All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Fāṭir 35:8 Juzʾ 22 Page 435

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allah sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allah is Knowing of what they do.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ حَسَنُ لَهُ عَمَلُهُ السَّيِّئُ ‏‏‏‏‏ فاعْتَقَدَهُ بِسَبَبِ التَّزْيِينِ ‏‏‏‏‏ فَهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، و( مَن ) مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَتُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، فَإنْ كانَتْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ في نَظِيرِ ذَلِكَ فالمُرادُ تَفْرِيعُ إنْكارِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ، أيْ إذا كانَتْ عاقِبَةُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما ذُكِرَ فَلَيْسَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ
صفحة 169
حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وإنْ كانَتْ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ وكانَ العَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ تَكُونُ هي داخِلَةٌ إلَيْهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، فالمُرادُ ما في حَيِّزِها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أهُما أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مُتَساوِيانِ فاَلَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، أيْ ما هُما مُتَساوِيانِ لِيَكُونَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ، وحُذِفَ هَذا الخَبَرُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ واقْتِضاءِ النَّظْمِ الجَلِيلِ إيّاهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالجُزْءَيْنِ في نَظِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [مُحَمَّدٍ: 14] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [اَلرَّعْدِ: 19] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [اَلْأنْعامِ: 122] وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الكافِرِ بِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا إشارَةٌ إلى غايَةِ ضَلالِهِ حَتّى كَأنَّهُ غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ وسَلَبَ تَمْيِيزَهُ فَشَأْنُ المَغْلُوبِ عَلى عَقْلِهِ ذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ أبِي نُواسٍ:

اِسْقِنِي حَتّى تَرانِي حَسَنًا عِنْدِي القَبِيحُ
وظاهِرُ كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ حَيْثُ قالَ: الجَوابُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وثانِيهِما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ مالِكٍ أيْضًا، واعْتَرَضَ اِبْنُ هِشامٍ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي بِأنَّ الظَّرْفَ لا يَكُونُ جَوابًا وإنْ قُلْنا إنَّهُ جُمْلَةٌ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا في غَيْرِ الخَبَرِ والصِّفَةِ والصِّلَةِ والحالِ ولَمْ يُذْكَرِ الجَوابُ لا أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفاءِ، وتَقْدِيرُها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ يَكُونُ الظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بِتَمامِها جَزاءٌ غَيْرُ جائِزٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ كَما قِيلَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّجّاجُ قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وأُطْلِقَ عَلى خَبَرِها الجَوابُ لِشَبَهِهِ بِهِ في المَعْنى، ألا تَراهم يُدْخِلُونَ الفاءَ في خَبَرِ المَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كَما يُدْخِلُونَها في جَوابِ الشَّرْطِ فَيَقُولُونَ الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولا قَرِينَةَ عَلى إرادَتِهِ سِوى عَدَمِ صِحَّةِ الجَزائِيَّةِ، وضُعِّفَ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ بِالفَصْلِ بَيْنَ ما فِيهِ الحَذْفُ ودَلِيلِ المَحْذُوفِ مَعَ خَفاءِ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَن شَرْطِيَّةً جَوابُها فَرَآهُ لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ الصِّناعِيَّةِ، فَإنَّ الماضِيَ في الجَوابِ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ بِدُونِ قَدْ مَعَ خَفاءِ أمْرِ إنْكارِ رُؤْيَةِ سُوءِ العَمَلِ حَسَنًا بَعْدَ التَّزْيِينِ وتَفْرِيعِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمَيْنِ، وكَوْنُ الإنْكارِ لِما أنَّ المُزَيِّنَ هو الشَّيْطانُ العَدُوُّ، والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لا يَخْفى حالُهُ فالوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ جُعِلَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ تَعْلِيلًا لِسَبَبِيَّةِ التَّزْيِينِ لِرُؤْيَةِ القَبِيحِ حَسَنًا، وفِيهِ دَفْعُ اِسْتِبْعادِ أنْ يَرى الشَّخْصُ القَبِيحَ حَسَنًا بِتَزْيِينِ العَدُوِّ إيّاهُ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وإيذانٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأوْهُ حَسَنًا مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ضَلالَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ، أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ الخ، وذَكَرَ المَوْلى سِعْدِيُّ جَلَبِيٍّ أنَّ الهَمْزَةَ في ‏‏‏‏ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ
صفحة 170
نُقِلا عَنِ الزَّجّاجِ لِإنْكارِ ذَهابِ نَفْسِهِ ﷺ عَلَيْهِ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ‏‏‏ ‏‏ إلخ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ مِن أنَّهُ لا جَدْوى لِلتَّحَسُّرِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا قالَ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَكَأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لا فَقالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ويُفْهَمْ مِن كَلامِ الطِّيبِيِّ أنَّ فاءَ ‏‏ ‏‏‏‏ جَزائِيَّةٌ وفاءَ ‏‏‏ ‏‏ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ الجُمْلَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، فَقَدْ قالَ: إنَّهُ ﷺ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ القَوْمِ وأنْ يَسْلُكَ الضّالِّينَ في زُمْرَةِ المُهْتَدِي، فَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِذَلِكَ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُقِرَّ ﷺ بِالنَّفْيِ ويَقُولُ لا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَقَدَّمَ وأخَّرَ اِنْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ، وفي الآياتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قالَ: الأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ الآياتُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا في حُكْمِ نِداءِ النّاسِ وجَمَعَ ما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في حُكْمِ الوَعْدِ، وحَذَّرَهُما مَعًا عَنِ الغُرُورِ بِالدُّنْيا والشَّيْطانِ، وأمّا التَّقْسِيمُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وأمّا التَّفْرِيقُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ وبَيَّنَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ ظُهُورَ أنَّ الفاءَ في ‏‏‏‏ لِلتَّعْقِيبِ والهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإنْكارِ المُساواةِ وتَقْرِيرِ البَوْنِ العَظِيمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وأنَّ المُخْتارَ مِن أوْجُهٍ ذَكَرَها السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ تَقْدِيرُ كَمَن هَدّاهُ اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ولَهم في نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ، مَن أرادَهُ فَلْيَتْبَعْ كُتُبَ التَّفاسِيرِ والعَرَبِيَّةِ، ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْناهُ مَقْنَعًا لِمَن أُوتِيَ ذِهْنًا سَلِيمًا وفَهْمًا مُسْتَقِيمًا.

والحَسَراتُ جَمْعُ حَسْرَةٍ وهي الغَمُّ عَلى ما فاتَهُ والنَّدَمُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ اِنْحَسَرَ عَنْهُ ما حَمَلَهُ عَلى ما اِرْتَكَبَهُ أوِ اِنْحَسَرَ قُواهُ مِن فَرْطِ غَمٍّ أوْ أدْرَكَهُ إعْياءٌ عَنْ تَدارُكِ ما فَرَطَ مِنهُ، وانْتَصَبَتْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أيْ فَلا تَهْلِكْ نَفْسُكَ لِلْحَسَراتِ، والجَمْعُ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ في الأصْلِ مَصْدَرٌ صادِقٌ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اِغْتِمامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِهِمْ أوْ عَلى كَثْرَةِ قَبائِحِ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ، ﴿وعَلَيْهِمْ﴾ صِلَةُ ‏‏‏‏ كَما يُقالُ هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا وماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا، أوْ هو بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى مَن تَذْهَبُ؟ فَقِيلَ: عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحَسَراتٍ بِناءً عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ إذا كانَ ظَرْفًا وهو الَّذِي أخْتارُهُ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَسَراتٌ حالًا مِن ‏‏‏‏ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ حَسَراتٍ لِفَرْطِ التَّحَسُّرِ كَما قالَ جَرِيرٌ:

مَشَقَ الهَواجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرى ∗∗∗ حَتّى ذَهَبْنَ كَلاكِلًا وصُدُورا
يُرِيدُ رَجَعْنَ كَلاكِلًا وصُدُورًا، أيْ لَمْ يَبْقَ إلّا كَلاكِلُها وصُدُورُها، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في البَيْتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: كَلاكِلًا وصُدُورًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ حَتّى ذَهَبَ كَلاكِلُها وصُدُورُها، ومِن هَذا قَوْلُهُ:

فَعَلى إثْرِهِمْ تَساقَطُ نَفْسِي ∗∗∗ حَسَراتٍ وذِكْرُهم لِي سَقامُ
صفحة 171

وفِيهِ مُبالَغاتٌ ثَلاثٌ، وقَرَأ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ «زَيَّنَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونَصَبَ «سُوأ» وعَنْهُ أيْضًا «أسْوَأ» عَلى وزْنِ أفْعَلَ وأُرِيدَ بِأسْوَأ عَمَلُهُ الشِّرْكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ «أمَن» بِغَيْرِ فاءٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِخْبارِ والتَّقْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلنِّداءِ وحُذِفَ ما نُودِيَ لِأجْلِهِ، أيْ تَفَكَّرْ وارْجِعْ إلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ الخ، والظّاهِرُ أنَّها لِلْإنْكارِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وقَتادَةُ وعِيسى والأشْهَبُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «تُذْهِبُ» مِن أذْهَبُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ «نَفْسَكَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ.

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ أيْ إنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ القَبائِحِ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى هُنا نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في أبِي جَهْلٍ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ حَيْثُ هَدى اللَّهُ تَعالى عُمَرَ وأضَلَّ أبا جَهْلٍ.

The same ayah, in another commentary

Fāṭir 35:8