All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-ʿAnkabūt 29:62 Juzʾ 21 Page 403

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Allah extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allah is, of all things, Knowing.

Read in the muṣḥaf

صفحة ٢٧
‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏
هَذا إلْزامٌ آخَرُ لَهم بِإبْطالِ شِرْكِهِمْ وافْتِضاحِ تَناقِضِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمْ مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١]، إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وإنَّما جاءَ أُسْلُوبُ هَذا الِاسْتِدْلالِ مُخالِفًا لِأُسْلُوبِ الَّذِي قَبْلَهُ والَّذِي بَعْدَهُ، فَعَدَلَ عَنْ تَرْكِيبِ ولَئِنْ سَألْتَهم تَفَنُّنًا في الأسالِيبِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ.

وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالرِّزْقِ التَّذْكِيرُ بِأنَّهُ تَعالى يَرْزُقُ عِبادَهُ عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ المُخْتارُ في تَصَرُّفِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى مَقادِيرِ حاجاتِهِمْ ولا عَلى ما يَبْدُو مِنَ الِانْتِفاعِ بِما يُرْزَقُونَهُ.

وبَسْطُ الرِّزْقِ: إكْثارُهُ، وقَدْرُهُ: تَقْلِيلُهُ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ الرّازِقُ لِأحْوالِ الرِّزْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧] فَجَمَعَ بَيْنَ ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ في أوَّلِها وبَيْنَ كَوْنِ الآياتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في آخِرِها.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ اللَّهُ لا غَيْرُهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ويَقْدِرُ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ البَسْطِ والقَدْرِ.

وزِيادَةُ لَهُ بَعْدَ ويَقْدِرُ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ آيَةِ سُورَةِ الرَّعْدِ وآيَةِ القَصَصِ لِلتَّعْرِيضِ بِتَبْصِيرِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ابْتُلُوا في أمْوالِهِمْ مِنِ اعْتِداءِ المُشْرِكِينَ عَلَيْها كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ آنِفًا: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٦٠] بِأنَّ ذَلِكَ القَدْرَ في الرِّزْقِ هو لَهم لا عَلَيْهِمْ؛ لِما يَنْجَرُّ لَهم مِنهُ مِنَ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، فَغُلِّبَ في هَذا الغَرَضِ جانِبُ المُؤْمِنِينَ؛ ولِهَذا لَمْ يُعَدَّ يَقْدِرُ بِحَرْفِ ”عَلى“ كَما هو مُقْتَضى مَعْنى القَدْرِ

صفحة ٢٨
كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الطلاق: ٧] . وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُشْرِكِينَ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ بِالفَقْرِ، وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنْ هاجَرْنا لَمْ نَجِدْ ما نُنْفِقُ.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ عائِدٌ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَن يَشاءُ عامٌّ لَيْسَ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ لا سِيَّما وقَدْ بَيَّنَ عُمُومَهُ بِقَوْلِهِ: مِن عِبادِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِفَرِيقٍ ويَقْدِرُ لِفَرِيقٍ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جارٍ عَلى حِكْمَةٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها النّاسُ، وأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ صَبْرَ الصّابِرِينَ وجَزَعَ الجازِعِينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٣]، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٨٦] .

The same ayah, in another commentary

Al-ʿAnkabūt 29:62