All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

Al-Anbiyāʾ 21:87 Juzʾ 17 Page 329

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention] the man of the fish, when he went off in anger and thought that We would not decree [anything] upon him. And he called out within the darknesses, "There is no deity except You; exalted are You. Indeed, I have been of the wrongdoers."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: يُونُسَ بْنَ مَتّى. والنُّونُ: السَّمَكَةُ، أُضِيفَ إلَيْها لِابْتِلاعِها إيّاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُغاضَبَةُ: مُفاعَلَةٌ، وأكْثَرُ المُفاعَلَةِ مِنِ اثْنَيْنِ، كالمُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ والمُخاصَمَةِ، ورُبَّما تَكُونُ مِن واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: سافَرْتُ وشارَفْتُ الأمْرَ، وهي هاهُنا مِن هَذا البابِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( مُغْضَبًا ) بِإسْكانِ الغَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

واخْتَلَفُوا في مُغاضَبَتِهِ لِمَن كانَتْ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. وفي سَبَبِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيٍّ يُقالُ لَهُ: شَعْيا: أنِ ائْتِ فُلانًا المَلِكَ، فَقُلْ لَهُ: يَبْعَثُ نَبِيًّا أمِينًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قَدْ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ مَلِكٌ وسَبى مِنهُمُ الكَثِيرَ، فَأرادَ النَّبِيُّ والمَلِكُ أنْ يَبْعَثا يُونُسَ إلى ذَلِكَ المَلِكِ لِيُكَلِّمَهُ حَتّى يُرْسِلَهم، فَقالَ يُونُسُ لِشَعْيا: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ بِإخْراجِي ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهَلْ سَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهاهُنا غَيْرِي مِنَ الأنْبِياءِ، فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا لِلنَّبِيِّ والمَلِكِ ولِقَوْمِهِ، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ زِدْناهُ شَرْحًا في ( يُونُسَ: ٩٨ ) . والثّانِي: أنَّهُ عانى مِن قَوْمِهِ أمْرًا صَعْبًا مِنَ الأذى والتَّكْذِيبِ، فَخَرَجَ عَنْهم قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا ضَجَرًا، وما ظَنَّ أنَّ هَذا الفِعْلَ يُوجِبُ عَلَيْهِ ما جَرى مِنَ العُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا حُمِلَتْ عَلَيْهِ أثْقالُ النُّبُوَّةِ، ضاقَ بِها ذَرْعًا ولَمْ يَصْبِرْ، (p-٣٨٢)فَقَذَفَها مِن يَدِهِ وخَرَجَ هارِبًا. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا أوْعَدَهُمُ العَذابَ فَتابُوا ورِفِعَ عَنْهم، قِيلَ لَهُ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَقالَ: كَيْفَ أرْجِعُ فَيَجِدُونِي كاذِبًا ؟ فانْصَرَفَ مُغاضِبًا لِقَوْمِهِ عاتِبًا عَلى رَبِّهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في ( يُونُسَ: ٩٨ ) .

والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ، وعُرْوَةُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: المَعْنى: مُغاضِبًا مِن أجْلِ رَبِّهِ، وإنَّما غَضِبَ لِأجْلِ تَمَرُّدِهِمْ وعِصْيانِهِمْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَ مَغِيظًا عَلَيْهِمْ لِطُولِ ما عاناهُ مِن تَكْذِيبِهِمْ، مُشْتَهِيًا أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ، فَعاقَبَهُ اللَّهُ عَلى كَراهِيَتِهِ العَفْوَ عَنْ قَوْمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( يُقَدَّرَ ) بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وفَتْحِها. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي لَيْلى: ( يُقْدَرَ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ مَعَ سُكُونِ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وفَتْحِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَقْدِرَ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( نُقَدِّرَ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِها. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُقَدِّرَ عَلَيْهِ ما قَدَّرْنا مِنَ العُقُوبَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدَرَ بِمَعْنى: قَدَّرَ، قالَ أبُو صَخْرٍ:

؎ ولا عائِدًا ذاكَ الزَّمانُ الَّذِي مَضى تَبارَكْتَ ما تَقْدِرْ يَكُنْ ولَكَ الشُّكْرُ

أرادَ: ما تُقَدِّرْ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ. (p-٣٨٣)

والثّانِي: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: فُلانٌ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ، ومُقَتَّرٌ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [ الفَجْرَ: ١٦ ]؛ أيْ: ضَيَّقَ عَلَيْهِ فِيهِ. قالَ النِّقاشُ: والمَعْنى: فَظَنَّ أنْ لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ الخُرُوجَ، فَكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّ اللَّهَ قَدْ وسَّعَ لَهُ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَ، وإنْ شاءَ أنْ يَخْرُجَ، ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في الخُرُوجِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: فَظَنَّ أنَّهُ يُعْجِزُ رَبَّهُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ! رَواهُ عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: المَعْنى: أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؛ فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ اسْتِفْهامًا قَدْ حُذِفَتْ ألِفُهُ، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ، ولا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ، ولا أعْلَمَ لَهُ وجْهًا إلّا أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ، تَقْدِيرُهُ: ما ظَنَّ عَجْزَنا، فَأيْنَ يَهْرُبُ مِنّا ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها ظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّ حُوتًا جاءَ فابْتَلَعَ الحُوتَ الَّذِي هو في بَطْنِهِ، فَنادى في ظُلْمَةِ حُوتٍ، ثُمَّ في ظُلْمَةِ حُوتٍ، ثُمَّ في ظُلْمَةِ البَحْرِ، قالَهُ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ.

والثّالِثُ: أنَّها ظُلْمَةُ الماءِ، وظُلْمَةُ مِعى السَّمَكَةِ، وظُلْمَةُ بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها مَكْرُوبٌ إلّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ، كَلِمَةَ أخِي يُونُسَ: فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ "» . قالَ الحَسَنُ: وهَذا اعْتِرافٌ [ مِن ] يُونُسَ بِذَنْبِهِ وتَوْبَةٌ مِن خَطِيئَتِهِ. (p-٣٨٤)

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: أجَبْناهُ، ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: مِنَ الظُّلُماتِ، ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إذا دَعُونا. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ( نُجِّي المُؤْمِنِينَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةِ الجِيمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَحْنٌ لا وجْهَ لَهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: غَلِطَ الرّاوِي عَنْ عاصِمٍ، ويَدُلُّ عَلى هَذا إسْكانُهُ الياءَ مِن ( نُجِّي ) ونَصْبُ ( المُؤْمِنِينَ )، ولَوْ كانَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ما سَكَّنَ الياءَ، ولَرَفَعَ ( المُؤْمِنِينَ ) .

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So We responded to him and saved him from the distress. And thus do We save the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: يُونُسَ بْنَ مَتّى. والنُّونُ: السَّمَكَةُ، أُضِيفَ إلَيْها لِابْتِلاعِها إيّاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُغاضَبَةُ: مُفاعَلَةٌ، وأكْثَرُ المُفاعَلَةِ مِنِ اثْنَيْنِ، كالمُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ والمُخاصَمَةِ، ورُبَّما تَكُونُ مِن واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: سافَرْتُ وشارَفْتُ الأمْرَ، وهي هاهُنا مِن هَذا البابِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( مُغْضَبًا ) بِإسْكانِ الغَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

واخْتَلَفُوا في مُغاضَبَتِهِ لِمَن كانَتْ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ غَضِبَ عَلى قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. وفي سَبَبِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نَبِيٍّ يُقالُ لَهُ: شَعْيا: أنِ ائْتِ فُلانًا المَلِكَ، فَقُلْ لَهُ: يَبْعَثُ نَبِيًّا أمِينًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قَدْ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ مَلِكٌ وسَبى مِنهُمُ الكَثِيرَ، فَأرادَ النَّبِيُّ والمَلِكُ أنْ يَبْعَثا يُونُسَ إلى ذَلِكَ المَلِكِ لِيُكَلِّمَهُ حَتّى يُرْسِلَهم، فَقالَ يُونُسُ لِشَعْيا: هَلْ أمَرَكَ اللَّهُ بِإخْراجِي ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهَلْ سَمّانِي لَكَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهاهُنا غَيْرِي مِنَ الأنْبِياءِ، فَألَحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ مُغاضِبًا لِلنَّبِيِّ والمَلِكِ ولِقَوْمِهِ، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ زِدْناهُ شَرْحًا في ( يُونُسَ: ٩٨ ) . والثّانِي: أنَّهُ عانى مِن قَوْمِهِ أمْرًا صَعْبًا مِنَ الأذى والتَّكْذِيبِ، فَخَرَجَ عَنْهم قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا ضَجَرًا، وما ظَنَّ أنَّ هَذا الفِعْلَ يُوجِبُ عَلَيْهِ ما جَرى مِنَ العُقُوبَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا حُمِلَتْ عَلَيْهِ أثْقالُ النُّبُوَّةِ، ضاقَ بِها ذَرْعًا ولَمْ يَصْبِرْ، (p-٣٨٢)فَقَذَفَها مِن يَدِهِ وخَرَجَ هارِبًا. والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا أوْعَدَهُمُ العَذابَ فَتابُوا ورِفِعَ عَنْهم، قِيلَ لَهُ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَقالَ: كَيْفَ أرْجِعُ فَيَجِدُونِي كاذِبًا ؟ فانْصَرَفَ مُغاضِبًا لِقَوْمِهِ عاتِبًا عَلى رَبِّهِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في ( يُونُسَ: ٩٨ ) .

والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيُّ، وعُرْوَةُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: المَعْنى: مُغاضِبًا مِن أجْلِ رَبِّهِ، وإنَّما غَضِبَ لِأجْلِ تَمَرُّدِهِمْ وعِصْيانِهِمْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَ مَغِيظًا عَلَيْهِمْ لِطُولِ ما عاناهُ مِن تَكْذِيبِهِمْ، مُشْتَهِيًا أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِهِمْ، فَعاقَبَهُ اللَّهُ عَلى كَراهِيَتِهِ العَفْوَ عَنْ قَوْمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقَرَأ يَعْقُوبُ: ( يُقَدَّرَ ) بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وفَتْحِها. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي لَيْلى: ( يُقْدَرَ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ مَعَ سُكُونِ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وفَتْحِها. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَقْدِرَ ) بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وسُكُونِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ خَفِيفَةً. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: ( نُقَدِّرَ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الدّالِ وتَشْدِيدِها. ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنْ لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآيَةِ: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُقَدِّرَ عَلَيْهِ ما قَدَّرْنا مِنَ العُقُوبَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدَرَ بِمَعْنى: قَدَّرَ، قالَ أبُو صَخْرٍ:

؎ ولا عائِدًا ذاكَ الزَّمانُ الَّذِي مَضى تَبارَكْتَ ما تَقْدِرْ يَكُنْ ولَكَ الشُّكْرُ

أرادَ: ما تُقَدِّرْ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ. (p-٣٨٣)

والثّانِي: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، قالَهُ عَطاءٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: فُلانٌ مُقَدَّرٌ عَلَيْهِ، ومُقَتَّرٌ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [ الفَجْرَ: ١٦ ]؛ أيْ: ضَيَّقَ عَلَيْهِ فِيهِ. قالَ النِّقاشُ: والمَعْنى: فَظَنَّ أنْ لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ الخُرُوجَ، فَكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّ اللَّهَ قَدْ وسَّعَ لَهُ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَ، وإنْ شاءَ أنْ يَخْرُجَ، ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ في الخُرُوجِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: فَظَنَّ أنَّهُ يُعْجِزُ رَبَّهُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ! رَواهُ عَوْفٌ عَنِ الحَسَنِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: المَعْنى: أفَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؛ فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ اسْتِفْهامًا قَدْ حُذِفَتْ ألِفُهُ، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ، ولا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ، ولا أعْلَمَ لَهُ وجْهًا إلّا أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ، تَقْدِيرُهُ: ما ظَنَّ عَجْزَنا، فَأيْنَ يَهْرُبُ مِنّا ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها ظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ، وظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّ حُوتًا جاءَ فابْتَلَعَ الحُوتَ الَّذِي هو في بَطْنِهِ، فَنادى في ظُلْمَةِ حُوتٍ، ثُمَّ في ظُلْمَةِ حُوتٍ، ثُمَّ في ظُلْمَةِ البَحْرِ، قالَهُ سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ.

والثّالِثُ: أنَّها ظُلْمَةُ الماءِ، وظُلْمَةُ مِعى السَّمَكَةِ، وظُلْمَةُ بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقَدْ رَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنِّي لَأعْلَمُ كَلِمَةً لا يَقُولُها مَكْرُوبٌ إلّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ، كَلِمَةَ أخِي يُونُسَ: فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ "» . قالَ الحَسَنُ: وهَذا اعْتِرافٌ [ مِن ] يُونُسَ بِذَنْبِهِ وتَوْبَةٌ مِن خَطِيئَتِهِ. (p-٣٨٤)

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏؛ أيْ: أجَبْناهُ، ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: مِنَ الظُّلُماتِ، ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إذا دَعُونا. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ( نُجِّي المُؤْمِنِينَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةِ الجِيمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَحْنٌ لا وجْهَ لَهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: غَلِطَ الرّاوِي عَنْ عاصِمٍ، ويَدُلُّ عَلى هَذا إسْكانُهُ الياءَ مِن ( نُجِّي ) ونَصْبُ ( المُؤْمِنِينَ )، ولَوْ كانَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ما سَكَّنَ الياءَ، ولَرَفَعَ ( المُؤْمِنِينَ ) .

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while you are the best of inheritors."

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: وحِيدًا بِلا ولَدٍ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أفْضَلُ مَن بَقِيَ حَيًّا بَعْد مَيِّتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أُصْلِحَتْ لِلْوَلَدِ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَقِيمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ في لِسانِها طُولٌ، وهو البَذاءُ، فَأُصْلِحَتْ، قالَهُ عَطاءٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ سَلِيطَةً فَكُفَّ عَنْهُ لِسانُها. (p-٣٨٥)

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خُلُقُها سَيِّئًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: يُبادِرُونَ في طاعَةِ اللَّهِ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: زَكَرِيّا، وامْرَأتُهُ، ويَحْيى. والثّانِي: جَمِيعُ الأنْبِياءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُونَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَدْعُونا ) بِنُونٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: رَغَبًا في ما عِنْدَنا ورَهَبًا مِنّا. وقَرَأ الأعْمَشُ: ( رُغْبًا ورُهْبًا ) بِضَمِّ الرّاءَيْنِ وجَزْمِ الغَيْنِ والهاءِ، وهُما لُغَتانِ، مِثْلَ: النَّحَلِ والنُّحْلِ، والسَّقَمِ والسُّقْمِ. ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: مُتَواضِعِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَخْرَجُ الوَلَدِ، والمَعْنى: مَنَعَتْهُ مِمّا لا يَحِلُّ. وإنَّما وُصِفَتْ بِالعَفافِ؛ لِأنَّها قُذِفَتْ بِالزِّنا.

والثّانِي: أنَّهُ جَيْبُ دِرْعِها، ومَعْنى الفَرْجِ في اللُّغَةِ: كُلُّ فُرْجَةٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومَوْضِعُ جَيْبِ دِرْعِ المَرْأةِ مَشْقُوقٌ، فَهو يُسَمّى فَرْجًا. وهَذا أبْلَغُ في الثَّناءِ عَلَيْها؛ لِأنَّها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها فَهي لِنَفْسِها أمْنَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: أمَرْنا جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِها، فَأجْرَيْنا فِيها رُوحَ عِيسى كَما تَجْرِي الرِّيحُ بِالنَّفْخِ. وأضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ إضافَةَ المُلْكِ؛ لِلتَّشْرِيفِ والتَّخْصِيصِ. ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا كانَ شَأْنُهُما واحِدًا، كانَتْ (p-٣٨٦)الآيَةُ فِيهِما آيَةً واحِدَةً، وهي وِلادَةٌ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( آيَتَيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأُمَّةِ هاهُنا: الدِّينُ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السلامُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ، فَذَمَّهم بِالِاخْتِلافِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيِ: اخْتَلَفُوا في الدِّينِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الفَرائِضِ وأعْمالِ البِرِّ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا نَجْحَدُ ما عَمِلَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقْبَلُ مِنهُ ويُثابُ عَلَيْهِ. ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ذَلِكَ، نَأْمُرُ الحَفَظَةَ أنْ يَكْتُبُوهُ لِنُجازِيَهُ بِهِ.

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: وحِيدًا بِلا ولَدٍ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أفْضَلُ مَن بَقِيَ حَيًّا بَعْد مَيِّتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أُصْلِحَتْ لِلْوَلَدِ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَقِيمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ في لِسانِها طُولٌ، وهو البَذاءُ، فَأُصْلِحَتْ، قالَهُ عَطاءٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ سَلِيطَةً فَكُفَّ عَنْهُ لِسانُها. (p-٣٨٥)

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خُلُقُها سَيِّئًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: يُبادِرُونَ في طاعَةِ اللَّهِ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: زَكَرِيّا، وامْرَأتُهُ، ويَحْيى. والثّانِي: جَمِيعُ الأنْبِياءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَدْعُونا ) بِنُونٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: رَغَبًا في ما عِنْدَنا ورَهَبًا مِنّا. وقَرَأ الأعْمَشُ: ( رُغْبًا ورُهْبًا ) بِضَمِّ الرّاءَيْنِ وجَزْمِ الغَيْنِ والهاءِ، وهُما لُغَتانِ، مِثْلَ: النَّحَلِ والنُّحْلِ، والسَّقَمِ والسُّقْمِ. ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: مُتَواضِعِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَخْرَجُ الوَلَدِ، والمَعْنى: مَنَعَتْهُ مِمّا لا يَحِلُّ. وإنَّما وُصِفَتْ بِالعَفافِ؛ لِأنَّها قُذِفَتْ بِالزِّنا.

والثّانِي: أنَّهُ جَيْبُ دِرْعِها، ومَعْنى الفَرْجِ في اللُّغَةِ: كُلُّ فُرْجَةٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومَوْضِعُ جَيْبِ دِرْعِ المَرْأةِ مَشْقُوقٌ، فَهو يُسَمّى فَرْجًا. وهَذا أبْلَغُ في الثَّناءِ عَلَيْها؛ لِأنَّها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها فَهي لِنَفْسِها أمْنَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: أمَرْنا جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِها، فَأجْرَيْنا فِيها رُوحَ عِيسى كَما تَجْرِي الرِّيحُ بِالنَّفْخِ. وأضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ إضافَةَ المُلْكِ؛ لِلتَّشْرِيفِ والتَّخْصِيصِ. ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا كانَ شَأْنُهُما واحِدًا، كانَتْ (p-٣٨٦)الآيَةُ فِيهِما آيَةً واحِدَةً، وهي وِلادَةٌ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( آيَتَيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأُمَّةِ هاهُنا: الدِّينُ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السلامُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ، فَذَمَّهم بِالِاخْتِلافِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيِ: اخْتَلَفُوا في الدِّينِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الفَرائِضِ وأعْمالِ البِرِّ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا نَجْحَدُ ما عَمِلَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقْبَلُ مِنهُ ويُثابُ عَلَيْهِ. ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ذَلِكَ، نَأْمُرُ الحَفَظَةَ أنْ يَكْتُبُوهُ لِنُجازِيَهُ بِهِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention] the one who guarded her chastity, so We blew into her [garment] through Our angel [Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: وحِيدًا بِلا ولَدٍ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أفْضَلُ مَن بَقِيَ حَيًّا بَعْد مَيِّتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أُصْلِحَتْ لِلْوَلَدِ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَقِيمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ في لِسانِها طُولٌ، وهو البَذاءُ، فَأُصْلِحَتْ، قالَهُ عَطاءٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ سَلِيطَةً فَكُفَّ عَنْهُ لِسانُها. (p-٣٨٥)

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خُلُقُها سَيِّئًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: يُبادِرُونَ في طاعَةِ اللَّهِ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: زَكَرِيّا، وامْرَأتُهُ، ويَحْيى. والثّانِي: جَمِيعُ الأنْبِياءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُونَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَدْعُونا ) بِنُونٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: رَغَبًا في ما عِنْدَنا ورَهَبًا مِنّا. وقَرَأ الأعْمَشُ: ( رُغْبًا ورُهْبًا ) بِضَمِّ الرّاءَيْنِ وجَزْمِ الغَيْنِ والهاءِ، وهُما لُغَتانِ، مِثْلَ: النَّحَلِ والنُّحْلِ، والسَّقَمِ والسُّقْمِ. ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: مُتَواضِعِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَخْرَجُ الوَلَدِ، والمَعْنى: مَنَعَتْهُ مِمّا لا يَحِلُّ. وإنَّما وُصِفَتْ بِالعَفافِ؛ لِأنَّها قُذِفَتْ بِالزِّنا.

والثّانِي: أنَّهُ جَيْبُ دِرْعِها، ومَعْنى الفَرْجِ في اللُّغَةِ: كُلُّ فُرْجَةٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومَوْضِعُ جَيْبِ دِرْعِ المَرْأةِ مَشْقُوقٌ، فَهو يُسَمّى فَرْجًا. وهَذا أبْلَغُ في الثَّناءِ عَلَيْها؛ لِأنَّها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها فَهي لِنَفْسِها أمْنَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: أمَرْنا جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِها، فَأجْرَيْنا فِيها رُوحَ عِيسى كَما تَجْرِي الرِّيحُ بِالنَّفْخِ. وأضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ إضافَةَ المُلْكِ؛ لِلتَّشْرِيفِ والتَّخْصِيصِ. ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا كانَ شَأْنُهُما واحِدًا، كانَتْ (p-٣٨٦)الآيَةُ فِيهِما آيَةً واحِدَةً، وهي وِلادَةٌ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( آيَتَيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأُمَّةِ هاهُنا: الدِّينُ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السلامُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ، فَذَمَّهم بِالِاخْتِلافِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيِ: اخْتَلَفُوا في الدِّينِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الفَرائِضِ وأعْمالِ البِرِّ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا نَجْحَدُ ما عَمِلَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقْبَلُ مِنهُ ويُثابُ عَلَيْهِ. ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ذَلِكَ، نَأْمُرُ الحَفَظَةَ أنْ يَكْتُبُوهُ لِنُجازِيَهُ بِهِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed this, your religion, is one religion, and I am your Lord, so worship Me.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: وحِيدًا بِلا ولَدٍ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: أفْضَلُ مَن بَقِيَ حَيًّا بَعْد مَيِّتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أُصْلِحَتْ لِلْوَلَدِ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَقِيمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ في لِسانِها طُولٌ، وهو البَذاءُ، فَأُصْلِحَتْ، قالَهُ عَطاءٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ سَلِيطَةً فَكُفَّ عَنْهُ لِسانُها. (p-٣٨٥)

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خُلُقُها سَيِّئًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: يُبادِرُونَ في طاعَةِ اللَّهِ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: زَكَرِيّا، وامْرَأتُهُ، ويَحْيى. والثّانِي: جَمِيعُ الأنْبِياءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُونَنا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَدْعُونا ) بِنُونٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: رَغَبًا في ما عِنْدَنا ورَهَبًا مِنّا. وقَرَأ الأعْمَشُ: ( رُغْبًا ورُهْبًا ) بِضَمِّ الرّاءَيْنِ وجَزْمِ الغَيْنِ والهاءِ، وهُما لُغَتانِ، مِثْلَ: النَّحَلِ والنُّحْلِ، والسَّقَمِ والسُّقْمِ. ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: مُتَواضِعِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَخْرَجُ الوَلَدِ، والمَعْنى: مَنَعَتْهُ مِمّا لا يَحِلُّ. وإنَّما وُصِفَتْ بِالعَفافِ؛ لِأنَّها قُذِفَتْ بِالزِّنا.

والثّانِي: أنَّهُ جَيْبُ دِرْعِها، ومَعْنى الفَرْجِ في اللُّغَةِ: كُلُّ فُرْجَةٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومَوْضِعُ جَيْبِ دِرْعِ المَرْأةِ مَشْقُوقٌ، فَهو يُسَمّى فَرْجًا. وهَذا أبْلَغُ في الثَّناءِ عَلَيْها؛ لِأنَّها إذا مَنَعَتْ جَيْبَ دِرْعِها فَهي لِنَفْسِها أمْنَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ أيْ: أمَرْنا جِبْرِيلَ فَنَفَخَ في دِرْعِها، فَأجْرَيْنا فِيها رُوحَ عِيسى كَما تَجْرِي الرِّيحُ بِالنَّفْخِ. وأضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ إضافَةَ المُلْكِ؛ لِلتَّشْرِيفِ والتَّخْصِيصِ. ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا كانَ شَأْنُهُما واحِدًا، كانَتْ (p-٣٨٦)الآيَةُ فِيهِما آيَةً واحِدَةً، وهي وِلادَةٌ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( آيَتَيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالأُمَّةِ هاهُنا: الدِّينُ. وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السلامُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. ثُمَّ ذَكَرَ أهْلَ الكِتابِ، فَذَمَّهم بِالِاخْتِلافِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيِ: اخْتَلَفُوا في الدِّينِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الفَرائِضِ وأعْمالِ البِرِّ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: لا نَجْحَدُ ما عَمِلَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ يُقْبَلُ مِنهُ ويُثابُ عَلَيْهِ. ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ذَلِكَ، نَأْمُرُ الحَفَظَةَ أنْ يَكْتُبُوهُ لِنُجازِيَهُ بِهِ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And [yet] they divided their affair among themselves, [but] all to Us will return.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وحَرامٌ ) بِألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٣٨٧)وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حِرْمٌ وحَرامٌ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( حَرْمٌ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والمِيمُ مَرْفُوعَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( وحَرْمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( وحَرُمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ ونَصْبِ المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَرامٌ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: واجِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنْشَدُوا في مَعْناهُ:

؎ فَإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو

أيْ: واجِبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى العَزْمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ عَطاءٌ: حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَتُوبُونَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: واجِبٌ عَلَيْها أنَّها إذا أُهْلِكَتْ لا تَرْجِعُ إلى دُنْياها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ. (p-٣٨٨)

والثّالِثُ: أنَّ " لا " زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكُفّارِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ؛ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَحْرُمَ عَلى الإنْسانِ ما لَيْسَ مِن فِعْلِهِ، ورُجُوعُهم بَعْدَ المَوْتِ لَيْسَ إلَيْهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: مُنِعُوا مِن ذَلِكَ كَما يُمْنَعُ الإنْسانُ مِنَ الحَرامِ وإنَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَنعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( فُتِّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: فُتِحَ الرَّدْمُ عَنْهم. ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ وأكَمَةٍ، ﴿يَنْسِلُونَ﴾ مِنَ النَّسَلانِ، وهو مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، كَمَشْيِ الذِّئْبِ إذا بادَرَ، والعَسَلانُ مِثْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٣٨٩)الحَدَبُ: كُلُّ أكَمَةٍ، و﴿يَنْسِلُونَ﴾: يُسْرِعُونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَنْسُلُونَ ) بِضَمِّ السِّينِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُمْ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: إلى جَمِيعِ النّاسِ، فالمَعْنى: وهم يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والأوَّلُ أصَحُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿حَتّى﴾ ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ﴾ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ: ومِثْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [ الزَّمْر: ٧٣ ]، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿وَنادَيْناهُ﴾ [ الصّافّات: ١٠٣، ١٠٤ ]، المَعْنى: نادَيْنا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: السّاعَةُ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، كالحامِلِ المُتِمِّ، لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَؤُهم بِوَلَدِها، لَيْلًا أوْ نَهارًا.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَنا﴾، فالمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ، قالُوا: يا ويْلَنا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. فَأمّا ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَهو القِيامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏، في " هي " أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ الأبْصارِ، والأبْصارُ تَفْسِيرٌ لَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ

فَذَكَرَ الظَّعِينَةَ، وقَدْ كَنّى عَنْها في ( لَعَمْرُو أبِيها ) . (p-٣٩٠)

والثّانِي: أنَّ " هي " [ ضَمِيرُ فَصْلٍ ] وعِمادٌ، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها " هو "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ﴾ [ النَّمْل: ٩ ]، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الحَجّ: ٤٦ ]، وأنْشَدُوا:

؎ بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما هاهُنا رَأْسُ

ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " هي " عَلى مَعْنى: فَإذا هي بارِزَةٌ واقِفَةٌ، يَعْنِي: مِن قُرْبِها، كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿شاخِصَةٌ﴾، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ القِصَّةِ، والمَعْنى: القِصَّةُ أنَّ أبْصارَهم شاخِصَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: تَشْخَصُ أبْصارُ الكُفّارِ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا، ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: عَنْ هَذا، ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أنْفُسَنا بِكُفْرِنا ومَعاصِينا. ثُمَّ خاطَبَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، " حَصَبُ جَهَنَّمَ " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( حَطَبُ ) بِالطّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ. وقَرَأ عُرْوَةُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( حَضْبُ جَهَنَّمَ ) بِإسْكانِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو حَيَوَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( حِضْبُ ) بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ تَسْكِينِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، (p-٣٩١)وَأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( حَصْبُ ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فَمَعْناهُ: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ فِيها، ومَن قَرَأ: ( حَطَبُ ) فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ. ومَن قَرَأ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتَذْكى بِهِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَصَبُ: ما أُلْقِيَ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو الحَصى، يُقالُ: حَصَبْتُ فُلانًا: إذا رَمَيْتَهُ حَصْبًا، بِتَسْكِينِ الصّادِ، وما رَمَيْتَ بِهِ فَهو حَصَبٌ، بِفَتْحِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ﴾ يَعْنِي: العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: داخِلُونَ. ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿آلِهَةٌ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، والمَعْنى: لَوْ كانُوا آلِهَةً ما دَخَلُوا النّارَ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى عابِدِيها، فالمَعْنى: لَوْ كانَتِ الأصْنامُ آلِهَةً، مَنَعَتْ عابِدِيها دُخُولَ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الآلِهَةِ وعابِدِيها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: العابِدَ والمَعْبُودَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الزَّفِيرِ في ( هُودٍ: ١٠٦ ) . وفي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ يُوضَعُ في مَسامِعِهِمْ مَسامِيرُ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، رَواهُ أبُو أمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ، (p-٣٩٢)ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخْرى، فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، ولا يَرى أحَدُهم أنَّ في النّارِ أحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرَهُ.

والثّانِي: أنَّ السَّماعَ أُنْسٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يُؤْنِسَهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عُمارَةَ.

والثّالِثُ: إنَّما لَمْ يَسْمَعُوا لِشِدَّةِ غَلَيانِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort, and indeed We, of it, are recorders.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وحَرامٌ ) بِألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٣٨٧)وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حِرْمٌ وحَرامٌ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( حَرْمٌ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والمِيمُ مَرْفُوعَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( وحَرْمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( وحَرُمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ ونَصْبِ المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَرامٌ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: واجِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنْشَدُوا في مَعْناهُ:

؎ فَإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو

أيْ: واجِبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى العَزْمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ عَطاءٌ: حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَتُوبُونَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: واجِبٌ عَلَيْها أنَّها إذا أُهْلِكَتْ لا تَرْجِعُ إلى دُنْياها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ. (p-٣٨٨)

والثّالِثُ: أنَّ " لا " زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكُفّارِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ؛ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَحْرُمَ عَلى الإنْسانِ ما لَيْسَ مِن فِعْلِهِ، ورُجُوعُهم بَعْدَ المَوْتِ لَيْسَ إلَيْهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: مُنِعُوا مِن ذَلِكَ كَما يُمْنَعُ الإنْسانُ مِنَ الحَرامِ وإنَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَنعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( فُتِّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: فُتِحَ الرَّدْمُ عَنْهم. ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ وأكَمَةٍ، ﴿يَنْسِلُونَ﴾ مِنَ النَّسَلانِ، وهو مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، كَمَشْيِ الذِّئْبِ إذا بادَرَ، والعَسَلانُ مِثْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٣٨٩)الحَدَبُ: كُلُّ أكَمَةٍ، و﴿يَنْسِلُونَ﴾: يُسْرِعُونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَنْسُلُونَ ) بِضَمِّ السِّينِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُمْ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: إلى جَمِيعِ النّاسِ، فالمَعْنى: وهم يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والأوَّلُ أصَحُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿حَتّى﴾ ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ﴾ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ: ومِثْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [ الزَّمْر: ٧٣ ]، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿وَنادَيْناهُ﴾ [ الصّافّات: ١٠٣، ١٠٤ ]، المَعْنى: نادَيْنا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: السّاعَةُ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، كالحامِلِ المُتِمِّ، لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَؤُهم بِوَلَدِها، لَيْلًا أوْ نَهارًا.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَنا﴾، فالمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ، قالُوا: يا ويْلَنا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. فَأمّا ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَهو القِيامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏، في " هي " أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ الأبْصارِ، والأبْصارُ تَفْسِيرٌ لَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ

فَذَكَرَ الظَّعِينَةَ، وقَدْ كَنّى عَنْها في ( لَعَمْرُو أبِيها ) . (p-٣٩٠)

والثّانِي: أنَّ " هي " [ ضَمِيرُ فَصْلٍ ] وعِمادٌ، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها " هو "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ﴾ [ النَّمْل: ٩ ]، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الحَجّ: ٤٦ ]، وأنْشَدُوا:

؎ بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما هاهُنا رَأْسُ

ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " هي " عَلى مَعْنى: فَإذا هي بارِزَةٌ واقِفَةٌ، يَعْنِي: مِن قُرْبِها، كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿شاخِصَةٌ﴾، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ القِصَّةِ، والمَعْنى: القِصَّةُ أنَّ أبْصارَهم شاخِصَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: تَشْخَصُ أبْصارُ الكُفّارِ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا، ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: عَنْ هَذا، ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أنْفُسَنا بِكُفْرِنا ومَعاصِينا. ثُمَّ خاطَبَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، " حَصَبُ جَهَنَّمَ " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( حَطَبُ ) بِالطّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ. وقَرَأ عُرْوَةُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( حَضْبُ جَهَنَّمَ ) بِإسْكانِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو حَيَوَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( حِضْبُ ) بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ تَسْكِينِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، (p-٣٩١)وَأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( حَصْبُ ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فَمَعْناهُ: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ فِيها، ومَن قَرَأ: ( حَطَبُ ) فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ. ومَن قَرَأ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتَذْكى بِهِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَصَبُ: ما أُلْقِيَ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو الحَصى، يُقالُ: حَصَبْتُ فُلانًا: إذا رَمَيْتَهُ حَصْبًا، بِتَسْكِينِ الصّادِ، وما رَمَيْتَ بِهِ فَهو حَصَبٌ، بِفَتْحِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ﴾ يَعْنِي: العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: داخِلُونَ. ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿آلِهَةٌ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، والمَعْنى: لَوْ كانُوا آلِهَةً ما دَخَلُوا النّارَ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى عابِدِيها، فالمَعْنى: لَوْ كانَتِ الأصْنامُ آلِهَةً، مَنَعَتْ عابِدِيها دُخُولَ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الآلِهَةِ وعابِدِيها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: العابِدَ والمَعْبُودَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الزَّفِيرِ في ( هُودٍ: ١٠٦ ) . وفي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ يُوضَعُ في مَسامِعِهِمْ مَسامِيرُ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، رَواهُ أبُو أمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ، (p-٣٩٢)ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخْرى، فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، ولا يَرى أحَدُهم أنَّ في النّارِ أحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرَهُ.

والثّانِي: أنَّ السَّماعَ أُنْسٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يُؤْنِسَهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عُمارَةَ.

والثّالِثُ: إنَّما لَمْ يَسْمَعُوا لِشِدَّةِ غَلَيانِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And there is prohibition upon [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وحَرامٌ ) بِألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٣٨٧)وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حِرْمٌ وحَرامٌ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( حَرْمٌ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والمِيمُ مَرْفُوعَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( وحَرْمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( وحَرُمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ ونَصْبِ المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: واجِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنْشَدُوا في مَعْناهُ:

؎ فَإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو

أيْ: واجِبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى العَزْمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ عَطاءٌ: حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَتُوبُونَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: واجِبٌ عَلَيْها أنَّها إذا أُهْلِكَتْ لا تَرْجِعُ إلى دُنْياها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ. (p-٣٨٨)

والثّالِثُ: أنَّ " لا " زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكُفّارِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ؛ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَحْرُمَ عَلى الإنْسانِ ما لَيْسَ مِن فِعْلِهِ، ورُجُوعُهم بَعْدَ المَوْتِ لَيْسَ إلَيْهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: مُنِعُوا مِن ذَلِكَ كَما يُمْنَعُ الإنْسانُ مِنَ الحَرامِ وإنَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَنعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( فُتِّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: فُتِحَ الرَّدْمُ عَنْهم. ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ وأكَمَةٍ، ﴿يَنْسِلُونَ﴾ مِنَ النَّسَلانِ، وهو مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، كَمَشْيِ الذِّئْبِ إذا بادَرَ، والعَسَلانُ مِثْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٣٨٩)الحَدَبُ: كُلُّ أكَمَةٍ، و﴿يَنْسِلُونَ﴾: يُسْرِعُونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَنْسُلُونَ ) بِضَمِّ السِّينِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُمْ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: إلى جَمِيعِ النّاسِ، فالمَعْنى: وهم يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والأوَّلُ أصَحُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿حَتّى﴾ ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ﴾ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ: ومِثْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [ الزَّمْر: ٧٣ ]، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿وَنادَيْناهُ﴾ [ الصّافّات: ١٠٣، ١٠٤ ]، المَعْنى: نادَيْنا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: السّاعَةُ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، كالحامِلِ المُتِمِّ، لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَؤُهم بِوَلَدِها، لَيْلًا أوْ نَهارًا.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَنا﴾، فالمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ، قالُوا: يا ويْلَنا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. فَأمّا ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَهو القِيامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏، في " هي " أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ الأبْصارِ، والأبْصارُ تَفْسِيرٌ لَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ

فَذَكَرَ الظَّعِينَةَ، وقَدْ كَنّى عَنْها في ( لَعَمْرُو أبِيها ) . (p-٣٩٠)

والثّانِي: أنَّ " هي " [ ضَمِيرُ فَصْلٍ ] وعِمادٌ، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها " هو "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ﴾ [ النَّمْل: ٩ ]، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الحَجّ: ٤٦ ]، وأنْشَدُوا:

؎ بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما هاهُنا رَأْسُ

ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " هي " عَلى مَعْنى: فَإذا هي بارِزَةٌ واقِفَةٌ، يَعْنِي: مِن قُرْبِها، كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿شاخِصَةٌ﴾، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ القِصَّةِ، والمَعْنى: القِصَّةُ أنَّ أبْصارَهم شاخِصَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: تَشْخَصُ أبْصارُ الكُفّارِ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا، ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: عَنْ هَذا، ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أنْفُسَنا بِكُفْرِنا ومَعاصِينا. ثُمَّ خاطَبَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، " حَصَبُ جَهَنَّمَ " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( حَطَبُ ) بِالطّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ. وقَرَأ عُرْوَةُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( حَضْبُ جَهَنَّمَ ) بِإسْكانِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو حَيَوَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( حِضْبُ ) بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ تَسْكِينِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، (p-٣٩١)وَأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( حَصْبُ ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فَمَعْناهُ: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ فِيها، ومَن قَرَأ: ( حَطَبُ ) فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ. ومَن قَرَأ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتَذْكى بِهِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَصَبُ: ما أُلْقِيَ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو الحَصى، يُقالُ: حَصَبْتُ فُلانًا: إذا رَمَيْتَهُ حَصْبًا، بِتَسْكِينِ الصّادِ، وما رَمَيْتَ بِهِ فَهو حَصَبٌ، بِفَتْحِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ﴾ يَعْنِي: العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: داخِلُونَ. ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿آلِهَةٌ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، والمَعْنى: لَوْ كانُوا آلِهَةً ما دَخَلُوا النّارَ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى عابِدِيها، فالمَعْنى: لَوْ كانَتِ الأصْنامُ آلِهَةً، مَنَعَتْ عابِدِيها دُخُولَ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الآلِهَةِ وعابِدِيها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: العابِدَ والمَعْبُودَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الزَّفِيرِ في ( هُودٍ: ١٠٦ ) . وفي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ يُوضَعُ في مَسامِعِهِمْ مَسامِيرُ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، رَواهُ أبُو أمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ، (p-٣٩٢)ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخْرى، فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، ولا يَرى أحَدُهم أنَّ في النّارِ أحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرَهُ.

والثّانِي: أنَّ السَّماعَ أُنْسٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يُؤْنِسَهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عُمارَةَ.

والثّالِثُ: إنَّما لَمْ يَسْمَعُوا لِشِدَّةِ غَلَيانِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وحَرامٌ ) بِألِفٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، (p-٣٨٧)وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حِرْمٌ وحَرامٌ. وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( حَرْمٌ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والمِيمُ مَرْفُوعَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( وحَرْمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( وحَرُمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ ونَصْبِ المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَرامٌ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: واجِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنْشَدُوا في مَعْناهُ:

؎ فَإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو

أيْ: واجِبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى العَزْمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ عَطاءٌ: حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَتُوبُونَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: واجِبٌ عَلَيْها أنَّها إذا أُهْلِكَتْ لا تَرْجِعُ إلى دُنْياها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ. (p-٣٨٨)

والثّالِثُ: أنَّ " لا " زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكُفّارِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ؛ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَحْرُمَ عَلى الإنْسانِ ما لَيْسَ مِن فِعْلِهِ، ورُجُوعُهم بَعْدَ المَوْتِ لَيْسَ إلَيْهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: مُنِعُوا مِن ذَلِكَ كَما يُمْنَعُ الإنْسانُ مِنَ الحَرامِ وإنَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَنعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( فُتِّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: فُتِحَ الرَّدْمُ عَنْهم. ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ وأكَمَةٍ، ‏‏‏‏‏‏ مِنَ النَّسَلانِ، وهو مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، كَمَشْيِ الذِّئْبِ إذا بادَرَ، والعَسَلانُ مِثْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٣٨٩)الحَدَبُ: كُلُّ أكَمَةٍ، و‏‏‏‏‏‏: يُسْرِعُونَ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَنْسُلُونَ ) بِضَمِّ السِّينِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: إلى جَمِيعِ النّاسِ، فالمَعْنى: وهم يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والأوَّلُ أصَحُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ‏‏ ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتَرَبَ﴾ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ. قالَ: ومِثْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [ الزَّمْر: ٧٣ ]، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿وَنادَيْناهُ﴾ [ الصّافّات: ١٠٣، ١٠٤ ]، المَعْنى: نادَيْنا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: السّاعَةُ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، كالحامِلِ المُتِمِّ، لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَؤُهم بِوَلَدِها، لَيْلًا أوْ نَهارًا.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَنا﴾، فالمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ، قالُوا: يا ويْلَنا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. فَأمّا ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَهو القِيامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏، في " هي " أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ الأبْصارِ، والأبْصارُ تَفْسِيرٌ لَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎ لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ

فَذَكَرَ الظَّعِينَةَ، وقَدْ كَنّى عَنْها في ( لَعَمْرُو أبِيها ) . (p-٣٩٠)

والثّانِي: أنَّ " هي " [ ضَمِيرُ فَصْلٍ ] وعِمادٌ، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها " هو "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ أنا اللَّهُ﴾ [ النَّمْل: ٩ ]، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الحَجّ: ٤٦ ]، وأنْشَدُوا:

؎ بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما هاهُنا رَأْسُ

ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " هي " عَلى مَعْنى: فَإذا هي بارِزَةٌ واقِفَةٌ، يَعْنِي: مِن قُرْبِها، كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿شاخِصَةٌ﴾، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ القِصَّةِ، والمَعْنى: القِصَّةُ أنَّ أبْصارَهم شاخِصَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: تَشْخَصُ أبْصارُ الكُفّارِ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا، ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: عَنْ هَذا، ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أنْفُسَنا بِكُفْرِنا ومَعاصِينا. ثُمَّ خاطَبَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، " حَصَبُ جَهَنَّمَ " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( حَطَبُ ) بِالطّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ. وقَرَأ عُرْوَةُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( حَضْبُ جَهَنَّمَ ) بِإسْكانِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو حَيَوَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( حِضْبُ ) بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ تَسْكِينِ الضّادِ المُعْجَمَةِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، (p-٣٩١)وَأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( حَصْبُ ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فَمَعْناهُ: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ فِيها، ومَن قَرَأ: ( حَطَبُ ) فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ. ومَن قَرَأ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتَذْكى بِهِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَصَبُ: ما أُلْقِيَ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو الحَصى، يُقالُ: حَصَبْتُ فُلانًا: إذا رَمَيْتَهُ حَصْبًا، بِتَسْكِينِ الصّادِ، وما رَمَيْتَ بِهِ فَهو حَصَبٌ، بِفَتْحِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ﴾ يَعْنِي: العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏؛ أيْ: داخِلُونَ. ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿آلِهَةٌ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، والمَعْنى: لَوْ كانُوا آلِهَةً ما دَخَلُوا النّارَ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى عابِدِيها، فالمَعْنى: لَوْ كانَتِ الأصْنامُ آلِهَةً، مَنَعَتْ عابِدِيها دُخُولَ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الآلِهَةِ وعابِدِيها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: العابِدَ والمَعْبُودَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الزَّفِيرِ في ( هُودٍ: ١٠٦ ) . وفي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ يُوضَعُ في مَسامِعِهِمْ مَسامِيرُ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، رَواهُ أبُو أمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ، (p-٣٩٢)ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخْرى، فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، ولا يَرى أحَدُهم أنَّ في النّارِ أحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرَهُ.

والثّانِي: أنَّ السَّماعَ أُنْسٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يُؤْنِسَهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عُمارَةَ.

والثّالِثُ: إنَّما لَمْ يَسْمَعُوا لِشِدَّةِ غَلَيانِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Anbiyāʾ 21:87