All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

Al-Muddaththir 74:54 Juzʾ 29 Page 577

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

No! Indeed, the Qur'an is a reminder

Read in the muṣḥaf

(p-٤١١)قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كُلُّ نَفْسٍ بالِغَةٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لِتُحاسَبَ عَلَيْهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهم أطْفالُ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا ذُنُوبَ لَهُمْ، قالَهُ عَلِيٌّ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: كُلُّ نَفْسٍ مِن أهْلِ النّارِ مُرْتَهَنَةٌ في النّارِ، إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهم في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: كُلُّ نَفْسٍ مُرْتَهَنَةٌ بِعَمَلِها لَتُحاسَبَ عَلَيْهِ إلّا أصْحابَ اليَمِينِ، فَإنَّهم لا يُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ مُقاتِلٌ: إذا خَرَجَ أهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ النّارِ قالَ المُؤْمِنُونَ لِمَن بَقِيَ في النّارِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَلَكَكم بِمَعْنى: أدْخَلَكم. وقالَ مُقاتِلٌ: ما حَبَسَكم فِيها؟ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِلَّهِ في دارِ الدُّنْيا ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لَمْ نَتَصَدَّقْ لِلَّهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أهْلِ الباطِلِ والتَّكْذِيبِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ" بِيَوْمِ الجَزاءِ والحِسابِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو المَوْتُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهَذا إنَّما جَرى بَعْدَ شَفاعَةِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ والشُّهَداءِ والمُؤْمِنِينَ. وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْعِ الشَّفاعَةِ لِمَن آمَنَ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: كَفّارَ قُرَيْشٍ حِينَ نَفَرُوا مِنَ القُرْآنِ والتَّذْكِيرِ بِمَواعِظِهِ. والمَعْنى: لا شَيْءَ لَهم في الآخِرَةِ إذْ أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ثُمَّ شَبَّهَهم في نُفُورِهِمْ عَنْهُ بِالحُمُرِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الفاءِ. والباقُونَ بِكَسْرِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِفَتْحِ الفاءِ أرادَ: مَذْعُورَةً، اسْتُنْفِرَتْ فَنَفَرَتْ. ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الفاءِ أرادَ: نافِرَةً. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: حُمُرٌ مُسْتَنْفَرَةٌ. وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَكْسِرُونَ الفاءَ. والفَتْحُ أكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ. وقِراءَتُنا بِالكَسْرِ. أنْشَدَنِي الكِسائِيُّ:

؎ احْبِسْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرٌ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ

"وَغُرَّبٌ" مَوْضِعٌ.

وَفِي "القَسْوَرَةِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأسَدُ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ إذا عايَنَتِ الأسَدَ هَرَبَتْ مِنهُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ إذا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ هَرَبُوا مِنهُ، (p-٤١٣)وَإلى هَذا ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّهُ مِنَ القَسْرِ والقَهْرِ. فالأسَدُ يَقْهَرُ السِّباعَ.

والثّانِي: أنَّ القَسْوَرَةَ: الرُّماةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ كَيْسانَ.

والثّالِثُ: أنَّ القَسْوَرَةَ: حِبالُ الصَّيّادِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم عُصَبُ الرِّجالِ، رَواهُ أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. واسْمُ أبِي حَمْزَةَ: نَصْرُ بْنُ عِمْرانَ الضَّبْعِيُّ.

والخامِسُ: أنَّهُ رِكْزُ النّاسِ، وهَذا في رِوايَةِ عَطاءٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورِكْزُ النّاسِ: حِسُّهم وأصْواتُهم.

والسّادِسُ: أنَّهُ الظُّلْمَةُ واللَّيْلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ النَّبْلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ سَرَّكَ أنْ نَتَّبِعَكَ، فَلْيُصْبِحْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ مَنشُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ يُؤْمَرُ فِيهِ بِاتِّباعِكَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهم أرادُوا بَراءَةً مِنَ النّارِ أنْ لا يُعَذَّبُوا بِها، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: كانَ الرَّجُلُ إذا أذْنَبَ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَدَهُ مَكْتُوبًا إذا أصْبَحَ في رُقْعَةٍ. فَما بالُنا لا نَرى ذَلِكَ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ‏ أيْ: لا يُؤْتَوْنَ الصُّحُفَ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: لا يَخْشَوْنَ عَذابَها. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ خافُوا النّارَ لَما اقْتَرَحُوا الآياتِ بَعْدَ قِيامِ (p-٤١٤)الدَّلالَةِ "كَلّا" أيْ: حَقًّا. وقِيلَ: مَعْنى ‏: لَيْسَ الأمْرُ كَما يُرِيدُونَ ويَقُولُونَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ فالمَعْنى: فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَ القُرْآنَ ويَتَّعِظَ بِهِ ويَفْهَمَهُ، ذَكَرَهُ. ثُمَّ رَدَّ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: إلّا أنْ يُرِيدَ لَهُمُ الهُدى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: أهْلٌ أنْ يُتَّقى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: أهْلُ أنْ يَغْفِرَ لِمَن تابَ. رَوى أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: قالَ رَبُّكم عَزَّ وجَلَّ: أنا أهْلٌ أنْ أُتَّقى، فَلا يُشْرِكُ بِي غَيْرِي. وأنا أهْلٌ لِمَنِ اتَّقى أنْ يُشْرِكَ بِي غَيْرِي أنْ أغْفِرَ لَهُ.»

The same ayah, in another commentary

Al-Muddaththir 74:54