All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Muḥammad 47:20 Juzʾ 26 Page 509

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Those who believe say, "Why has a surah not been sent down? But when a precise surah is revealed and fighting is mentioned therein, you see those in whose hearts is hypocrisy looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them [would have been]

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حِرْصًا عَلى الجِهادِ لِما فِيهِ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ فالمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ يُؤْمَرُ فِيها بِالجِهادِ. فَلَوْلا: تَحْضِيضِيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّ لا زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ بِطَرِيقِ الأمْرِ بِهِ، والمُرادُ بِ”مَحْكَمَةٌ“ مُبَيِّنَةٌ لا تَشابُهَ ولا احْتِمالَ فِيها لِوَجْهٍ آخَرَ سِوى وُجُوبِ القِتالِ، وفَسَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ بِغَيْرِ مَنسُوخَةِ الأحْكامِ. وعَنْ قَتادَةَ كُلُّ سُورَةٍ فِيها القِتالُ فَهي مُحْكَمَةٌ وهو أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ وهَذا أمْرٌ اسْتَقْرَأهُ قَتادَةُ مِنَ القُرْآنِ لا بِخُصُوصِيَّةِ هَذِهِ الآيَةِ والمُتَحَقِّقُ أنَّ آياتِ القِتالِ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ وحُكْمُها باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: مُحْكَمَةٌ بِالحَلالِ والحَرامِ.

وقُرِئَ (نُزِّلَتْ) سُورَةٌ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن نَزَلَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ ورَفْعِ (سُورَةٌ) عَلى الفاعِلِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (نَزَلَتْ) كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَصَبَ ( سُورَةً مُحْكَمَةً )، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الفاعِلِ ضَمِيرَ السُّورَةِ، و(سُورَةً مُحْكَمَةً) نَصْبٌ عَلى الحالِ. وقَرَأ هو وابْنُ عُمَيْرٍ (وذَكَرَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى
صفحة 67
(القِتالَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ نِفاقٌ، وقِيلَ: ضَعْفٌ في الدِّينِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ نَظَرَ المُحْتَضَرِ الَّذِي لا يَطْرِفُ بَصَرُهُ، والمُرادُ تَشْخَصُ أبْصارُهم جُبْنًا وهَلَعًا، وقِيلَ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ العَداوَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: مِن خَشْيَةِ الفَضِيحَةِ فَإنَّهم إنْ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ افْتُضِحُوا وبانَ نِفاقُهُمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَدَّعُونَ الحِرْصَ عَلى الجِهادِ ويَتَمَنَّوْنَهُ بِألْسِنَتِهِمْ ويَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ في مَعْنى الجِهادِ فَإذا أُنْزِلَتْ وأُمِرُوا فِيها بِما تَمَنَّوْا وحَرَصُوا عَلَيْهِ كاعُوا وشَقَّ عَلَيْهِمْ وسَقَطَ في أيْدِيهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن أنَّ القائِلِينَ هُمُ الَّذِينَ أخْلَصُوا في إيمانِهِمْ وإنَّما عَرا المُنافِقِينَ ما عَرا عِنْدَ نُزُولِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالجِهادِ لِدُخُولِهِمْ فِيهِمْ بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِمْ، وقَدْ جَوَّزَ هو أيْضًا إرادَةَ الخاصِّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لَكِنَّ كَلامَهُ ظاهِرٌ في تُرَجِّحُ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا عِنْدَهُ والظّاهِرُ أنَّ في الكَلامِ عَلَيْهِ إقامَةَ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إنْزالَ سُورَةٍ مُطْلَقًا حَيْثُ كانُوا يَسْتَأْنِسُونَ بِالوَحْيِ ويَسْتَوْحِشُونَ إذا أبْطَأ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَشْتاقُونَ إلى كِتابِ اللَّهِ تَعالى وإلى بَيانِ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَإذا نَزَلَتِ السُّورَةُ يُذْكَرُ فِيها القِتالُ رَأيْتَ يا مُحَمَّدُ المُنافِقِينَ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ إلَخْ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ عَلى ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ (أوْلى) فِيهِ عِلْمٌ لِعَيْنِ الوَيْلِ مَبْنِيٌّ عَلى زِنَةِ أفْعَلَ مِن لَفْظِ الوَيْلِ عَلى القَلْبِ وأصْلُهُ أوَيْلُ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والوَزْنِ. فالكَلامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَيْلَ غَيْرُ مُتَصَرَّفٍ فِيهِ، ومِثْلُ يَوْمٍ أيُومٍ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْقاسٍ لا يُفْرَدُ عَنِ المَوْصُوفِ البَتَّةَ، وإنَّ القَلْبَ خِلافُ الأصْلِ لا يُرْتَكَبُ إلّا بِدَلِيلٍ، وإنَّ عِلْمَ الجِنْسِ شَيْءٌ خارِجٌ عَنِ القِياسِ مُشْكِلٌ التَّعَقُّلِ خاصَّةً فِيما نَحْنُ فِيهِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الِاشْتِقاقَ الواضِحَ مِنَ الوَلِيِّ بِمَعْنى القُرْبِ كَما في قَوْلِهِ:

تُكَلِّفُنِي لَيْلى وقَدْ شَطَّ ولِيُّها وعادَتْ عَوادٌ بَيْنَنا وخُطُوبُ
يُرْشِدُ إلى أنَّهُ لِلتَّفْضِيلِ في الأصْلِ غَلَبَ في قُرْبِ الهَلاكِ ودُعاءِ السُّوءِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلاكًا أوْلى لَهم بِمَعْنى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَلاكًا أقْرَبَ لَهم مِن كُلِّ شَرٍّ وهَلاكٍ، وهَذا كَما غَلَبَ بُعْدًا وسَحْقًا في الهَلاكِ، وهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ في الأصْلِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وقَدْ أُقِيمُ مَقامَهُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وفي الصِّحاحِ عَنِ الأصْمَعِيِّ أوْلى لَهُ قارَبَهُ ما يُهْلِكُهُ أيْ نَزَلَ بِهِ وأنْشَدَ:

فَعادى بَيْنَ هادِيَتَيْنِ مِنها ∗∗∗ وأوْلى أنْ يَزِيدَ عَلى الثَّلاثِ
أيْ قارَبَ أنْ يَزِيدَ، قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في (أوْلى) أحْسَنَ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ، وعَلى هَذا هو فِعْلٌ مُسْتَتِرٌ فِيهِ ضَمِيرُ الهَلاكِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وفاعِلُهُ ضَمِيرُهُ عَزَّ وجَلَّ واللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أوْلاهُمُ اللَّهُ تَعالى ما يَكْرَهُونَ أوْ غَيْرُ مَزِيدَةٍ أيْ أدْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الهَلاكَ لَهُمْ، والظّاهِرُ زِيادَةُ اللّامِ عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الأصْمَعِيِّ، ومَن فَسَّرَهُ بِقُرْبٍ جَوَّزَ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ والمَعْنى ولِيُّهم شَرٌّ بَعْدَ شَرٍّ. وقِيلَ: هو فَعْلى مِن آلَ بِمَعْنى رَجَعَ لا أفْعَلُ مِنَ الوَلِيِّ فَهو في الأصْلِ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرْجِعَ أمْرُهم إلى الهَلاكِ، والمُرادُ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا أنَّ التَّرْكِيبَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقالَ الرَّضِيُّ: هو عَلَمٌ لِلْوَعِيدِ مِن ولِيَهُ الشَّرُّ أيْ قَرُبَهُ، والتَّرْكِيبُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْضًا. واسْتَدَلَّ بِما حُكِيَ أبُو زَيْدٍ مِن قَوْلِهِمْ: أوْلاةٌ بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأفْعَلَ تَفْضِيلٍ ولا أفْعَلَ
صفحة 68
فَعْلى وأنَّهُ عَلَمٌ ولَيْسَ بِفِعْلٍ ثُمَّ قالَ: بَلْ هو مِثْلَ أرْمَلٍ وأرْمَلَةٍ إذا سُمِّيَ بِهِما ولِذا لَمْ يَنْصَرِفْ، ولَيْسَ اسْمَ فِعْلٍ أيْضًا بِدَلِيلِ أوْلاةٍ في تَأْنِيثِهِ بِالرَّفْعِ يَعْنِي أنَّهُ مُعْرَبٌ ولَوْ كانَ اسْمَ فِعْلٍ كانَ مَبْنِيًّا مِثْلَهُ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن كَوْنِ أوْلاةٍ لَفْظًا آخَرَ بِمَعْناهُ يَرُدُّ مِن ذَلِكَ عَلى قائِلِي ما تَقَدَّمَ أصْلًا، وجاءَ أوَّلَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ وظَرْفًا كَقَبْلُ وسُمِعَ فِيهِ أوْلَةٌ كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: الأحْسَنُ كَوْنُهُ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ بِمَعْنى أحَقَّ وأحْرى وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ في كُلِّ مَقامٍ بِما يَلِيقُ بِهِ والتَّقْدِيرُ هاهُنا العِقابُ أوْلى لَهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومالَ إلى هَذا القَوْلِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allah, it would have been better for them.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ مَحْذُوفٌ مِنهُ أحَدُ الجُزْأيْنِ أمّا الخَبَرُ وتَقْدِيرُهُ خَيْرٌ لَهم أوْ أمْثَلُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وأمّا المُبْتَدَأُ وتَقْدِيرُهُ الأمْرُ أوْ أمْرُنا طاعَةٌ أيِ الأمْرُ المَرَضِيُّ لِلَّهِ تَعالى طاعَةٌ، وقِيلَ: أيْ أمْرُهم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أيْ مَعْلُومٌ حالُهُ أنَّهُ خَدِيعَةٌ، وقِيلَ: هو حِكايَةُ قَوْلِهِمْ قَبْلَ الأمْرِ بِالجِهادِ أيْ قالُوا أمْرُنا طاعَةٌ ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ (يَقُولُونَ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ (أوْلى) أفْعَلَ تَفْضِيلٍ مُبْتَدَأٌ ( ولَهم ) صِلَتُهُ واللّامُ بِمَعْنى الباءِ ( وطاعَةٌ ) خَبَرٌ كَأنَّهُ قِيلَ فَأوْلى بِهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ كَلامًا مُسْتَقِلًّا ولا يُوقَفُ عَلى ( لَهم ) ومِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ما قِيلَ: إنَّ ( طاعَةٌ ) صِفَةٌ لِـ ”سُورَةٌ“ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ ذاتَ طاعَةٍ أوْ مُطاعَةٌ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِحَيْلُولَةِ الفَصْلِ الكَثِيرِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ جَدَّ والجَدُّ أيِ الِاجْتِهادُ لِأصْحابِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

قَدْ جَدَتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا
والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ ( إذا ) قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ وهو العامِلُ فِيها ولا يَضُرُّ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ ولا تَمْنَعُ مِن عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها في مِثْلِهِ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وهَذا نَحْوَ إذا جاءَ الشِّتاءُ فَلَوْ جِئْتَنِي لَكَسَوْتُكَ، وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ كَرِهُوا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ قالَهُ قَتادَةُ. وفي البَحْرِ مَن حَمَلَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ خَدِيعَةً قَدَّرَ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ ناقَضُوا وتَعاصَوْا، ولَعَلَّ مَن يَجْعَلُ القَوْلَ السّابِقَ لِلْمُؤْمِنِينَ في ظاهِرِ الحالِ وهُمُ المُنافِقُونَ جَوَّزَ هَذا التَّقْدِيرَ أيْضًا، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الجَوابَ فاصْدُقْ وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ فِيما زَعَمُوا مِنَ الحِرْصِ عَلى الجِهادِ ولَعَلَّهم أظْهَرُوا الحِرْصَ عَلَيْهِ كالمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، وقِيلَ: في إيمانِهِمْ ‏‏‏ أيِ الصِّدْقُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ مِمّا ارْتَكَبُوهُ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما في زَعْمِهِمْ مِن أنَّ فِيهِ خَيْرًا وإلّا فَهو في نَفْسِ الأمْرِ لا خَيْرَ فِيهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So would you perhaps, if you turned away, cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خِطابٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، وهَلْ لِلِاسْتِفْهامِ والأصْلُ فِيهِ أنْ يَدْخُلَ الخَبَرُ لِلسُّؤالِ عَنْ مَضْمُونِهِ والإنْشاءِ المَوْضُوعِ لَهُ عَسى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ أيْ فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم ويُنْتَظَرُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أُمُورَ النّاسِ وتَأمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ فَهو مِنَ الوِلايَةِ والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وأبِي العالِيَةِ والكَلْبِيِّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَناحُرًا عَلى الوِلايَةِ وتَكالُبًا عَلى جِيفَةِ الدُّنْيا والمُتَوَقَّعُ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى حالِهِمْ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا يَصِحُّ مِنهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ والِاسْتِفْهامُ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا فالمَعْنى إنَّكم لِما عُهِدَ مِنكم مِنَ الأحْوالِ الدّالَّةِ عَلى الحِرْصِ عَلى
صفحة 69
الدُّنْيا حَيْثُ أُمِرْتُمْ بِالجِهادِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى العَظِيمِ فَكَرِهْتُمُوهُ وظَهَرَ عَلَيْكم ما ظَهَرَ أحِقّاءٌ بِأنْ يَقُولَ لَكم كُلُّ مَن ذاقَكم وعَرَفَ حالَكم يا هَؤُلاءِ ما تَرَوْنَ هَلْ يُتَوَقَّعُ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ إلَخْ.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّوَلِّيَ بِالإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ فالفِعْلُ لازِمٌ أيْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ أنْ تَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ بِالتَّغاوُرِ والتَّناهُبِ وقَطْعِ الأرْحامِ بِمُقاتَلَةِ بَعْضِ الأقارِبِ بَعْضًا ووَأْدِ البَناتِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ الواقِعَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَحْذُورِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَفاسِدِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ ولا رَيْبَ في أنَّ الإعْراضَ عَنِ الإسْلامِ رَأْسُ كُلِّ شَرٍّ وفَسادٌ فَحَقُّهُ أنْ يُجْعَلَ عُمْدَةً في التَّوْبِيخِ لا وسِيلَةً لِلتَّوْبِيخِ بِما دُوَنَهُ مِنَ المَفاسِدِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ بَعْضٍ ( وُلِّيتُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذا قِراءَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما ذُكِرَ في البَحْرِ ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. ورُوَيْسٌ ويَعْقُوبُ ( تُولِّيتُمْ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى تَوَلّاكُمُ النّاسُ واجْتَمَعُوا عَلى مُوالاتِكُمْ، والمُرادُ كُنْتُمْ فِيهِمْ حُكّامًا، وقِيلَ: المَعْنى تَوَلّاكم وُلاةٌ غَشْمَةٌ خَرَجْتُمْ مَعَهم ومَشَيْتُمْ تَحْتَ لِوائِهِمْ وأفْسَدْتُمْ بِإفْسادِهِمْ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ تَفْسِيرَهُ بِالإعْراضِ إلّا أنَّهُ قالَ: المَعْنى إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ بِعَدَمِ مَعُونَةِ أهْلِ الإسْلامِ عَلى أعْدائِهِمْ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكم لِأنَّ مِن أرْحامِكم كَثِيرًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَإذا لَمْ تُعِينُوهم قَطَّعْتُمْ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الرَّحِمِ.

وتُعِقِّبَ بِأنَّ حَمْلَ الإفْسادِ عَلى الإفْسادِ بِعَدَمِ المَعُونَةِ فِيهِ خَفاءٌ، وكَذا الإتْيانُ بِأنَّ عَلَيْهِ دُونَ إذا مِن حَيْثُ إنَّ الإعْراضَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى في القِتالِ كالمُحَقَّقِ مِن أُولَئِكَ المُنافِقِينَ فَتَأمَّلْ، ( وأنْ تُفْسِدُوا ) خَبَرُ عَسى.

﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ اعْتِراضٌ، وجَوابُ أنَّ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأظْهَرَ جَعْلُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ حالًا مُقَدَّرَةً، وفِيهِ أنَّ الشُّرَطَ بِدُونِ الجَوابِ لَمْ يُعْهَدْ وُقُوعُهُ حالًا في غَيْرِ أنَّ الوَصْلِيَّةَ وهي لا تُفارِقُ الواوَ، وإلْحاقُ الضَّمائِرِ بِعَسى كَما في سائِرِ الأفْعالِ المُتَصَرِّفَةِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبَنُو تَمِيمٍ لا يُلْحِقُونَها بِهِ ويَلْتَزِمُونَ دُخُولَهُ عَلى أنْ والفِعْلِ فَيَقُولُونَ الزَّيْدانَ عَسى أنْ يَقُوما والزَّيْدُونَ عَسى أنْ يَقُومُوا، وذَكَرَ الإمامُ هاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: عَسى أنْتَ تَقُومُ وعَسى أنا أقُومُ فَدُونَ ما ذَكَرْنا لِلتَّطْوِيلِ الَّذِي فِيهِ فَإنْ كانَ مَقْصُودُهُ حِكايَةَ لُغَةٍ ثالِثَةٍ هي انْفِصالُ الضَّمِيرِ فَنَحْنُ لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن نَقَلَةِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ ذَكَرَها وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ جَدْوى.

وقَرَأ نافِعٌ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ المُهْمَلَةِ، وهو غَرِيبٌ. وقَرَأ عَمْرٌو في رِوايَةٍ. وسَلامٌ ويَعْقُوبُ وأبانُ وعِصْمَةُ (تَقْطَعُوا) بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ قَطَعَ، والحَسَنُ ( تَقَطَّعُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ وشَدِّ الطّاءِ وأصْلُهُ تَتَقَطَّعُوا بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ أحَدُهُما ونَصَبُوا ( أرْحامَكم ) عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ أيْ في أرْحامِكم لِأنَّ تَقَطَّعَ لازِمٌ

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Those [who do so] are the ones that Allah has cursed, so He deafened them and blinded their vision.

‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانٌ بِأنَّ ذِكْرَ هَناتِهِمْ أوْجَبَ إسْقاطَهم عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ ولَوْ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ وحِكايَةِ أقْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ لِغَيْرِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَأصَمَّهم عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ لِتَصامِّهِمْ عَنْهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِتَعامِيهِمْ عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآياتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ وجاءَ التَّرْكِيبُ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَأْتِ فَأصَمَّ آذانَهم كَما جاءَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أوْ وأعْماهم كَما جاءَ فَأصَمَّهُمْ، قِيلَ: لِأنَّ الأُذُنَ لَوْ أُصِيبَتْ بِقَطْعٍ أوْ قَلْعٍ لَسُمِعَ الكَلامُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ الأُذُنِ والبَصَرُ وهو العَيْنُ لَوْ أُصِيبَ لامْتَنَعَ الإبْصارُ فالعَيْنُ لَها مَدْخَلٌ في الرُّؤْيَةِ والأُذُنُ لا مَدْخَلَ لَها في السَّمْعِ انْتَهى وهو كَما تَرى.

وقالَ الخَفاجِيُّ: لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ الصَّمَمُ لَمْ يَبْقَ حاجَةٌ إلى ذِكْرِ الآذانِ، وأمّا العَمى فَلِشُيُوعِهِ في البَصَرِ
صفحة 70
والبَصِيرَةِ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِما وهو ظاهِرٌ ما في القامُوسِ فَإذا كانَ المُرادُ أحَدَهُما حَسَنُ تَقْيِيدُهُ.

وقِيلَ في وجْهِ ذَلِكَ بِناءً عَلى كَوْنِ العَمى حَقِيقَةً فِيما كانَ في البَصَرِ إنَّ نَحْوَ أعْمى اللَّهُ أبْصارَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن بابِ أبْصَرْتُهُ بِعَيْنِي وهو يُقالُ في مَقامٍ يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، ولَمّا كانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَكى حالَهم في أمْرِ الجِهادِ غَيْرَ ظاهِرٍ إعْماؤُهم ظُهُورَ إصْمامِهِمْ كَيْفَ وفي الآياتِ السّابِقَةِ ما يُؤْذِنُ بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالمَسْمُوعِ مِنَ القُرْآنِ وهو مِن آثارِ إصْمامِهِمْ ولَيْسَ فِيها ما يُؤْذِنُ بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ الَّذِي هو مِن آثارِ إعْمائِهِمْ ناسَبَ أنْ يَسَلَكَ في كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ما سَلَكَ مَعَ ما في سُلُوكِهِ في الأخِيرِ مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ وهو أدَقُّ مِمّا قَبْلُ، هَذا والأرْحامُ جَمْعُ رَحِمٍ بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وهي عَلى ما في القامُوسِ القَرابَةُ أوْ أصْلُها وأسْبابُها، وقالَ الرّاغِبُ: الرَّحِمُ رَحِمُ المَرْأةِ أيْ بَيْتُ مَنبَتِ ولَدِها ووِعاؤُهُ ومِنهُ اسْتُعِيرَ الرَّحِمُ لِلْقَرابَةِ لِكَوْنِهِمْ خارِجِينَ مِن رَحِمٍ واحِدَةٍ، ويُقالُ لِلْأقارِبِ ذَوُو رَحِمٍ كَما يُقالُ لَهم أرْحامٌ، وقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الأثِيرِ بِأنَّ ذا الرَّحِمِ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَن يَجْمَعُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ نَسَبٌ ويُطْلَقُ في الفَرائِضِ عَلى الأقارِبِ مِن جِهَةِ النِّساءِ، والمَذْكُورُ في كُتُبِها تَفْسِيرُهُ بِكُلِّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي سَهْمٍ ولا عَصَبَةٍ وعَدُّوا مِن ذَلِكَ أوْلادَ الأخَواتِ لِأبَوَيْنِ أوْ لِأبٍ وعَمّاتِ الآباءِ، وظاهِرُ كَلامِ الأئِمَّةِ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ فَهو حُرٌّ». دُخُولُ الأبَوَيْنِ والوَلَدِ في ذِي الرَّحِمِ لُغَةٌ حَيْثُ أجْمَعُوا عَلى أنَّهم يُعْتِقُونَ عَلى مَن مَلَكَهم لِهَذا الخَبَرِ وإنِ اخْتَلَفُوا في عِتْقِ غَيْرِهِمْ، وصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ في الزَّواجِرِ بِأنَّ الأوْلادَ مِنَ الأرْحامِ. وظاهِرُ عَطْفِ الأقْرَبِينَ عَلى الوالِدَيْنِ في الآيَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِهِما في الأقارِبِ فَلا يَدْخُلُونَ في الأرْحامِ لِأنَّهم كَما قالُوا الأقارِبُ، وكَلامُ فُقَهائِنا نَصٌّ في عَدَمِ دُخُولِ الوالِدَيْنِ والوَلَدِ في ذَلِكَ حَيْثُ قالُوا: إذا أوْصى لِأقارِبِهِ أوْ لِذَوِي قَرابَتِهِ أوْ لِأرْحامِهِ فَهي لِلْأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِن كُلِّ ذِي رَحِمِ مُحَرَّمٍ ولا يُدْخَلُ الوالِدانِ والوَلَدُ، وأمّا الجَدُّ ووَلَدُ الوَلَدِ فَنَقَلَ أبُو السُّعُودِ عَنِ العَلّامَةِ قاسِمٍ عَنِ البَدائِعِ أنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ دُخُولِهِما، واخْتارَهُ في الِاخْتِيارِ وعَلَّلَهُ بِأنَّ القَرِيبَ مَن يَتَقَرَّبُ إلى غَيْرِهِ بِواسِطَةِ غَيْرِهِ وتَكُونُ الجُزْئِيَّةُ بَيْنَهُما مُنْعَدِمَةً، وفي شَرْحِ الحَمَوِيِّ أنَّ دُخُولَهُما هو الأصَحُّ. وفي مَتْنِ المَواهِبِ وأدْخَلَ أيْ مُحَمَّدٌ الجَدَّ والحَفَدَةَ وهو الظّاهِرُ عَنْهُما، وذَكَرَ أنَّ مِثْلَ الجَدِّ والجَدَّةِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ عَدَمَ دُخُولِ الوالِدَيْنِ والوَلَدِ في ذَلِكَ وكَذا الجَدُّ والحَفَدَةُ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ لَيْسَ لِأنَّ اللَّفْظَ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ لُغَةً بَلْ لِأنَّهُ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ عُرْفًا وهُمُ اعْتَبَرُوا العُرْفَ كَما قالَ الطَّحْطاوِيُّ في أكْثَرِ مَسائِلِ الوَصِيَّةِ. وفي جامِعِ الفُصُولِينَ أنَّ مُطْلَقَ الكَلامِ فِيما بَيْنَ النّاسِ يَنْصَرِفُ إلى المُتَعارَفِ، وما ذَكَرَهُ في المِعْراجِ مِن خَبَرِ مَن سَمّى والِدَهُ قَرِيبًا عَقَّهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ قَرِيبًا لُغَةً بَلْ هو بَيانُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مَبْناهُ أنَّ في ذَلِكَ إيذاءً لِلْوالِدِ وحَطًّا مِن قَدْرِهِ عُرْفًا، وهَذا كَما لَوْ ناداهُ بِاسْمِهِ وكانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وأمْرُ العَطْفِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ سَهْلٌ لِجَوازِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ كَعَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، فالَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الأرْحامَ كَما صَرَّحُوا بِهِ الأقارِبُ بِالقَرابَةِ الغَيْرِ السَّبَبِيَّةِ والمُرادُ ما يُقابِلُ الأجانِبَ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الأُصُولُ والفُرُوعُ والحَواشِي مِن قِبَلِ الأبِ أوْ مِن قِبَلِ الأُمِّ، وحُرْمَةُ قَطْعِ كُلٍّ لا شَكَّ فِيها لِأنَّهُ عَلى ما قُلْنا رَحِمٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في حُرْمَةِ قَطْعِ الرَّحِمِ. وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ اتِّفاقُ الأُمَّةِ عَلى حُرْمَةِ قَطْعِها ووُجُوبِ صِلَتِها، ولا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في كَوْنِ القَطْعِ كَبِيرَةً، والعَجَبُ مِنَ الرّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَيْفَ تَوَقَّفَ في قَوْلِ صاحِبِ الشّامِلِ: إنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وكَذا تَقْرِيرُ النَّوَوِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ لَهُ عَلى تَوَقُّفِهِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالقَطِيعَةِ فَقالَ أبُو زَرْعَةَ: يَنْبَغِي أنْ تَخْتَصَّ بِالإساءَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: هي تَرْكُ
صفحة 71
الإحْسانِ ولَوْ بِدُونِ إساءَةٍ لِأنَّ الأحادِيثَ آمِرَةٌ بِالصِّلَةِ ناهِيَةٌ عَنِ القَطِيعَةِ ولا واسِطَةَ بَيْنَهُما، والصِّلَةُ إيصالُ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الإحْسانِ كَما فَسَّرَها بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ فالقَطِيعَةُ ضِدُّها فَهي تَرْكُ الإحْسانِ. ونَظَرَ فِيهِ الهَيْثَمِيُّ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ العُقُوقِ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَ أحَدِ أبَوَيْهِ ما لَوْ فَعَلَهُ مَعَ أجْنَبِيٍّ كانَ مُحَرَّمًا صَغِيرَةً فَيَنْتَقِلُ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما كَبِيرَةً وإنَّ الأبَوَيْنِ أعْظَمُ مِن بَقِيَّةِ الأقارِبِ ثُمَّ قالَ: فالَّذِي يَتَّجِهُ لِيُوافِقَ كَلامَهم وفَرَقَهم بَيْنَ العُقُوقِ وقَطْعِ الرَّحِمِ أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ أنْ يَفْعَلَ مَعَ أحَدِ الأبَوَيْنِ ما يَتَأذّى بِهِ فَإنْ كانَ التَّأذِّي لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا كانَ كَبِيرَةً وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لَوْ فَعَلَهُ مَعَ الغَيْرِ وبِالثّانِي قَطْعُ ما ألِفَ القَرِيبُ مِنهُ مِن سابِقِ الوَصْلَةِ والإحْسانِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ لِأنَّ قَطْعَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى إيحاشِ القُلُوبِ وتَأذِّيها، فَلَوْ فُرِضَ أنَّ قَرِيبَهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إحْسانٌ ولا إساءَةٌ قَطُّ لَمْ يَفْسُقْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأبَوَيْنِ إذا فُرِضَ ذَلِكَ في حَقِّهِما مِن غَيْرِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهُما ما يَقْتَضِي التَّأذِّي العَظِيمَ لِغِناهُما مَثَلًا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً فَأوْلى بَقِيَّةُ الأقارِبِ ولَوْ فُرِضَ أنَّ الإنْسانَ لَمْ يَقْطَعْ عَنْ قَرِيبِهِ ما ألِفَهُ مِنهُ مِنَ الإحْسانِ لَكِنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مُحَرَّمًا صَغِيرَةً أوْ قَطَّبَ في وجْهِهِ أوْ لَمْ يَقُمْ لَهُ في مَلَأٍ ولا عَبَأ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِسْقًا بِخِلافِهِ مَعَ أحَدِ الأبَوَيْنِ لِأنَّ تَأكُّدَ حَقِّهِما اقْتَضى أنْ يَتَمَيَّزا عَلى بَقِيَّةِ الأقارِبِ بِما لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِيهِمْ وعَلى ضَبْطِ الثّانِي بِما ذَكَرْتُهُ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الإحْسانُ الَّذِي ألِفَهُ مِنهُ قَرِيبُهُ مالًا أوْ مُكاتَبَةً أوْ مُراسَلَةً أوْ زِيارَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَطْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ فِعْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرِ كَبِيرَةٌ، ويَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِالعُذْرِ في المالِ فَقْدُ ما كانَ يَصِلُهُ بِهِ أوْ تَجَدُّدُ احْتِياجِهِ إلَيْهِ أوْ أنْ يَنْدُبَهُ الشّارِعُ إلى تَقْدِيمِ غَيْرِ القَرِيبِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أحْوَجَ أوْ أصْلَحَ، فَعَدَمُ الإحْسانِ إلى القَرِيبِ أوْ تَقْدِيمُ الأجْنَبِيِّ عَلَيْهِ لِهَذا العُذْرِ يَرْفَعُ عَنْهُ وإنِ انْقَطَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما ألِفَهُ مِنهُ القَرِيبُ لِأنَّهُ إنَّما راعى أمْرَ الشّارِعِ بِتَقْدِيمِ الأجْنَبِيِّ عَلَيْهِ، وواضِحٌ أنَّ القَرِيبَ لَوْ ألِفَ مِنهُ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنَ المالِ يُعْطِيهِ إيّاهُ كُلَّ سَنَةٍ مَثَلًا فَنَقَصَهُ لا يَفْسُقُ بِذَلِكَ بِخِلافِ ما لَوْ قَطَعَهُ مِن أصْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وأمّا عُذْرُ الزِّيارَةِ فَيَنْبَغِي ضَبْطُهُ بِعُذْرِ الجُمُعَةِ لَجامِعِ أنَّ كُلًّا فَرْضُ عَيْنٍ وتَرْكَهُ كَبِيرَةً وأمّا عُذْرُ تَرْكِ المُكاتَبَةِ والمُراسَلَةِ فَهو أنْ لا يَجِدَ مَن يَثِقُ بِهِ في أداءِ ما يُرْسِلُهُ مَعَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا تَرَكَ الزِّيارَةَ الَّتِي أُلِفَتْ مِنهُ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ لِعُذْرٍ لا يَلْزَمُهُ قَضاؤُها في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوْلادُ والأعْمامُ مِنَ الأرْحامِ وكَذا الخالَةُ فَيَأْتِي فِيهِمْ وفِيها ما تَقَرَّرَ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ قَطْعِهِمْ وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ، وأمّا قَوْلُ الزَّرْكَشِيِّ: صَحَّ في الحَدِيثِ أنَّ الخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ وأنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ، وقَضِيَّتَهُما أنَّهُما مِثْلُ الأبِ والأُمِّ حَتّى في العُقُوقِ فَبَعِيدٌ جِدًّا ويَكْفِي مُشابَهَتُهُما في أمْرٍ ما كالحَضانَةِ تَثْبُتُ لِلْخالَةِ كَما تَثْبُتُ لِلْأُمِّ وكَذا المَحْرَمِيَّةُ وكالإكْرامِ في العَمِّ والمَحْرَمِيَّةِ وغَيْرِهِما مِمّا ذُكِرَ انْتَهى المُرادُ مِنهُ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ الصَّغِيرَةَ تَعُدُّ كَبِيرَةً لَوْ فُعِلَتْ مَعَ القَرِيبِ لَكِنَّها دُونَ ما لَوْ فُعِلَتْ مَعَ أحَدِ الأبَوَيْنِ لَمْ يَبْعُدْ عِنْدِي لِتَفاوُتِ قُبْحِ السَّيِّئاتِ بِحَسَبِ الإضافاتِ بَلْ لا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قُبْحُ قَطْعِ الرَّحِمِ مُتَفاوِتًا بِاعْتِبارِ الشَّخْصِ القاطِعِ وبِاعْتِبارِ الشَّخْصِ المَقْطُوعِ ومَتى سُلِّمَ التَّفاوُتُ فَلْيَقُلْ بِهِ في العُقُوقِ ويَكُونُ عُقُوقُ الأُمِّ أقْبَحَ مِن عُقُوقِ الأبِ وكَذا عُقُوقُ الوَلَدِ الَّذِي يَعْبَأُ بِهِ أقْبَحُ مِن عُقُوقِ الوَلَدِ الَّذِي لا يَعْبَأُ بِهِ ويَتَفَرَّعُ مِن ذَلِكَ ما يَتَفَرَّعُ مِمّا لا يَخْفى عَلى فَقِيهٍ. واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى مَنعِ بَيْعِ أُمِّ الوَلَدِ. رَوى الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ. وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ عُمَرَ إذْ سَمِعَ صائِحًا فَسَألَ فَقِيلَ: جارِيَةٌ مِن قُرَيْشٍ تُباعُ أُمُّها فَأرْسَلَ يَدْعُو المُهاجِرِينَ والأنْصارَ فَلَمْ تَمْضِ ساعَةٌ حَتّى امْتَلَأتِ الدّارُ والحُجْرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ فَهَلْ تَعْلَمُونَهُ كانَ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القَطِيعَةُ قالُوا: لا قالَ: فَإنَّها قَدْ أصْبَحَتْ فِيكم فاشِيَّةً ثُمَّ قَرَأ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏
صفحة 72
ثُمَّ قالَ: وأيُّ قَطِيعَةٍ أقْطَعُ مِن أنْ تُباعَ أُمُّ امْرِئٍ فِيكم قالُوا: فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ فَكَتَبَ في الآفاقِ أنْ لا تُباعَ أُمُّ حُرٍّ فَإنَّها قَطِيعَةُ رَحِمٍ وأنَّهُ لا يَحِلُّ، واسْتُدِلَّ بِها أيْضًا عَلى جَوازِ لَعْنِ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ، نَقَلَ البَرْزَنْجِيُّ في الإشاعَةِ والهَيْثَمِيُّ في الصَّواعِقِ أنَّ الإمامَ أحْمَدَ لَمّا سَألَهُ ولَدُهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ لَعْنِ يَزِيدَ قالَ: كَيْفَ لا يُلْعَنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ؟ ! فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ لَعْنَ يَزِيدَ فَقالَ الإمامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ الآيَةَ وأيُّ فَسادٍ وقَطِيعَةٍ أشَدُّ مِمّا فَعَلَهُ يَزِيدُ انْتَهى.

وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ لَعْنِ العاصِي المُعَيَّنِ مِن جَماعَةٍ لُعِنُوا بِالوَصْفِ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ المُعَيَّنِ فاسِقًا كانَ أوْ ذِمِّيًّا حَيًّا كانَ أوْ مَيِّتًا ولَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ لِاحْتِمالِ أنْ يُخْتَمَ لَهُ أوْ خُتِمَ لَهُ بِالإسْلامِ بِخِلافِ مَن عُلِمَ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ كَأبِي جَهْلٍ.

وذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ السَّرّاجُ البُلْقِينِيُّ إلى جَوازِ لَعْنِ العاصِي المُعَيَّنِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «(إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَأبَتْ أنْ تَجِيءَ فَباتَ غَضْبانَ لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ) وفي رِوايَةٍ (إذا باتَتِ المَرْأةُ مُهاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ)» واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ لَعْنُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاها لَيْسَ بِالخُصُوصِ بَلْ بِالعُمُومِ بِأنْ يَقُولُوا: لَعْنُ اللَّهِ مَن باتَتْ مُهاجِرَةً فِراشَ زَوْجِها بِعِيدٌ وإنْ بَحَثَ بِهِ مَعَهُ ولَدُهُ الجَلالُ البُلْقِينِيُّ.

وفِي الزَّواجِرِ لَوِ اسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ «(أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ في وجْهِهِ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَن فَعَلَ هَذا)» لَكانَ أظْهَرَ إذِ الإشارَةُ بِهَذا صَرِيحَةٌ في لَعْنِ مُعَيَّنٍ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ وفِيهِ ما فِيهِ انْتَهى.

وعَلى هَذا القَوْلِ لا تَوَقُّفَ في لَعْنِ يَزِيدَ لِكَثْرَةِ أوْصافِهِ الخَبِيثَةِ وارْتِكابِهِ الكَبائِرَ في جَمِيعِ أيّامِ تَكْلِيفِهِ ويَكْفِي ما فَعَلَهُ أيّامَ اسْتِيلائِهِ بِأهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ «(اللَّهُمَّ مَن ظَلَمَ أهْلَ المَدِينَةِ وأخافَهم فَأخِفْهُ وعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ)».

والطّامَّةُ الكُبْرى ما فَعَلَهُ بِأهْلِ البَيْتِ ورِضاهُ بِقَتْلِ الحُسَيْنِ عَلى جَدِّهِ وعَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِبْشارُهُ بِذَلِكَ وإهانَتُهُ لِأهْلِ بَيْتِهِ مِمّا تَواتَرَ مَعْناهُ وإنْ كانَتْ تَفاصِيلُهُ آحادًا.

وفِي الحَدِيثِ «(سِتَّةٌ لَعَنْتُهم وفي رِوايَةٍ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وكُلُّ نَبِيٍّ مُجابِ الدَّعْوَةِ: المُحَرِّفُ لِكِتابِ اللَّهِ- وفي رِوايَةٍ-: الزّائِدُ في كِتابِ اللَّهِ والمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ والمُتَسَلِّطُ بِالجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَن أذَلَّ اللَّهُ ويُذِلَّ مَن أعَزَّ اللَّهُ والمُسْتَحِلُّ مِن عِتْرَتِي والتّارِكُ لِسُنَّتِي)».

وقَدْ جَزَمَ بِكَفْرِهِ وصَرَّحَ بِلَعْنِهِ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهُمُ الحافِظُ ناصِرُ السُّنَّةِ ابْنُ الجَوْزِيِّ وسَبَقَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، وقالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: لا نَتَوَقَّفُ في شَأْنِهِ بَلْ في إيمانِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى أنْصارِهِ وأعْوانِهِ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِلَعْنِهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وفي تارِيخِ ابْنِ الوَرْدِيِّ وكِتابِ الوافِي بِالوَفِيّاتِ أنَّ السَّبْيَ لَمّا ورَدَ مِنَ العِراقِ عَلى يَزِيدَ خَرَجَ فَلَقِيَ الأطْفالَ والنِّساءَ مِن ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والرُّؤُوسُ عَلى أطْرافِ الرِّماحِ وقَدْ أشْرَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ جِيرُونَ فَلَمّا رَآهم نَعَبَ غُرابٌ فَأنْشَأ يَقُولُ:

لَمّا بَدَتْ تِلْكَ الحَمُولُ وأشْرَفَتْ تِلْكَ الرُّؤُوسُ عَلى شَفا جِيرُونَ

نَعَبَ الغُرابُ فَقُلْتُ قُلْ أوْ لا تَقُلْ ∗∗∗ فَقَدِ اقْتَضَيْتُ مِنَ الرَّسُولِ دُيُونِي

صفحة 73
يَعْنِي أنَّهُ قَتَلَ بِمَن قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ كَجَدِّهِ عُتْبَةَ وخالِهِ ولَدِ عُتْبَةَ وغَيْرِهِما وهَذا كُفْرٌ صَرِيحٌ فَإذا صَحَّ عَنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ ومِثْلُهُ تَمَثُّلُهُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى قَبْلَ إسْلامِهِ:

لَيْتَ أشْياخِي. الأبْياتِ، وأفْتى الغَزالِيُّ عَفا اللَّهُ عَنْهُ بِحُرْمَةِ لَعْنِهِ. وتَعَقَّبَ السَّفارِينِيُّ مِنَ الحَنابِلَةِ نَقْلَ البَرْزَنْجِيِّ والهَيْثَمِيِّ السّابِقَ عَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: المَحْفُوظُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ خِلافُ ما نَقَلا، فَفي الفُرُوعِ ما نَصَّهُ ومِن أصْحابِنا مَن أخْرَجَ الحَجّاجَ عَنِ الإسْلامِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ يَزِيدُ ونَحْوُهُ، ونَصُّ أحْمَدَ خِلافُ ذَلِكَ وعَلَيْهِ الأصْحابُ، ولا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِاللَّعْنَةِ خِلافًا لِأبِي الحُسَيْنِ وابْنِ الجَوْزِيِّ وغَيْرِهِما، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: يَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ الكَراهَةُ، قُلْتُ: والمُخْتارُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الجَوْزِيِّ وأبُو حُسَيْنٍ القاضِي. ومَن وافَقَهُما انْتَهى كَلامُ السَّفارِينِيِّ.

وأبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ أعْظَمَ الفِرْيَةَ فَزَعَمَ أنَّ الحُسَيْنَ قُتِلَ بِسَيْفِ جَدِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَهُ مِنَ الجَهَلَةِ مُوافِقُونَ عَلى ذَلِكَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في كِتابِهِ السِّرِّ المَصُونِ: مِنَ الِاعْتِقاداتِ العامَّةِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلى جَماعَةٍ مُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّ يَزِيدَ كانَ عَلى الصَّوابِ وإنَّ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخْطَأ في الخُرُوجِ عَلَيْهِ ولَوْ نَظَرُوا في السِّيَرِ لَعَلِمُوا كَيْفَ عُقِدَتْ لَهُ البَيْعَةُ وألْزَمَ النّاسَ بِها ولَقَدْ فَعَلَ في ذَلِكَ كُلَّ قَبِيحٍ ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنا صِحَّةَ عَقْدِ البَيْعَةِ فَقَدْ بَدَتْ مِنهُ بِوادٍ كُلُّها تُوجِبُ فَسْخَ العَقْدِ ولا يَمِيلُ إلى ذَلِكَ إلّا كُلُّ جاهِلٍ عامِّيِّ المَذْهَبِ يَظُنُّ أنَّهُ يَغِيظُ بِذَلِكَ الرّافِضَةَ. هَذا ويُعْلَمُ مِن جَمِيعِ ما ذَكَرَهُ اخْتِلافُ النّاسِ في أمْرِهِ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: هو مُسْلِمٌ عاصٍ بِما صَدَرَ مِنهُ مَعَ العِتْرَةِ الطّاهِرَةِ لَكِنْ لا يَجُوزُ لَعْنُهُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: هو كَذَلِكَ ويَجُوزُ لَعْنُهُ مَعَ الكَراهَةِ أوْ بِدُونِها ومِنهم مَن يَقُولُ: هو كافِرٌ مَلْعُونٌ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَعْصِ بِذَلِكَ ولا يَجُوزُ لَعْنُهُ وقائِلُ هَذا يَنْبَغِي أنْ يُنَظَّمَ في سِلْسِلَةِ أنْصارِ يَزِيدَ وأنا أقُولُ: الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ الخَبِيثَ لَمْ يَكُنْ مُصَدِّقًا بِرِسالَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّ مَجْمُوعَ ما فَعَلَ مَعَ أهْلِ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى وأهْلِ حَرَمِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِتْرَتِهِ الطَّيِّبِينَ الطّاهِرِينِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَماتِ وما صَدَرَ مِنهُ مِنَ المَخازِي لَيْسَ بِأضْعَفِ دَلالَةٍ عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ مِن إلْقاءِ ورَقَةٍ مِنَ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ في قَذِرٍ، ولا أظُنُّ أنَّ أمْرَهُ كانَ خافِيًا عَلى أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ ولَكِنْ كانُوا مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ لَمْ يَسَعْهم إلّا الصَّبْرُ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ الخَبِيثَ كانَ مُسْلِمًا فَهو مُسْلِمٌ جَمَعَ مِنَ الكَبائِرِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ، وأنا أذْهَبُ إلى جَوازِ لَعْنِ مِثْلِهِ عَلى التَّعْيِينِ ولَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ مِنَ الفاسِقِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَتُبْ، واحْتِمالُ تَوْبَتِهِ أضْعَفُ مِن إيمانِهِ، ويَلْحَقُ بِهِ ابْنُ زِيادٍ وابْنُ سَعْدٍ وجَماعَةٌ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، وعَلى أنْصارِهِمْ وأعْوانِهِمْ وشِيعَتِهِمْ ومَن مالَ إلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الدِّينِ ما دَمَعَتْ عَيْنٌ عَلى أبِي عَبْدِ اللَّهِ الحُسَيْنِ، ويُعْجِبُنِي قَوْلُ شاعِرِ العَصْرِ ذُو الفَضْلِ الجَلِيِّ عَبْدِ الباقِي أفَنْدِي العُمَرِيِّ المُوصِلِ وقَدْ سُئِلَ عَنْ لَعْنِ يَزِيدَ اللَّعِينِ:

يَزِيدُ عَلى لَعْنِي عَرِيضٌ جَنابُهُ ∗∗∗ فَأغْدُو بِهِ طُولَ المَدى ألْعَنُ اللَّعْنا
ومَن كانَ يَخْشى القالَ والقِيلَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِلَعْنِ ذَلِكَ الضِّلِّيلِ فَلْيَقُلْ: لَعَنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَن رَضِيَ بِقَتْلِ
صفحة 74
الحُسَيْنِ ومَن آذى عِتْرَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِغَيْرِ حَقٍّ ومَن غَصَبَهم حَقَّهم فَإنَّهُ يَكُونُ لاعِنًا لَهُ لِدُخُولِهِ تَحْتَ العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا في نَفْسِ الأمْرِ، ولا يُخالِفُ أحَدٌ في جَوازِ اللَّعْنِ بِهَذِهِ الألْفاظِ ونَحْوِها سِوى ابْنِ العَرَبِيِّ المارِّ ذِكْرُهُ ومُوافَقِيهِ فَإنَّهم عَلى ظاهِرِ ما نُقِلَ عَنْهم لا يُجَوِّزُونَ لَعْنَ مَن رَضِيَ بِقَتْلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَلِكَ لَعَمْرِي هو الضَّلالُ البَعِيدُ الَّذِي يَكادُ يَزِيدُ عَلى ضَلالِ يَزِيدَ

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Then do they not reflect upon the Qur'an, or are there locks upon [their] hearts?

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لا يُلاحِظُونَهُ ولا يَتَصَفَّحُونَهُ وما فِيهِ مِنَ المَواعِظِ والزَّواجِرِ حَتّى لا يَقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المُوبِقاتِ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ وُصُولِ الذِّكْرِ إلَيْها وانْكِشافِ الأمْرِ لَها فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ إذْ وصَلَ إلى قُلُوبِهِمْ أمْ لَمْ يَصِلْ إلَيْها فَتَكُونُ أمْ مُتَّصِلَةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضٍ اخْتِيارُهُ.

وذَهَبَ أبُو حَيّانَ وجَماعَةٌ إلى أنَّها مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ بِتَرْكِ التَّدَبُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِكَوْنِ قُلُوبِهِمْ مُقْفَلَةً لا تَقْبَلُ التَّدَبُّرَ والتَّفَكُّرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، وتَنْكِيرُ القُلُوبِ لِتَهْوِيلِ حالِها وتَفْظِيعِ شَأْنِها وأمْرِها في القَساوَةِ والجَهالَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى قُلُوبٍ مُنْكِرَةٍ لا يُعْرَفُ حالُها ولا يُقادَرُ قَدْرُها في القَساوَةِ وقِيلَ: لِأنَّ المُرادَ قُلُوبُ بَعْضٍ مِنهم وهُمُ المُنافِقُونَ فَتَنْكِيرُها لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّنْوِيعِ كَما قِيلَ، وإضافَةُ الأقْفالِ إلَيْها لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أقْفالٌ مَخْصُوصَةٌ بِها مُناسِبَةٌ لَها غَيْرُ مُجانِسَةٍ لِسائِرِ الأقْفالِ المَعْهُودَةِ، وقُرِئَ (إقْفالُها) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهو مَصْدَرٌ مِنَ الأفْعالِ و(أقْفَلُها) بِالجَمْعِ عَلى أفْعَلُ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Indeed, those who reverted back [to disbelief] after guidance had become clear to them - Satan enticed them and prolonged hope for them.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ رَجَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ نافَقَتْ قُلُوبُهُمْ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما سَلَفَ بِمَرَضِ القُلُوبِ وغَيْرِهِ مِن قَبائِحِ الأحْوالِ فَإنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِالدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ بَعْثَ النَّبِيِّ ﷺ ويَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ثُمَّ يَكْفُرُونَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلَخْ اليَهُودُ ارْتَدَوْا عَنِ الهُدى بَعْدَ أنْ عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيٌّ، والمُخْتارُ ما تَقَدَّمَ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ اسْمُ إنَّ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ خَبَرُها كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا عَمْرٌو مَرَّ بِهِ أيْ سَهَّلَ لَهم رُكُوبَ العَظائِمِ مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الِاسْتِرْخاءُ اسْتُعِيرَ لِلتَّسْهِيلِ أيْ لِعَدِّهِ سَهْلًا هَيِّنًا حَتّى لا يُبالى بِهِ كَأنَّهُ شُبِّهَ بِإرْخاءِ ما كانَ مَشْدُودًا، وقِيلَ: أيْ حَمْلُهم عَلى الشَّهَواتِ مِنَ السَّوَلِ وهو التَّمَنِّي، وأصْلُهُ حَمْلُهم عَلى سُؤْلِهِمْ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ ويَتَمَنَّوْنَهُ فالتَّفْعِيلُ لِلْحَمْلِ عَلى المَصْدَرِ كَغَرَبَهُ إذا حَمَلَهُ عَلى الغُرْبَةِ إلّا أنَّهم جَعَلُوا المَصْدَرَ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ السَّوَلَ بِمَعْنى التَّمَنِّي مِنَ السُّؤالِ فَهو مَهْمُوزٌ والتَّسْوِيلَ واوِيٌّ ومَعْناهُ التَّزْيِينُ فَلا مُناسَبَةَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى فالقَوْلُ بِاشْتِقاقِ سَوَّلَ مِنهُ خَطَأٌ، ورُدَّ بِأنَّ السَّوَلَ مِنَ السُّؤالِ ولَهُ اسْتِعْمالانِ فَيَكُونُ مَهْمُوزًا وهو المَعْرُوفُ ومُعْتَلًّا يُقالُ سَألَ يَسْألُ كَخافَ يَخافُ وقالُوا مِنهُ: يَتَساوَلانِ بِالواوِ فَيَجُوزُ كَوْنُ التَّسْوِيلِ مِنَ السَّوَلِ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ أوْ هو عَلى المَشْهُورَةِ خُفِّفَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ثُمَّ التَزَمَ، ونَظِيرُهُ تَدَيَّرَ مِنَ الدّارِ لِاسْتِمْرارِ
صفحة 75
القَلْبِ في دِيارٍ وكَذَلِكَ تَحَيَّزَ لِاسْتِمْرارِ القَلْبِ في حَيِّزٍ ويَكُونُ مَآلُ المَعْنى عَلى هَذا حَمْلَهم عَلى الشَّهَواتِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( سُوِّلَ لَهُمْ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَيْدُ الشَّيْطانِ سَوَّلَ لَهُمْ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُهُ سَوَّلَ كَيْدُهُ لَهم فَحُذِفَ وقامَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مَقامَهُ فارْتَفَعَ واسْتَتَرَ، قِيلَ: وهو أوْلى لِأنَّهُ تَقْدِيرٌ في وقْتِ الحاجَةِ ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أقَلُّ تَكَلُّفًا.

‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ ومَدَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ في الأمانِي والآمالِ، ومَعْنى المَدِّ فِيها تَوْسِيعُها وجَعْلُها مَمْدُودَةً بِنَفْسِها أوْ بِزَمانِها بِأنْ يُوَسْوِسَ لَهم بِأنَّكم تَنالُونَ في الدُّنْيا كَذا وكَذا مِمّا لا أصْلَ لَهُ حَتّى يَعُوقَهم عَنِ العَمَلِ، وأصْلُ الإمْلاءِ الإبْقاءُ مِلاوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ أيْ بُرْهَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: المَعْنى وعَدَهم بِالبَقاءِ الطَّوِيلِ، وجَعَلَ بَعْضُهم فاعِلَ ( أمْلى ) ضَمِيرَهُ تَعالى، والمَعْنى أمْهَلَهم ولَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ وفِيهِ تَفْكِيكٌ لَكِنْ أُيِّدَ بِقِراءَةِ مُجاهِدٍ وابْنِ هُرْمُزَ والأعْمَشِ وسَلّامٍ ويَعْقُوبَ (وأُمْلِي) بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ مُضارِعُ أمْلى فَإنَّ الفاعِلَ حِينَئِذٍ ضَمِيرُهُ تَعالى عَلى الظّاهِرِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا مَجْهُولًا مِنَ المَزِيدِ سُكِّنَ آخِرُهُ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في بَقِيَ بَقِي بِسُكُونِ الياءِ.

وعَلى الظّاهِرِ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ وأنْ تَكُونَ لِلْحالِ ويُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ بَعْدَها أيْ وأنا أُمْلِي لِئَلّا يَكُونَ شاذًّا كَقُمْتُ وأصَكَّ وجْهَهُ، وجُوِّزَتِ الحالِيَّةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا عَلى جَعْلِ الفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى فَحِينَئِذٍ تُقَدَّرُ قَدْ عَلى المَشْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ والجَحْدَرِيُّ وشَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى (وأُمْلِي) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَلَهُمْ: نائِبُ الفاعِلِ أيْ أُمْهِلُوا ومُدَّ في أعْمارِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّيْطانِ والمَعْنى أمْهَلَ الشَّيْطانُ لَهم أيْ جُعِلَ مِنَ المُنْظَرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأجْلِهِمْ فَفِيهِ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ ضَلالِهِمْ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

That is because they said to those who disliked what Allah sent down, "We will obey you in part of the matter." And Allah knows what they conceal.

‏‏‏ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنِ ارْتِدادِهِمْ لا إلى الإمْلاءِ كَما نُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ ولا إلى التَّسْوِيلِ كَما قِيلَ لِأنَّ شَيْئًا مِنهُما لَيْسَ مُسَبَّبًا مِنَ القَوْلِ الآتِي، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ‏‏‏‏‏ يَعْنِي المُنافِقِينَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ هم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ الكارِهِينَ لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى حَسَدًا وطَمَعًا في نُزُولِهِ عَلى أحَدٍ مِنهم ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ في بَعْضِ أُمُورِكم وأحْوالِكم وهو ما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقِيلَ: في بَعْضِ ما تَأْمُرُونَ بِهِ كالتَّناصُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: القائِلُونَ اليَهُودُ الكافِرُونَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما وجَدُوا نَعْتَهُ الشَّرِيفَ في كِتابِهِمْ، والمَقُولُ لَهُمُ المُنافِقُونَ كانَ اليَهُودُ يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ إذا أعْلَنُوا بِعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُونَ أُولَئِكَ اليَهُودُ والمَقُولُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ كانُوا يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ أيْضًا إذا حارَبُوا. وتُعِقِّبَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ كُفْرَ اليَهُودِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ ولَوْ فُرِضَ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى رَأْيِ القائِلِ بَلْ مِن حَيْثُ إنْكارُهم بَعْثَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ عَرَفُوهُ كَما عَرَفُوا أبْناءَهم وآباءَهُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ القائِلِينَ هُمُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ والمَقُولُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ إخْفاءَهم ما يَقُولُونَهُ لِلْيَهُودِ أوْ كُلَّ قَبِيحٍ ويَدْخُلُ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أسْرارَهُمْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ يَعْلَمُ الأشْياءَ الَّتِي يُسِرُّونَها ومِنها قَوْلُهُمْ:

صفحة 76
هَذا الَّذِي أظْهَرَهُ سُبْحانَهُ لِتَفْضِيحِهِمْ، وقالَ الإمامُ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: المُرادُ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العِلْمِ بِصِدْقِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ،

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Then how [will it be] when the angels take them in death, striking their faces and their backs?

والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، (وكَيْفَ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو العامِلُ في الظَّرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَفْعَلُونَ في حَياتِهِمْ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الحِيَلِ فَكَيْفَ يَفْعَلُونَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَكَيْفَ حالُهم أوْ حِيلَتُهم إذا تَوَفَّتْهم إلَخْ، وزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أنَّ التَّقْدِيرَ فَكَيْفَ عِلْمُهُ تَعالى بِأسْرارِهِمْ إذا تَوَفَّتْهم إلَخْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ووَقْتُ التَّوَفِّي هو وقْتُ المَوْتِ، والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ (تَوَفّاهُمْ) بِالألِفِ بَدَلَ التّاءِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ماضِيًا وأنْ يَكُونَ مُضارِعًا حُذِفَ مِنهُ أحَدُ تاءَيْهِ والأصْلُ تَتَوَفّاهُمْ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ‏‏‏‏‏‏ وضَعَّفَهُ أبُو حَيّانَ، وهو عَلى ما قِيلَ تَصْوِيرٌ لِتَوَفِّيهِمْ عَلى أهْوَلِ الوُجُوهِ وأفْظَعِها وإبْرازٌ لِما يَخافُونَ مِنهُ ويَجْبُنُونَ عَنِ القِتالِ لِأجْلِهِ فَإنَّ ضَرْبَ الوُجُوهِ والأدْبارِ في القِتالِ والجِهادِ مِمّا يُتَّقى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُتَوَفّى أحَدٌ عَلى مَعْصِيَةٍ إلّا تَضْرِبُ المَلائِكَةُ في وجْهِهِ وفي دُبُرِهِ، والكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَهُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُحِسَّ بِالضَّرْبِ مَن حَضَرَ وما ذَلِكَ إلّا كَسُؤالِ المَلَكَيْنِ وسائِرِ أحْوالِ البَرْزَخِ.

والمُرادُ بِالوَجْهِ والدُّبُرِ قِيلَ: العُضْوانِ المَعْرُوفانِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأسْتاهِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَرِيمٌ يُكَنِّي، وقالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ: المُرادُ القُدّامُ والخَلْفُ، وقِيلَ: وقْتُ التَّوَفِّي وقْتُ سَوْقِهِمْ في القِيامَةِ إلى النّارِ والمَلائِكَةُ مَلائِكَةُ العَذابِ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: هو وقْتُ القِتالِ والمَلائِكَةُ مَلائِكَةُ النَّصْرِ تَضْرِبُ وُجُوهَهم إنْ ثَبَتُوا وأدْبارَهم إنْ هَرَبُوا نُصْرَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

That is because they followed what angered Allah and disliked [what earns] His pleasure, so He rendered worthless their deeds.

‏‏‏ التَّوَفِّي الهائِلُ ‏‏‏‏‏ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ما يَرْضاهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الإيمانِ والطّاعاتِ حَيْثُ كَفَرُوا بَعْدَ الإيمانِ وخَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ بِما صَنَعُوا مِنَ المُعامَلَةِ مَعَ إخْوانِهِمُ اليَهُودِ، وقِيلَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ كِتْمانُ نَعْتِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورِضْوانُهُ ما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ، ولَمّا كانَ اتِّباعُ ما أسْخَطَ اللَّهَ تَعالى مُقْتَضِيًا لِلتَّوَجُّهِ ناسَبَ ضَرْبَ الوَجْهِ، وكَراهَةُ رِضْوانِهِ سُبْحانَهُ مُقْتَضِيًا لِلْإعْراضِ ناسَبَ ضَرْبَ الدُّبُرِ فَفي الكَلامِ مُقابَلَةٌ بِما يُشْبِهُ اللَّفَّ والنَّشْرَ ‏‏‏‏‏ لِذَلِكَ ‏‏‏‏‏‏ الَّتِي عَمِلُوها حالَ إيمانِهِمْ مِنَ الطّاعاتِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما كانَ بَعْدُ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي لَوْ عَمِلُوها حالَ الإيمانِ لانْتَفَعُوا بِها.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Or do those in whose hearts is disease think that Allah would never expose their [feelings of] hatred?

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ فُصِّلَتْ أحْوالُهُمُ الشَّنِيعَةُ وُصِفُوا بِوَصْفِهِمُ السّابِقِ لِكَوْنِهِ مَدارًا لِما نُعِيَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَأمْ مُنْقَطِعَةٌ وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها، والأضْغانُ جَمْعُ ضِغْنٍ وهو الحِقْدُ وقَيَّدَهُ الرّاغِبُ بِالشَّدِيدِ وقَدْ ضَغِنَ بِالكَسْرِ وتَضاغَنَ القَوْمُ واضْطَغَنُوا أبْطَنُوا الأحْقادَ، ويُقالُ: اضْطَغَنْتُ الصَّبِيَّ إذا أخَذْتَهُ تَحْتَ حِضْنِكَ وأنْشَدَ الأحْمَرُ:

كَأنَّهُ مُضْطَغِنٌ صَبِيًّا
وفَرَسٌ ضاغِنٌ لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مِنَ الجَرْيِ إلّا الضَّرْبُ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الضَّغَنِ وهو الِالتِواءُ والِاعْوِجاجُ في قَوائِمِ الدّابَّةِ والقَناةِ وكُلِّ شَيْءٍ، قالَ بِشْرٌ: كَذاتِ الضَّغَنِ تَمْشِي في الرُّقاقِ. وأنْشَدَ اللَّيْثُ:
صفحة 77

إنَّ قَناتِي مِن صَلِيباتِ القَنا ∗∗∗ ما زادَها التَّثْقِيفُ إلّا ضَغَنا
والحِقْدُ في القَلْبِ يُشَبَّهُ بِهِ: وقالَ اللَّيْثُ، وقُطْرُبُ: الضَّغَنُ العَداوَةُ قالَ الشّاعِرُ:

قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ ما أرَدْتَ بِمَنطِقٍ ∗∗∗ ساءَ الصَّدِيقَ وشَيَّدَ الأضْغانا
وهَذا لا يُنافِي الأوَّلَ لِأنَّ الحِقْدَ العَداوَةُ لِأمْرٍ يُخْفِيهِ المَرْءُ في قَلْبِهِ، والإخْراجُ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإبْرازُ أيْ بَلْ أحْسَبُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ حِقْدٌ وعَداوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهُ لَنْ يُبْرِزَ اللَّهُ تَعالى أحْقادَهم ويُظْهِرَها لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ فَتَبْقى مَسْتُورَةً، والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الِاحْتِمالِ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:20