All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

An-Naḥl 16:127 Juzʾ 14 Page 281

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And be patient, [O Muhammad], and your patience is not but through Allah. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.

Read in the muṣḥaf

(p-٥٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْرَفَ عَلى حَمْزَةَ، فَرَآهُ صَرِيعًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، فَقالَ: " واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم "، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ، بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ . . " إلى آخِرِها، فَصَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ»، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وجُدِعَتْ أُذُناهُ، فَقالَ: " لَوْلا أنْ تَحْزَنَ النِّساءُ، أوْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِن بُطُونِ السِّباعِ والطَّيْرِ، ولَأقْتُلَنَّ مَكانَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم " فَنَزَلَ قَوْلُهُ: " ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏» . ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَئِذٍ: " «لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقاتِلِ حَمْزَةَ لَأُمَثِّلَنَّ بِهِ مُثْلَةً تَتَحَدَّثُ بِها العَرَبُ» "، وكانَتْ هِنْدٌ وآخَرُونَ مَعَها قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ مِنهم حَمْزَةُ، ومَثَّلُوا بِقَتْلاهم، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، لَنَزِيدَنَّ عَلى عِدَّتِهِمْ مَرَّتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. (p-٥٠٨)وَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَئِنْ أمْكَنَنا اللَّهُ مِنهم، لَنُمَثِّلَنَّ بِالأحْياءِ فَضْلًا عَنِ الأمْواتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، فَمَثِّلُوا بِالأمْواتِ، كَما مَثَّلُوا بِأمْواتِكم. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما سَمّى فِعْلَ المُشْرِكِينَ مُعاقَبَةً وهُمُ ابْتَدَؤُوا بِالمُثْلَةِ، لِيَزْدَوِجَ اللَّفْظانِ، فَيَخِفَّ عَلى اللِّسانِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشُّورى:٤٠] .

فَصْلٌ

واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ هَذِهِ [الآيَةُ] مَنسُوخَةٌ، أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ (بَراءَةٍ) فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ولا يَبْدَأُ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وأُمِرَ بِالجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَنِ القِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ هَذا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ:٥] .

والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ فِيمَن ظُلِمَ ظُلامَةً، فَلا يَحْلُّ لَهُ أنْ يَنالَ مِن ظالِمِهِ أكْثَرَ مِمّا نالَهُ الظّالِمُ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: ولَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُثْلَةِ، لا عَنِ القِتالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ. وهَذا أمْرٌ بِالعَزِيمَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: عَلى كُفّارِ مَكَّةَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ولا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

(p-٥٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِنَصْبِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " في ضِيقٍ " بِكَسْرِ الضّادِ هاهُنا وفي (النَّمْلِ:٧٠) . قالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِفَتْحِ الضّادِ: ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ: ما يَكُونُ في الَّذِي يَضِيقُ ويَتَّسِعُ، مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ وأشْباهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّيْقُ: تَخْفِيفُ ضَيِّقٍ، مِثْلُ: هَيْنٍ ولَيْنٍ، وهو، إذا كانَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ. قالَ: ويُقالُ: مَكانٌ ضَيْقٌ وضَيِّقٌ، بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: رَطْلٌ ورِطْلٌ، وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ. فَأمّا مَكْرُهُمُ المَذْكُورُ هاهُنا، فَقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فِعْلُهم وعَمَلُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ما نَهاهم عَنْهُ، وأحْسَنُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، بِالعَوْنِ والنَّصْرِ.

The same ayah, in another commentary

An-Naḥl 16:127