All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

An-Naḥl 16:127 Juzʾ 14 Page 281

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ خُصَّ النَّبِيءُ ﷺ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَقامَهُ أعْلى، فَهو بِالتِزامِ الصَّبْرِ أوْلى؛ أخْذًا بِالعَزِيمَةِ بَعْدَ أنْ رَخَّصَ لَهم في المُعاقَبَةِ.
وجُمْلَةُ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، أيْ وما يَحْصُلُ صَبْرُكَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إيّاكَ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ صَبْرَ النَّبِيءِ ﷺ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهُ لَقِيَ مِن أذى المُشْرِكِينَ أشَدَّ مِمّا لَقِيَهُ عُمُومُ المُسْلِمِينَ، فَصَبْرُهُ لَيْسَ كالمُعْتادِ، لِذَلِكَ كانَ حُصُولُهُ بِإعانَةٍ مِنَ اللَّهِ.
وحَذَّرَهُ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا كَقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٣].

ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأنْ لا يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن مَكْرِهِمْ. وهَذِهِ أحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ تَحْصُلُ في النَّفْسِ بِاخْتِلافِ الحَوادِثِ المُسَبِّبَةِ لَها؛ فَإنَّهم كانُوا يُعامِلُونَ النَّبِيءَ مَرَّةً بِالأذى عَلَنًا، ومَرَّةً بِالإعْراضِ عَنِ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ، وإظْهارِ أنَّهم يَغِيظُونَهُ بِعَدَمِ مُتابَعَتِهِ، وآوِنَةً بِالكَيْدِ والمَكْرِ لَهُ، وهو تَدْبِيرُ الأذى في خَفاءٍ.

والضَّيْقُ: بِفَتْحِ الضّادِ، وسُكُونِ الياءِ مَصْدَرُ (ضاقَ)، مِثْلُ السَّيْرِ والقَوْلِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ.

ويُقالُ: الضِّيقُ بِكَسْرِ الضّادِ مِثْلُ: القِيلِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، والمُرادُ ضِيقُ النَّفَسِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْجَزَعِ والكَدَرِ، كَما اسْتُعِيرَ ضِدُّهُ، وهو السَّعَةُ والِاتِّساعُ لِلِاحْتِمالِ والصَّبْرِ، يُقالُ: فُلانٌ ضَيِّقُ الصَّدْرِ، قالَ تَعالى في آخِرِ الحِجْرِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجر: ٩٧]، ويُقالُ: سَعَةُ الصَّدْرِ.

والظَّرْفِيَّةُ في ضِيقٍ مَجازِيَّةٌ، أيْ لا يُلابِسُكَ ضِيقُ مُلابَسَةِ الظَّرْفِ لِلْحالِّ فِيهِ.

و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن مَكْرِهِمْ، واخْتِيرَ الفِعْلُ المُنْسَبِكُ إلى مَصْدَرٍ؛ لِما يُؤْذِنُ بِهِ الفِعْلُ المُضارِعُ مِنَ التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ.