قوله تعالى: ﴿ ﴾ قد ذكر أن النجوى مصدر عند قوله: ﴿ ﴾ عند تفسيره الآية (114) من سورة النساء. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.. ويجوز أن يوصف به كما يقال: قوم نجوى، ومنه قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: 47]، والمعنى هم ذوو نجوى فحذف المضاف وكذلك كل مصدر وصف به.
فأما قوله: ﴿ ﴾ قال أبو علي: يحتمل جر ﴿﴾ أمرين:
أحدهما: أن يكون مجرورًا بإضافة ﴿﴾ إليه كأنه ما يكون من سرار ثلاثةٍ، ويجوز أن يكون ﴿﴾ جرًا على الصفة على قياس قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ انظر: "الحجة" 6/ 279، و"مثسكل إعراب القرآن" 2/ 723، و"الكشاف" 4/ 74. وهذا معنى قول الفراء: ﴿﴾ إن شئت خفضتها على أنها من نعت النجوى، وإن شئت أضفت النجوى إليها انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 140، و"اللسان" 3/ 593 (نجا).، وبيانه أن النجوى إن جعلتها مصدرًا أضفتها إلى ثلاثة، وإن جعلتها بمعنى المتناجين جعلت (ثلاثة) صفة لها.
قال أبو إسحاق: ﴿﴾ مشتق من النجوة، وهي ما ترتفع وتَنَحَّى انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 137.. والمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به.
ومعنى ﴿ ﴾ أي ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئًا ويتناجون به انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 29.. ومعنى قول المفسرين في النجوى أنها إسرار. قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبك انظر: "معالم التنزيل" 4/ 307، ولم ينسبه لقائل. ومن عبارة البغوي يتضح السقط هنا، ولعل العبارة: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم. والله أعلم..
وقوله: ﴿ ﴾ أي: إلا هو عالم به، وعلمه معهم لا يخفى عليه ذلك كما قال: ﴿ ﴾ [التوبة: 78]، وكقوله: ﴿ ﴾ من آية (7) من سورة طه. قال ابن كثير -رحمه الله-؛ (ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافد فيهم، فهو -عَزَّ وَجَلَّ- مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء)، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 322. والمعنى: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي يكون معهم.