All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Anʿām 6:121 Juzʾ 8 Page 143

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

جُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١١٨] .

صفحة ٣٩
وما في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَوْصُولَةٌ، وماصَدَقُ المَوْصُولِ هُنا: ذَكِيٌّ، بِقَرِينَةِ السّابِقِ الَّذِي ماصَدَقُهُ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ المَقامِ. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ قَدْ أفادَتْ إباحَةَ أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وأفْهَمَتِ النَّهْيَ عَمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو المَيْتَةُ، وتَمَّ الحُكْمُ في شَأْنِ أكْلِ المَيْتَةِ والتَّفْرِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما ذُكِّيَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ أُفِيدَ النَّهْيُ والتَّحْذِيرُ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَمَعْنى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏: أنَّهُ تُرِكَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ قَصْدًا وتَجَنُّبًا لِذِكْرِهِ عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِقَصْدِ أنْ لا يَكُونَ الذَّبْحُ لِلَّهِ، وهو يُساوِي كَوْنَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، إذْ لا واسِطَةَ عِنْدَهم في الذَّكاةِ بَيْنَ أنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ أوْ يَذْكُرُوا اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١١٨] .
ومِمّا يُرَشِّحُ أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ قَوْلُهُ هُنا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَوْلُهُ في الآيَةِ الآتِيَةِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١٤٥] فَعُلِمَ أنَّ المَوْصُوفَ بِالفِسْقِ هُنا هو الَّذِي وُصِفَ بِهِ هُنالِكَ، وقُيِّدَ هُنالِكَ بِأنَّهُ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وبِقَرِينَةِ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِأنَّ الشِّرْكَ إنَّما يَكُونُ بِذِكْرِ أسْماءِ الأصْنامِ عَلى المُذَكّى، ولا يَكُونُ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ.

ورُبَّما كانَ المُشْرِكُونَ في تَحَيُّلِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ في أمْرِ الذَّكاةِ يَقْتَنِعُونَ بِأنْ يَسْألُوهم تَرْكَ التَّسْمِيَةِ، بِحَيْثُ لا يُسَمُّونَ اللَّهَ ولا يُسَمُّونَ لِلْأصْنامِ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَحْذِيرَ المُسْلِمِينَ مِن هَذا التَّرْكِ المَقْصُودِ بِهِ التَّمْوِيهُ، وأنْ يُسَمّى عَلى الذَّبائِحِ غَيْرَ أسْماءِ آلِهَتِهِمْ.

فَإنِ اعْتَدَدْنا بِالمَقْصِدِ والسِّياقِ، كانَ اسْمُ المَوْصُولِ مُرادًا بِهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكانَ حُكْمُها قاصِرًا عَلى ذَلِكَ المُعَيَّنِ، ولا تَتَعَلَّقُ بِها مَسْألَةُ وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ في الذَّكاةِ، ولا كَوْنِها شَرْطًا أوْ غَيْرَ شَرْطٍ بَلْهَ حُكْمَ نِسْيانِها، وإنْ جَعْلَنا هَذا المَقْصِدَ بِمَنزِلَةِ سَبَبٍ لِلنُّزُولِ، واعْتَدَدْنا بِالمَوْصُولِ صادِقًا عَلى كُلِّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ كانَتِ الآيَةُ مِنَ العامِّ

صفحة ٤٠
الوارِدِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فَلا يُخَصُّ بِصُورَةِ السَّبَبِ، وإلى هَذا الِاعْتِبارِ مالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ المُخْتَلِفِينَ في حُكْمِ التَّسْمِيَةِ عَلى الذَّبِيحَةِ.
وهِيَ مَسْألَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ الفُقَهاءِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُسْلِمَ إنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلى الذَّبْحِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ اسْتِخْفافًا أوْ تَجَنُّبًا لَها لَمْ تُؤْكَلْ، وهَذا مِثْلُ ما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الزُّنُوجِ مِنَ المُسْلِمِينَ في تُونِسَ وبَعْضِ بِلادِ الإسْلامِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَمْتَلِكُهم، فَيَتَفادُونَ مِن أضْرارِها بِقَرابِينَ يَذْبَحُونَها لِلْجِنِّ ولا يُسَمُّونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها؛ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ تَنْفِرُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى خِيفَةً مِنهُ، وهَذا مُتَفَشٍّ بَيْنَهم في تُونِسَ ومِصْرَ فَهَذِهِ ذَبِيحَةٌ لا تُؤْكَلُ.

ومُسْتَنَدُ هَؤُلاءِ ظاهِرُ الآيَةِ مَعَ تَخْصِيصِها أوْ تَقْيِيدِها بِغَيْرِ النِّسْيانِ، إعْمالًا لِقاعِدَةِ رَفْعِ حُكْمِ النِّسْيانِ عَنِ النّاسِ، وإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لا لِقَصْدِ اسْتِخْفافٍ أوْ تَجَنُّبٍ ولَكِنَّهُ تَثاقَلَ عَنْها، فَقالَ مالِكٌ، في المَشْهُورِ، وأبُو حَنِيفَةَ، وجَماعَةٌ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ: لا تُؤَكَلُ، ولا شَكَّ أنَّ الجَهْلَ كالنِّسْيانِ، ولَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِالأخْذِ بِالأحْوَطِ في احْتِمالِ الآيَةِ اقْتِصارًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ دُونَ مَعُونَةِ السِّياقِ. الثّانِي: قالَ الشّافِعِيُّ، وجَماعَةٌ، ومالِكٌ، في رِوايَةٍ عَنْهُ: تُؤْكَلُ، وعِنْدِي أنَّ دَلِيلَ هَذا القَوْلِ أنَّ التَّسْمِيَةَ تَكْمِلَةٌ لِلْقُرْبَةِ، والذَّكاةُ بَعْضُها قُرْبَةٌ وبَعْضُها لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ، ولا يَبْلُغُ حُكْمُ التَّسْمِيَةِ أنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِلْإباحَةِ.

وفِي الكَشّافِ أنَّهم تَأوَّلُوا ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ المَيْتَةُ خاصَّةً، وبِما ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ العَرَبِيِّ، عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ: ذِكْرُ اللَّهِ إنَّما شُرِعَ في القُرَبِ، والذَّبْحِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وظاهِرٌ أنَّ العامِدَ آثِمٌ وأنَّ المُسْتَخِفَّ أشَدُّ إثْمًا، وأمّا تَعَمُّدُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ لِأجْلِ إرْضاءِ غَيْرِ اللَّهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَن سَمّى لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا يُكْرَهُ أكْلُها، قالَهُ أبُو الحَسَنِ بْنُ القَصّارِ، وأبُو بَكْرٍ الأبْهَرِيُّ مِنَ المالِكِيَّةِ، ولا يُعَدُّ هَذا خِلافًا، ولَكِنَّهُ بَيانٌ لِقَوْلِ مالِكٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، وقالَ أشْهَبُ،

صفحة ٤١
والطَّبَرِيُّ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، إذا لَمْ يَتْرُكْها مُسْتَخِفًّا.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ سِيرِينَ، ونافِعٌ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وداوُدُ: لا تُؤَكَلُ إذا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْها عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، أخْذًا بِظاهِرِ الآيَةِ، دُونَ تَأمُّلٍ في المَقْصِدِ والسِّياقِ. وأرْجَحُ الأقْوالِ: هو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، والرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ مالِكٍ، إنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ تُؤْكَلُ، وأنَّ الآيَةَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها إلّا تَحْرِيمُ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ بِالقَرائِنِ الكَثِيرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا، وقَدْ يَكُونُ تارِكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا آثِمًا، إلّا أنَّ إثْمَهُ لا يُبْطِلُ ذَكاتَهُ كالصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ عِنْدَ غَيْرِ أحْمَدَ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ في جَوازِهِ، وهو الحَقُّ، لا سِيَّما إذا كانَ العَطْفُ بِالواوِ، وقَدْ أجازَ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ بِالواوِ بَعْضُ مَن مَنَعَهُ بِغَيْرِ الواوِ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما في مُغَنِي اللَّبِيبِ. وقَدْ جَعَلَها الرّازِيُّ وجَماعَةٌ: حالًا ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ بِناءً عَلى مَنعِ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعُودُ عَلى ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ . والإخْبارُ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ وهو فِسْقٌ مُبالَغَةٌ في وصْفِ الفِعْلِ، وهو ذِكْرُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ بِالفِسْقِ حَتّى تَجاوَزَ الفِسْقُ صِفَةَ الفِعْلِ أنْ صارَ صِفَةَ المَفْعُولِ، فَهو مِنَ المَصْدَرِ المُرادِ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهَذا نَظِيرُ جَعْلِهِ فِسْقًا في قَوْلِهِ بَعْدُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١٤٥] .

والتَّأْكِيدُ بِإنَّ: لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وجَعَلَ في الكَشّافِ الضَّمِيرَ عائِدًا إلى الأكْلِ المَأْخُوذِ مِن لا تَأْكُلُوا أيْ: وإنَّ أكْلَهُ لَفِسْقٌ.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: واحْذَرُوا جَدَلَ أوْلِياءِ الشَّياطِينِ في ذَلِكَ، والمُرادُ

صفحة ٤٢
بِأوْلِياءِ الشَّياطِينِ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ، فِيما مَرَّ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ١١٢] وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
والمُجادَلَةُ المُنازَعَةُ بِالقَوْلِ لِلْإقْناعِ بِالرَّأْيِ، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ هُنا المُجادَلَةُ في إبْطالِ أحْكامِ الإسْلامِ وتَحْبِيبِ الكُفْرِ وشَعائِرِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: كَيْفَ نَأْكُلُ ما نَقْتُلُ بِأيْدِينا ولا نَأْكُلُ ما قَتَلَهُ اللَّهُ.

وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ حُذِفَ مُتَعَلَّقُ (أطَعْتُمُوهم) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ أطَعْتُمُوهم فِيما يُجادِلُونَكم فِيهِ، وهو الطَّعْنُ في الإسْلامِ، والشَّكُّ في صِحَّةِ أحْكامِهِ. وجُمْلَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جَوابُ الشَّرْطِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنْ لِتَحْقِيقِ التِحاقِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ إذا أطاعُوا الشَّياطِينَ، وإنْ لَمْ يَدْعُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ لِأنَّ تَخْطِئَةَ أحْكامِ الإسْلامِ تُساوِي الشِّرْكَ، فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إلى التَّأْكِيدِ، أوْ أرادَ: إنَّكم لَصائِرُونَ إلى الشِّرْكِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ تَسْتَدْرِجُكم بِالمُجادَلَةِ حَتّى يَبْلُغُوا بِكم إلى الشِّرْكِ، فَيَكُونُ اسْمُ الفاعِلِ مُرادًا بِهِ الِاسْتِقْبالُ.

ولَيْسَ المَعْنى: إنْ أطَعْتُمُوهم في الإشْراكِ بِاللَّهِ فَأشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ إنَّكم لَمُشْرِكُونَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ سَبَبٌ، بَلْ ولا لِلْإخْبارِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ فائِدَةٌ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جَوابُ الشَّرْطِ، ولَمْ يَقْتَرِنْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ مُضافًا يَحْسُنُ في جَوابِهِ التَّجْرِيدُ عَنِ الفاءِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ العُكْبَرِيُّ، وتَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الشَّرْطِ الماضِي في جَزائِهِ ضَعِيفٌ، فَكَما جازَ رَفْعُ الجَزاءِ وهو مُضارِعٌ، إذا كانَ شَرْطُهُ ماضِيًا، كَذَلِكَ جازَ كَوْنُهُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً غَيْرَ مُقْتَرِنَةٍ بِالفاءِ، عَلى أنَّ كَثِيرًا مِن مُحَقِّقِي النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُ حَذْفَ فاءِ الجَوابِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ، فَقَدْ أجازَهُ المُبَرِّدُ وابْنُ مالِكٍ

صفحة ٤٣
فِي شَرْحِهِ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ، وجَعَلَ مِنهُ قَوْلَهُ ﷺ: «إنَّكَ إنْ تَدَعْ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً» عَلى رِوايَةِ (إنْ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ دُونَ رِوايَةِ فَتْحِ الهَمْزَةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:121