All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian’s commentary — every construction, at length.

Al-Māʾidah 5:70 Juzʾ 6 Page 119

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
البحر المحيط Abū Ḥayyān

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ هَذا إخْبارٌ بِما صَدَرَ مِن أسْلافِ اليَهُودِ مِن نَقْضِ المِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الجَرائِمِ العِظامِ مِن تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ بَعْضِهِمْ، والَّذِينَ هم بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ هم أخْلافُ أُولَئِكَ، فَغَيْرُ بِدْعٍ ما يَصْدُرُ مِنهم لِلرَّسُولِ مِنَ الأذى والعِصْيانِ، إذْ ذاكَ شِنْشِنَةٌ مِن أسْلافِهِمْ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في البَقَرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ؟ فَإنَّ قَوْلَهُ فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ نابَ عَنِ الجَوابِ، لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ. (قُلْتُ): هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم ناصَبُوهُ. وقَوْلُهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا، جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ لِسُؤالِ قائِلٍ: كَيْفَ فَعَلُوا بِرُسُلِهِمْ؟. انْتَهى. قَوْلُهُ: فَإنْ قُلْتَ: أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ؟ سَمّى قَوْلَهُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ - شَرْطًا ولَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ كُلَّ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لِإضافَتِها إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ما المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيها هو ما يَأْتِي بَعْدَ ما المَذْكُورَةِ وصِلَتِها مِنَ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النساء: ٥٦] ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها﴾ [الملك: ٨] وأجْمَعَتِ العَرَبُ عَلى أنَّهُ لا يُجْزَمُ بِكُلَّما، وعَلى تَسْلِيمِ تَسْمِيَتِهِ شَرْطًا فَذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: فَرِيقًا كَذَّبُوا يَنْبُو عَنِ الجَوابِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ: لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لِأنَّ الرَّسُولَ في هَذا التَّرْكِيبِ لا يُرادُ بِهِ الواحِدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ وأيُّ نَجْمٍ طَلَعَ، وإذا كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ انْقَسَمَ إلى الفَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ كُذِّبَ، وفَرِيقٌ قُتِلَ. والوَجْهُ الثّانِي قَوْلُه: ولِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ إنْ أكْرَمْتَ أخِي أخاكَ أكْرَمْتُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ فِعْلٍ لِلْجَوابِ عَلَيْهِ. ولَيْسَ كَما ذُكِرَ، بَلْ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ والكِسائِيِّ أنَّ ذاكَ جائِزٌ حَسَنٌ، ولَمْ يَمْنَعْهُ إلّا الفَرّاءُ وحْدَهُ، وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّ كُلَّما شَرْطٌ، وإلّا فَلا يَلْزَمُ أنْ يَعْتَذِرَ بِهَذا، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِ الفِعْلِ العامِلِ في كُلَّما عَلَيْهِ. فَتَقُولُ في كُلَّما جِئْتَنِي أخاكَ أكْرَمْتُ، وعُمُومُ نُصُوصِ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهم حِينَ حَصَرُوا ما يَجِبُ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ بِهِ عَلى العامِلِ وما يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ قالُوا: وما سِوى ذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ والتَّأْخِيرُ عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَثْنُوا هَذِهِ الصُّورَةَ، ولا ذَكَرُوا فِيها خِلافًا. فَعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَكُونُ العامِلُ في كُلَّما قَوْلُهُ: كَذَّبُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ ولا يَكُونُ مَحْذُوفًا. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: كُلَّما ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ كَذَّبُوا. وقالَ أبُو البَقاءِ: كَذَّبُوا جَوابُ كُلَّما. انْتَهى. وجاءَ بِلَفْظِ يَقْتُلُونَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِفْظاعًا لِلْقَتْلِ، واسْتِحْضارًا لِتِلْكَ الحالِ الشَّنِيعَةِ لِلتَّعَجُّبِ مِنها؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويُحَسِّنُ مَجِيئُهُ أيْضًا كَوْنُهُ رَأْسَ آيَةٍ؛ والمَعْنى: أنَّهم يُكَذِّبُونَ فَرِيقًا فَقَطْ، وقَتَلُوا فَرِيقًا ولا يَقْتُلُونَهُ إلّا مَعَ التَّكْذِيبِ، فاكْتَفى بِذِكْرِ القَتْلِ عَنْ ذِكْرِ التَّكْذِيبِ؛ أيِ: اقْتَصَرَ ناسٌ عَلى تَكْذِيبِ فَرِيقٍ، وزادَ ناسٌ عَلى التَّكْذِيبِ القَتْلَ.