All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-ʿAnkabūt 29:4 Juzʾ 20 Page 396

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Or do those who do evil deeds think they can outrun Us? Evil is what they judge.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏

أُعْقِبَ تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما يُصِيبُهم مِن فُتُونِ المُشْرِكِينَ وما في ذَلِكَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِزَجْرِ المُشْرِكِينَ عَلى ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ، وأعْظَمُ تِلْكَ السَّيِّئاتِ فُتُونُهُمُ المُسْلِمِينَ. فالمُرادُ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الفاتِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وهَذا ووَعِيدُهم بِأنَّ اللَّهَ لا يُفْلِتُهم. وفي هَذا أيْضًا زِيادَةُ تَثْبِيتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم مِن أعْدائِهِمْ.

فَـ أمْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ ويُقَدَّرُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ إنْكارِيُّ.

والسَّيِّئاتُ: الأعْمالُ السُّوءُ. وهي التَّنْكِيلُ والتَّعْذِيبُ وفُتُونُ المُسْلِمِينَ.

والسَّبْقُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في النَّجاةِ والِانْفِلاتِ كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ:

صفحة ٢٠٧

كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ
وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦٠] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [العنكبوت: ٣٩] ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٤٠] .
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٩] في سُورَةِ الأنْفالِ. والمَعْنى: أمْ حَسِبُوا أنْ قَدْ شَفَوْا غَيْظَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهم بِذَلِكَ غَلَبُوا أوْلِياءَنا فَغَلَبُونا !

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ذَمٌّ لِحُسْبانِهِمْ ذَلِكَ وإبْطالٌ لَهُ. فَهي مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى الإنْكارِ في جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَلَها حُكْمُ التَّوْكِيدِ، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الحُسْبانُ واقِعًا مِنهم، ومَعْنى وُقُوعِهِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ما يُساوِي هَذا الحُسْبانَ؛ لِأنَّهم حِينَ لَمْ يَسْتَطِعِ المُؤْمِنُونَ رَدَّ فِتَنِهِمْ قَدِ اغْتَرُّوا بِأنَّهم غَلَبُوا المُؤْمِنِينَ، وإذْ قَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ دُونَ الأصْنامِ فَمَن غَلَبَهم فَقَدْ حَسِبَ أنَّهُ غَلَبَ مَن يَدْعُونَ إلَيْهِ، وهم لا يَشْعُرُونَ بِهَذا الحُسْبانِ، فافْهَمْهُ.

والحُكْمُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الظَّنِّ والِاعْتِقادِ تَهَكُّمًا بِهِمْ بِأنَّهم نَصَّبُوا أنْفُسَهم مَنصِبَ الَّذِي يَحْكُمُ فَيُطاعُ وما يَحْكُمُونَ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ، أيْ ساءَ الحُكْمُ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ وارِدَةً في شَأْنِ المُشْرِكِينَ المُؤْذِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهي تُشِيرُ إلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن مُشابِهَتِهِمْ في اقْتِرافِ السَّيِّئاتِ اسْتِخْفافًا بِوَعِيدِ اللَّهِ عَلَيْها؛ لِأنَّهم في ذَلِكَ يَأْخُذُونَ بِشَيْءٍ مِن مُشابَهَةِ حُسْبانِ الِانْفِلاتِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ لا يَظُنُّ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّهُ لِإعْراضِهِ عَنِ الوَعِيدِ حِينَ يَقْتَرِفُ السَّيِّئَةَ.

The same ayah, in another commentary

Al-ʿAnkabūt 29:4