قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ يَعْنِي: الكُتُبَ "فَمِنهُمْ" يَعْنِي: مِنَ الذُّرِّيَّةِ ﴿ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كافِرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي عاصُونَ قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ أيْ: أتْبَعْنا عَلى آثارِ نُوحٍ، وإبْراهِيمَ، وذُرِّيَّتِهِما "بِعِيسى" وكانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، ﴿ ﴾ يَعْنِي: الحَوارِيِّينَ وغَيْرَهم مِن أتْباعِهِ عَلى دِينِهِ "رَأْفَةً" وقَدْ سَبَقَ بَيانُها [النُّورِ: ٢] مُتَوادِّينَ، كَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى أصْحابَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ تَعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ لَيْسَ هَذا مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وإنَّما انْتَصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: وابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، أيْ: جاؤُوا بِها مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، وهي غُلُوُّهم في العِبادَةِ، وحَمْلُ المَشاقِّ عَلى أنْفُسِهِمْ في الِامْتِناعِ عَنِ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والنِّكاحِ، والتَّعَبُّدُ في الجِبالِ ﴿ ﴾ أيْ: ما فَرَضْناها عَلَيْهِمْ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿﴾ وتَقْدِيرُهُ: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا أنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، والرُّمّانِيُّ عَنْ قَتادَةَ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ﴾ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ أحَدُهُما: ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيها تَطَوُّعًا إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. قالالحَسَنُ: تَطَوَّعُوا بِابْتِداعِها ثُمَّ كَتَبَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ألْزَمُوا أنْفُسَهم ذَلِكَ التَّطَوُّعَ لَزِمَهم إتْمامُهُ، كَما أنَّ الإنْسانَ إذا جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ صَوْمًا لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أنْ يُتِمَّهُ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والِابْتِداعُ قَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ، (p-١٧٧)وَهُوَ ما يَنْذِرُهُ ويُوجِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِالفِعْلِ بِالدُّخُولِ فِيهِ. وعُمُومُ الآيَةِ تَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَدَعَ قُرْبَةً، قَوْلًا، أوْ فِعْلًا، فَعَلَيْهِ رِعايَتُها وإتْمامُها. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ما أمَرْناهم مِنها إلّا بِما يُرْضِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لا غَيْرَ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، قالَهُ الجُمْهُورُ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم ما رَعَوْها لِتَبْدِيلِ دِينِهِمْ وتَغْيِيرِهِمْ لَهُ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ. والثّانِي: لِتَقْصِيرِهِمْ فِيما ألْزَمُوهُ أنْفُسَهم. والثّالِثُ: لِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا بُعِثَ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُبْتَدِعِي الرَّهْبانِيَّةِ في رَهْبانِيَّتِهِمْ، ما رَعَوْها بِسُلُوكِ طَرِيقٍ أوَّلِيهِمْ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﴿ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
والثّانِي: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا: المُؤْمِنُونَ بِعِيسى، والفاسِقُونَ: المُشْرِكُونَ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا: مُبْتَدِعُو الرَّهْبانِيَّةِ، والفاسِقُونَ: مُتَّبِعُوهم عَلى غَيْرِ القانُونِ الصَّحِيحِ.