All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Fāṭir 35:8 Juzʾ 22 Page 435

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allah sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allah is Knowing of what they do.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَمّا جَرى تَحْذِيرُ النّاسِ مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ وإيقاظُهم إلى عَداوَتِهِ لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وتَقْسِيمُ النّاسِ إلى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ انْطَلَتْ عَلَيْهِ مَكائِدُ الشَّيْطانِ واغْتَرُّوا بِغُرُورِهِ ولَمْ يُناصِبُوهُ العَداءَ، وفَرِيقٍ أخَذُوا حِذْرَهم مِنهُ واحْتَرَسُوا مِن كَيْدِهِ وتَجَنَّبُوا السَّيْرَ في مَسالِكِهِ، ثُمَّ تَقْسِيمُهم إلى كافِرٍ مُعَذَّبٍ ومُؤْمِنٍ صالِحٍ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِالإيماءِ إلى اسْتِحْقاقِ حِزْبِ الشَّيْطانِ عَذابَ السَّعِيرِ، وبِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى مَن لَمْ يَخْلُصُوا مِن حَبائِلِ الشَّيْطانِ مِن أُمَّةِ دَعْوَتِهِ بِأُسْلُوبِ المُلاطَفَةِ في التَّسْلِيَةِ فَفَرَّعَ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ قَوْلَهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فابْتِداؤُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ رَبْطٌ لَهُ بِما تَقَدَّمَ لِيَعُودَ الذِّهْنُ إلى ما حُكِيَ مِن أحْوالِهِمْ، فالتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ثُمَّ بِإبْرازِ الكَلامِ المُفَرَّعِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، واجْتِلابِ المَوْصُولِ الَّذِي تُومِئُ صِلَتُهُ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ المَقْصُودِ، فَأُشِيرَ إلى أنَّ وُقُوعَهُ في هَذِهِ الحالَةِ ناشِئٌ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ، فالمُزَيِّنُ لِلْأعْمالِ السَّيِّئَةِ هو الشَّيْطانُ قالَ تَعالى ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤] فَرَأوْا أعْمالَهُمُ

صفحة ٢٦٤
السَّيِّئَةَ حَسَنَةً فَعَكَفُوا عَلَيْها ولَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ نَصِيحَةَ ناصِحٍ، ولا رِسالَةَ مُرْسَلٍ.
و”مَن“ مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى جَمْعٍ مِنَ النّاسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الكَلامِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بَلْ ودَلَّ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ هَذا عَلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فاطر: ٦] و”مَن“ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ والخَبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ إيجازًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فاطر: ٧] عَقِبَ قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فاطر: ٦] . فَتَقْدِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِما اسْتَحَقَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ مِنَ العَذابِ: أفَأنْتَ تَهْدِي مَن زُيِّنَ لَهُ عَمَلُهُ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

وتَقْدِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: لا يَحْزُنْكَ مَصِيرُهُ فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏، وفُرِّعَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ فَلا تَفْعَلْ ذَلِكَ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ ذَلِكَ فَإنَّهم أوْقَعُوا أنْفُسَهم في تِلْكَ الحالَةِ بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم ورُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ حَسَنًا وهو مِن فِعْلِ أنْفُسِهِمْ فَلِماذا تَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ.

وهَذا الخَبَرُ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فاطر: ٧] فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكُفْرَ سُوءٌ وأنَّ الإيمانَ حُسْنٌ فَيَكُونُ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ هو الكافِرَ، ويَكُونُ ضِدُّهُ هو المُؤْمِنَ، ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الزمر: ١٩] وفي سُورَةِ الزُّمَرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣٣] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

والتَّزْيِينُ: تَحْسِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ بَعْضَهُ أوْ كُلَّهُ. وقَدْ صَرَّحَ هُنا بِضِدِّهِ في قَوْلِهِ ”سُوءُ عَمَلِهِ“، أيْ صُوِّرَتْ لَهم أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ لِيُقْدِمُوا عَلَيْها بِشَرَهٍ وتَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ النَّمْلِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مُفَرَّعَةٌ، وهي تَقْرِيرٌ

صفحة ٢٦٥
لِلتَّسْلِيَةِ وتَأْيِيسٌ مِنِ اهْتِداءِ مَن لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِيهِ أسْبابَ الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مِن صَحِيحِ النَّظَرِ وإنْصافِ المُجادَلَةِ.
وإسْنادُ الإضْلالِ والهِدايَةِ إلى اللَّهِ بِواسِطَةِ أنَّهُ خالِقُ أسْبابِ الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، وذَلِكَ مِن تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالخَلْقِ، وهو سِرٌّ مِنَ الحِكْمَةِ عَظِيمٌ لا يُدْرَكُ غَوْرُهُ ولَهُ أُصُولٌ وضَوابِطُ سَأُبَيِّنُها في رِسالَةِ القَضاءِ والقَدَرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُفَرَّعَةٌ عَلى المُفَرَّعِ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الَخْ فَتُأوَّلُ إلى التَّفْرِيعِ عَلى الجُمْلَتَيْنِ فَيُأوَّلُ إلى أنْ يَكُونَ النَّظْمُ هَكَذا: أفَتَتَحَسَّرُ عَلى مَن زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ فَرَأوْها حَسَناتٍ واخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الضَّلالِ فَإنَّ اللَّهَ أضَلَّهم بِاخْتِيارِهِمْ وهو قَدْ تَصَرَّفَ بِمَشِيئَتِهِ فَهو أضَلَّهم وهُدى غَيْرَهم بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ الَّتِي شاءَ بِها إيجادَ المَوْجُوداتِ لا بِأمْرِهِ ورِضاهُ الَّذِي دَعا بِهِ النّاسَ إلى الرَّشادِ، ”فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ“ وإنَّما حَسْرَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ إذْ رَضُوا لَها بِاتِّباعِ الشَّيْطانِ ونَبَذُوا اتِّباعَ إرْشادِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنَّهم ورَّطُوا أنْفُسَهم فِيما أوْقَعُوها فِيهِ بِصُنْعِهِمْ.

فاللَّهُ أرْشَدَهم بِإرْسالِ رَسُولِهِ لِيَهْدِيَهم إلى ما يُرْضِيهِ، واللَّهُ أضَلَّهم بِتَكْوِينِ نُفُوسِهِمْ نافِرَةً عَنِ الهُدى تَكْوِينًا مُتَسَلْسِلًا مِن كائِناتٍ جَمَّةٍ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُهُ وكُلُّها مِن مَظاهِرِ حِكْمَتِهِ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ سَلاسِلَ الكائِناتِ عَلى غَيْرِ هَذا النِّظامِ فَلَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، وكُلُّهم مُيَسَّرٌ بِتَيْسِيرِهِ إلى ما يَعْلَمُ مِنهم فَعُدِلَ عَنِ النَّظْمِ المَأْلُوفِ إلى هَذا النَّظْمِ العَجِيبِ. وصِيغَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ والنَّهْيِ التَّثْبِيتِيِّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا الأُسْلُوبِ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الزمر: ١٩] في سُورَةِ الزُّمَرِ، فَإنَّ أصْلَ نَظْمِها: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ الَّذِينَ في النّارِ. إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ زادَتْ بِالِاعْتِراضِ، وكانَ المُفَرَّعُ الأخِيرُ فِيها نَهْيًا والأُخْرى عُرِّيَتْ عَنِ الِاعْتِراضِ وكانَ المُفَرَّعُ الأخِيرُ فِيها اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا.

والنَّهْيُ مُوَجَّهٌ إلى نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ تَذْهَبَ حَسَراتٍ عَلى الضّالِّينَ ولَمْ يُوَجَّهْ إلَيْهِ بِأنْ يُقالَ: فَلا تَذْهَبْ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، والرَّسُولُ ﷺ ونَفْسُهُ مُتَّحِدانِ

صفحة ٢٦٦
فَتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى نَفْسِهِ دُونَ أنْ يُقالَ فَلا تَذْهَبْ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الذَّهابَ مُسْتَعارٌ إلى التَّلَفِ والِانْعِدامِ كَما يُقالُ: طارَتْ نَفْسُها شَعاعًا، ومِثْلُهُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ كَقَوْلِ الأعْرابِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:

أقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْساءً وتَعْزِيَةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْنِي ولَمْ تُرِدِ
لِتَحْصُلَ فائِدَةُ تَوْزِيعِ النَّهْيِ والخِطابِ عَلى شَيْئَيْنِ في ظاهِرِ الأمْرِ فَهو تَكْرِيرُ الخِطابِ والنَّهْيِ لِكِلَيْهِما. وهي طَرِيقَةُ التَّجْرِيدِ المَعْدُودِ في المُحَسِّناتِ، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ المُوجِبِ تَقْرِيرَ الجُمْلَةِ في النَّفْسِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والحَسْرَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [مريم: ٣٩] مِن سُورَةِ مَرْيَمَ.

وانْتَصَبَ ”حَسَراتٍ“ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لا تُتْلِفْ نَفْسَكَ لِأجْلِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٣]، وقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [يوسف: ٨٤] أيْ مِن حُزْنِ نَفْسِهِ لا مِن حُزْنِ العَيْنَيْنِ.

وجُمِعَتِ الحَسَراتُ مَعَ أنَّ اسْمَ الجِنْسِ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الأفْرادِ قَصْدًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى إرادَةِ أفْرادٍ كَثِيرَةٍ مِن جِنْسِ الحَسْرَةِ لِأنَّ تَلَفَ النَّفْسِ يَكُونُ عِنْدَ تَعاقُبِ الحَسَراتِ الواحِدَةِ تِلْوَ الأُخْرى لِدَوامِ المُتَحَسَّرِ مِنهُ فَكُلُّ تَحَسُّرٍ يَتْرُكُ حَزازَةً وكَمَدًا في النَّفْسِ حَتّى يَبْلُغَ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُطِيقُهُ النَّفْسُ فَيَنْفَطِرَ لَهُ القَلْبُ فَإنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الطِّبِّ أنَّ المَوْتَ مِن شِدَّةِ الألَمِ كالضَّرْبِ المُبَرِّحِ وقَطْعِ الأعْضاءِ سَبَبُهُ اخْتِلالُ حَرَكَةِ القَلْبِ مِن تَوارُدِ الآلامِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ ورَفْعِ ”نَفْسُكَ“ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِنَفْسِهِ وهو كِنايَةٌ ظاهِرَةٌ عَنْ نَهْيِهِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ ونَصْبِ ”نَفْسَكَ“ عَلى أنَّهُ نَهْيُ الرَّسُولِ أنْ يُذْهِبَ نَفْسَهُ.

وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى فاءاتٍ أرْبَعٍ كُلُّها لِلسَّبَبِيَّةِ والتَّفْرِيعِ وهي الَّتِي بَلَغَ بِها نَظْمُ الآيَةِ إلى هَذا الإيجازِ البالِغِ حَدَّ الإعْجازِ وفي اجْتِماعِها مُحَسِّنُ جَمْعِ النَّظائِرِ.

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَصْلُحُ لِإفادَةِ التَّصَبُّرِ والتَّحَلُّمِ، أيْ أنَّ اللَّهَ

صفحة ٢٦٧
عَلِيمٌ بِصُنْعِهِمْ في المُخالَفَةِ عَنْ أمْرِهِ فَكَما أنَّهُ لِحِلْمِهِ لَمْ يُعَجِّلْ بِمُؤاخَذَتِهِمْ فَكُنْ أنْتَ مُؤْتَسِيًا بِاللَّهِ ومُتَخَلِّقًا بِما تَسْتَطِيعُهُ مِن صِفاتِهِ، وفي ضِمْنِ هَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إفْلاتِهِمْ مِنَ العَذابِ عَلى سُوءِ عَمَلِهِمْ، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ كَمَدَ نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ تَأْخِيرِ عِقابِهِمْ ولَكِنْ لِأجْلِ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ إمّا تَمْثِيلٌ لِحالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ مَن أغْفَلَهُ التَّحَسُّرُ عَلَيْهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم فَأكَّدَ لَهُ الخَبَرَ بِـ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وإمّا لِجَعْلِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِتَكُونَ ”إنَّ“ مُغْنِيَةً غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ فَتَتَمَخَّضَ الجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ التَّسْلِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِالجَزاءِ عَنْ ذَلِكَ.

وعَبَّرَ بِـ ”يَصْنَعُونَ“ دُونَ: يَعْمَلُونَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يُدَبِّرُونَ مَكائِدَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ إيذانًا بِوُجُودِ باعِثٍ آخَرَ عَلى النَّزْعِ عَنِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ بِهِ أبُو جَهْلٍ وحِزْبُهُ.

The same ayah, in another commentary

Fāṭir 35:8