All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Anbiyāʾ 21:112 Juzʾ 17 Page 331

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

[The Prophet] has said, "My Lord, judge [between us] in truth. And our Lord is the Most Merciful, the one whose help is sought against that which you describe."

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حِكايَةُ لِدُعائِهِ ﷺ . وقَرَأ الأكْثَرُ (قُلْ ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ. والحُكْمُ القَضاءُ. والحَقُّ العَدْلُ أيْ رَبِّ اقْضِ بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ بِالعَدْلِ المُقْتَضِي لِتَعْجِيلِ العَذابِ والتَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ فَهو دُعاءٌ بِالتَّعْجِيلِ والتَّشْدِيدِ وإلّا فَكُلُّ قَضائِهِ تَعالى عَدْلٌ وحَقٌّ. وقَدِ اسْتُجِيبَ ذَلِكَ حَيْثُ عُذِّبُوا بِبَدْرٍ أيَّ تَعْذِيبٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( رَبُّ ) بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مُنادى مُفْرَدٍ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ حَذْفَ حَرْفِ النِّداءِ مِنِ اسْمِ الجِنْسِ شاذٌّ بابُهُ الشِّعْرُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُنادى مُفْرَدٍ بَلْ هو مُنادى مُضافٌ إلى الياءِ حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وبُنِيَ عَلى الضَّمِّ كَقَبْلُ وبَعْدُ وذَلِكَ لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ في المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ حالَ نِدائِهِ ولا شُذُوذَ فِيهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنَ ( رَبِّي ) بِياءٍ ساكِنَةٍ ( أحْكَمُ ) عَلى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ أيْ أنْفَذُ أوْ أعْدَلُ حُكْمًا أوْ أعْظَمُ حِكْمَةً. فَرَبِّي أحْكَمُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (أحْكَمَ ) فِعْلًا ماضِيًا ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ. وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِلرَّحْمَنِ بِناءً عَلى إجْرائِهِ مُجْرى العَلَمِ.

وإضافَةُ الرَّبِّ فِيما سَبَقَ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ خاصَّةٌ لِما أنَّ الدُّعاءَ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أنَّ إضافَتَهُ ها هُنا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ المُنْتَظِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا لِما أنَّ الِاسْتِعانَةَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لَهم.

‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مِنَ الحالِ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الشِّرْكَةَ تَكُونُ لَهم وإنَّ رايَةَ الإسْلامِ تَخْفُقُ ثُمَّ تَسْكُنُ وإنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ لَوْ كانَ حَقًّا لَنَزَلَ بِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ فاسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَةَ رَسُولِهِ ﷺ فَخَيَّبَ آمالَهم وغَيَّرَ أحْوالَهم ونَصَرَ أوْلِياءَهُ عَلَيْهِمْ فَأصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ ما أصابَهم، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأ عَلى أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَصِفُونَ ) بِياءِ الغَيْبَةِ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ. هَذا وفي جَعْلِ خاتَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ خاتِمَةً لِسُورَةِ الأنْبِياءِ طِيبٌ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ يَتَضَوَّعُ مِنهُ مِسْكُ الخِتامِ.
* * *
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ قِيلَ ذَلِكَ الرُّشْدُ إيثارُ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وسُئِلَ الجُنَيْدُ مَتّى أتاهُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: حِينَ لا مَتى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ طَلَبَ المُحْتاجِ مِنَ المُحْتاجِ سَفَهٌ في رَأْيِهِ وضَلَّةٌ في عَقْلِهِ اهَـ.

وقالَ حَمْدُونَ القَصّارُ: اسْتِعانَةُ الخَلْقِ بِالخَلْقِ كاسْتِعانَةِ المَسْجُونِ بِالمَسْجُونِ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: كانَ ذَلِكَ لِسَلامَةِ قَلْبِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وخُلُوِّهِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الأسْبابِ وصِحَّةِ
صفحة 109
تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ألَكَ حاجَةٌ ؟ أمّا إلَيْكَ فَلا ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ فَكَمْ مِن صَغِيرٍ أفْضَلُ مِن كَبِيرٍ بِكَثِيرٍ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قِيلَ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿وعِلْمًا﴾ مَعْرِفَةً بِأحْكامِ العُبُودِيَّةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قِيلَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَخْلُو في الكُهُوفِ لِذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ فَيُشارِكُهُ في ذَلِكَ الجِبالُ ويُسَبِّحْنَ مَعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الجِبالَ لِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ صُنْعِ الخَلْقِ حالِيَةٌ بِأنْوارِ قُدْرَةِ الحَقِّ يُحِبُّ العاشِقُونَ الخَلْوَةَ فِيها، ولِذا تَحَنَّثَ ﷺ في غارِ حِراءٍ.

واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ الصّالِحِينَ الِانْقِطاعَ لِلْعِبادَةِ فِيها ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ذُكِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ حِينَ قَصَدَتْ دُودَةٌ قَلْبَهُ ودُودَةٌ لِسانَهُ فَخافَ أنْ يُشْغَلَ مَوْضِعُ فِكْرِهِ ومَوْضِعُ ذِكْرِهِ، وقالَ جَعْفَرٌ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِدْعاءً لِلْجَوابِ مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ لِيَسْكُنَ إلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ شَكْوى وكَيْفَ يَشْكُو المُحِبُّ حَبِيبَهُ وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ وقَدْ حَفِظَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدابَ الخِطابِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ رَشْحَةٌ مِن دَنِّ خَمْرِ الدَّلالِ، وذَكَرُوا أنَّ مَقامَ الدَّلِّ دُونَ مَقامِ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ لِعَدَمِ فَناءِ الإرادَةِ فِيهِ ولِذا نادى عَلَيْهِ السَّلامُ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ حَيْثُ اخْتَلَجَ في سِرِّي أنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ ما أرَدْتَ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ ولَدًا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِإفْشاءِ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ إلَيْهِ فَإنَّ العارِفَ مَتى كانَ فَرْدًا غَيْرَ واجِدٍ مَن يُفْشِي إلَيْهِ السِّرَّ ضاقَ ذَرْعُهُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قِيلَ أيْ رَغْبَةً فِينا ورَهْبَةً عَمّا سِوانا أوْ رَغْبَةً في لِقائِنا ورَهْبَةً مِنَ الِاحْتِجابِ عَنّا ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

قالَ أبُو يَزِيدَ: الخُشُوعُ خُمُودُ القَلْبِ عَنِ الدَّعاوى، وقِيلَ الفَناءُ تَحْتَ أذْيالِ العَظَمَةِ ورِداءِ الكِبْرِياءِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ العالَمِينَ جَمِيعُ الخَلْقِ وهو ﷺ رَحْمَةٌ لِكُلٍّ مِنهم إلّا أنَّ الحُظُوظَ مُتَفاوِتَةٌ ويَشْتَرِكُ الجَمِيعُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِوُجُودِهِمْ بَلْ قالُوا: إنَّ العالَمَ كُلَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُورِهِ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِيِّ النّابُلْسِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في قَوْلِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ:

طَهَ النَّبِيُّ تَكَوَّنَتْ مِن نُورِهِ كُلُّ الخَلِيقَةِ ثُمَّ لَوْ تُرِكَ القَطا
وأشارَ بِقَوْلِهِ لَوْ تُرِكَ القَطا إلى أنَّ الجَمِيعَ مِن نُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجْهُ الِانْقِسامِ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ بَعْدَ تَكَوُّنِهِ فَتَأمَّلْ. هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ حَظَّنا مِن رَحْمَتِهِ الحَظَّ الوافِرَ وأنْ يُيَسِّرَ لَنا أُمُورَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِلُطْفِهِ المُتَواتِرِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anbiyāʾ 21:112