All commentaries

الهداية إلى بلوغ النهاية

Makkī ibn Abī Ṭālib

مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ)

Meaning, readings and rulings in one pass, from a great reciter.

Al-Masad 111:3 Juzʾ 30 Page 603

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
الهداية إلى بلوغ النهاية Makkī ibn Abī Ṭālib

قوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ إلى آخرها. أي: خسرت يدا أبي لهب، وقد خسر. فالأول [دعاء] والثاني [خبر]، كما تقول: [أهلكه] الله وقد هلك وفي قراءة عبد الله: "وقد تب" ووقع الإخبار والدعاء عن اليدين على طريق المجاز، والمراد صاحبهما، يدل على ذلك قوله: ﴿وَتَبَّ﴾ ولم يقل: وتبتا.

وقيل: هو حقيقة، وذلك أن أبا لهب أراد أن [يرمي] رسول الله ﷺ فمنعه الله من ذلك، ونزلت: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏، فالأولى على الحقيقة لليدين، والثانية لأبي لهب، لأنه إذا خسرت يداه فقد خسر هو.

(قال ابن زيد: التب: الخسران) قال ابن زيد: قال أبو لهب للنبي ﷺ: وماذا أعطى - يا محمد - إن آمنت بربك؟ قال: كما يعطى المسلمون. قال [فمالي] عليكم فضل! قال: تبًّا وأي شيء [تبتغي]؟ قال: تبا لهذا من دين، (تباً) أن أكون أنا وهؤلاء سواءً، فأنزل الله ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏، فعلى هذا يكون مجازا، والمراد به عين أبي لهب لاَ يَدَاهُ.

وروي أن النبي ﷺ خص عشيرته بالدعوة إذ نزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فجمعهم ودعاهم وأنذرهم، فقال له أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا، فأنزل الله ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏.

قال ابن عباس: صعد النبي ﷺ ذات يوم [الصفا]، فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن (أخبرتكم) أن العدو [مصبحكم]) أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال [أبو] لهب: تباً لك: ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ إلى آخر السورة

وكان اسم أبي لهب: عبد العزى، فذلك ذُكِرَ بكنيته في القرآن.

وقوله: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ إن جعلت ما أستفهاما كانت في موضع (نصب) بأغنى، وإن جعلتها نفيا كانت حرفا، وقدَّرْتَ مفعولاً محذوفاً، أي: ما أغنى عنه ماله شيئاً.

والمعنى: ما يغني عنه ماله في الآخرة وفي الدنيا إذا جاءه الموت.

وقوله: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏، يعني ما اقتنى من الموال والأغراض.

وقيل: ‏‏‏ ‏‏‏ عني به ولده، أي ما أغنى عنه ماله وما ولد. وروى أبو الطفيل أن أولاد أبي لهب جاؤوا يختصمون في البيت، فقام ابن عباس يحجز بينهم (وقد كفّ بصرُهُ)، [فدفعه] بعضهم حتّى وَقَع عَلَى الفِرَاشِ فغَضِبَ وَقَالَ: أَخْرِجُوا عنّي الكَسْبَ الخَبِيثَ.

قال مجاهد: "وَمَا كسَبَ ولده". وقيل: معناه: وما كسب من مال وجاه.

ثم قال تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ روي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ "سَيُصْلَى" بضم الياء والمعنى: سَيُقَاسِي حرَّ نارٍ ذاتِ توقُّدٍ وتَلَهُّبٍ.

يقال: صلَيْتُ بالأمْرِ أَصْلَى: إذَا قاسَيْتَ حَرَّهُ وَشِدَّتَهُ، وَصَلَيْتُهُ: شَوَيْتُهُ وفي الحديث شَاة مَصْلِيَّة أي: مَشْويَّة والمعنى: سيصلى أبو لهب ناراً ذات لهب وامراته، وجاز العطف على المضمر المرفوع، [لأنه قد فرق] بينهما فقام التفريق مقام التأكيد.

وقوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ نعت للمرأة وهي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عَمَّةُ معاوية، نعتت بهذا لأنه قد كان له زوجات غيرها.

وقيل: نعتت به على طريق [التخسيس] [لها] عقوبة لأذَاها رسول الله ﷺ.

ويجوز أن تكون ﴿وَٱمْرَأَتُهُ﴾ [متبدأ] و ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ نعت، وفي ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ابتداء وخبر في موضع خبر (لامرأة، ويجوز أن يكون ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ خبراً "لامرأة" و ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ابتداء وخبر في موضع خبر ثان، [أو في موضع] الحال.

ويجوز أن ترتفع "حمَّالَةُ الحطب" على البدل من [﴿وَٱمْرَأَتُهُ﴾ وتكون (بمعنى) الخبر ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ الجملة إن جعلت ﴿وَٱمْرَأَتُهُ﴾ [مبتدأ].

ويجوز أن يكون ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ نكرة [يراد] به الاستقبال على ما سنذكره من قول المفسرين في معناه. ويجوز أن يكون معرفة يراد به الماضي على ما سنذكره من قول المفسرين.

فإن جعلت "المرأة" عطفاً على المضمر في ‏‏‏‏ كان ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ في موضع الحال من المرأة.

ومن [نصب] (حمَّالة) [نصبه] على الذم.

قال ابن عباس: كانت تحمل الشوك فتجره على طريق النبي ﷺ ليعقره وأصحابه، فذلك نعتت "بحمالة الحطب". وهو قول الضحاك وابن زيد. وقال عكرمة: "كانت تمشي بالنميمة". وعن مجاهد مثله، وقاله قتادة.

[وقيل إن ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تمثيل لأذاها رسول الله ﷺ، والعرب تقول: فلان] يحطب على فلان، أي [يُغْري به] [وَيُؤذِيهِ] فشبه الحطب [بالعداوة].

وقيل: معنى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أي: [الخطايا و] الذنوب والفواحش، كما يقال: فلان يحطب على نفسه، إذا كان كثير الاكتساب الذنوب.

وقوله: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أي: في عنقها، والجيد: العُنُقُ.

قال الضحاك: "هو حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به، [وقاله] ابن عباس. وقال ابن زيد: هي حبال من شجر [ينبت] باليمن يقال لها: مسد.

وقيل: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏، أي: "حبل من نار في رقبتها". وقال السدي: المسد: الليف.

وقال عروة: "هو سلسلة من حديد ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً". (وقال سفيان: "حبل في عنقها من النار مثل طوق طوله سبعون ذراعاً" وعن مجاهد ‏‏ ‏‏‏ "من حديد".

وقال عكرمة: ‏‏ ‏‏‏ هي: "[الحدِيدَةُ] التي في وسط البكرة" وروي ذلك أيضا عن مجاهد.

وقال قتادة: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏: "[قِلاَدَة]" من ودع.

فمن جعل هذا إخبار عما يكون في النار من حالها كانت ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ نكرة لأنه يراد به الاستقبال، فلا يحسن أن يكون صفة لـ ﴿ٱمْرَأَتُهُ﴾.

ومن جعله بمعنى قد مضى مثل [مشيها] بالنمائم وحَمْلِها الشوك لطريق رسول الله ﷺ، فـ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ معرفة يحسن أن [تكون] صفة لـ ﴿ٱمْرَأَتُهُ﴾. والوقف في هذه السورة على مقدار ما تَقَّدَّرَ مما تَقَدَّمَ ذكره من النعت والخبر.