإنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ وهو التَّصْدِيقُ بِالشَّيْءِ إذا حَصَلَتْ بِمُقَوِّماتِها فَهي واقِعَةٌ، فَزِيادَتُها تَحْصِيلُ حاصِلٍ ونَقْصُها نَقْصٌ لَها وانْتِفاءٌ لِأصْلِها. وهَذا هو مَحْمَلُ ما ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن إضافَةِ الزِّيادَةِ إلى الإيمانِ وكَذَلِكَ ما يُضافُ إلى الكُفْرِ والنِّفاقِ مِنَ الزِّيادَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ٩٧] وقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٢٥] .

وإلى هَذا المَحْمَلِ يَرْجِعُ خِلافُ الأيِمَّةِ في قَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ فَيَئُولُ إلى خِلافٍ لَفْظِيٍّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥzāb 33:22