All commentaries

مدارك التنزيل

Al-Nasafī

عبد الله بن أحمد النسفي (ت ٧١٠ هـ)

Concise and exact, with a steady eye on the grammar.

Al-Baqarah 2:22 Juzʾ 1 Page 4

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: صَيَّرَ. ومَحِلُّ الَّذِي نَصْبَ عَلى المَدْحِ، أوْ رَفْعٌ بِإضْمارِ هو ‏‏‏‏ بِساطًا تَقْعُدُونَ عَلَيْها، وتَنامُونَ، وتَتَقَلَّبُونَ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ مُسَطَّحَةٌ أوْ كُرِّيَّةٌ إذِ الِافْتِراشُ مُمْكِنٌ عَلى التَقْدِيرَيْنِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ سَقْفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءُ: ٣٢] وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ المَبْنِيُّ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ مَطَرًا ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ بِالماءِ. نَعَمْ خُرُوجُ الثَمَراتِ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وإيجادِهِ، ولَكِنَّ جَعْلَ الماءِ سَبَبًا في خُرُوجِها، كَماءِ الفَحْلِ في خَلْقِ الوَلَدِ، وهو قادِرٌ عَلى إنْشاءِ الكُلِّ بِلا سَبَبٍ، كَما أنْشَأ نُفُوسَ الأسْبابِ والمَوادِّ، ولَكِنَّ لَهُ في إنْشاءِ الأشْياءِ مَدْرَجًا لَها مِن حالٍ إلى حالٍ، وناقِلًا مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ، حِكَمًا وعِبَرًا لِلنُّظّارِ بِعُيُونِ الِاسْتِبْصارِ. و"مِن" في ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلْبَيانِ ‏‏‏‏‏ مَفْعُولٌ لَهُ إنْ كانَتْ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولٌ بِهِ لِأخْرَجَ إنْ كانَتْ لِلْبَيانِ. وإنَّما قِيلَ: الثَمَراتُ دُونَ الثَمَرِ والثِمارِ -وَإنْ كانَ الثَمَرُ المُخْرَجُ بِماءِ السَماءِ كَثِيرًا-، لِأنَّ المُرادَ جَماعَةُ الثَمَرَةِ، ولِأنَّ الجُمُوعَ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، لِالتِقائِها في الجَمْعِيَّةِ ‏‏‏ صِفَةٌ جارِيَةٌ عَلى الرِزْقِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العَيْنُ، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَعْنى فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ هو مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، أيِ: اعْبُدُوا رَبَّكم فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، لِأنَّ أصْلَ العِبادَةِ وأساسَها التَوْحِيدُ، وأنْ لا يُجْعَلَ لَهُ نِدٌّ ولا شَرِيكٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ودُخُولُ الفاءِ، لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ الجَزاءَ، أيِ: الَّذِي حَفَّكم بِهَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةِ، والدَلائِلِ النَيِّرَةِ الشاهِدَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ، فَلا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكاءَ. والنِدُّ: المَثَلُ، ولا يُقالُ إلّا لِلْمَثَلِ المُخالِفِ والمُنافِي. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: لَيْسَ لِلَّهِ نِدٌّ ولا ضِدٌّ: نَفْيُ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُ، ونَفْيُ ما يُنافِيهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَرْزُقُ، واللهُ الخالِقُ الرازِقُ، أوْ مَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَتْرُوكٌ، أيْ: وأنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، وجَعْلُ الأصْنامِ لِلَّهِ أنْدادًا غايَةُ الجَهْلِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ‏‏ ‏‏‏‏‏

‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

وَلَمّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما يُثْبِتُ الوَحْدانِيَّةَ، ويُبْطِلُ الإشْراكَ -لِخَلْقِهِمْ أحْياءً قادِرِينَ، وخَلْقِ الأرْضِ الَّتِي هي مَكانُهم ومُسْتَقَرُّهُمْ، وخَلْقِ السَماءِ الَّتِي هي (p-٦٤)كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ، والخَيْمَةِ المُطْنِبَةِ عَلى هَذا القَرارِ، وما سِواهُ عَزَّ وجَلَّ مِن شَبَهِ عَقْدِ النِكاحِ بَيْنَ المُقْلَةِ والمَظَلَّةِ بِإنْزالِ الماءِ مِنها عَلَيْها، والإخْراجُ بِهِ مِن بَطْنِها أشْباهَ النَسْلِ مِنَ الثِمارِ رِزْقًا لِبَنِي آدَمَ، فَهَذا كُلُّهُ دَلِيلٌ مُوصِلٌ إلى التَوْحِيدِ، مُبْطِلٌ لِلْإشْراكِ، لِأنَّ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ شَيْءٍ مِنها- عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما يُقَرِّرُ إعْجازَ القُرْآنِ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ. "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي ‏ ‏‏‏‏‏ مُحَمَّدٍ ﷺ، والعَبْدُ: اسْمٌ لِمَمْلُوكٍ مِن جِنْسِ العُقَلاءِ. والمَمْلُوكُ: مَوْجُودٌ قُهِرَ بِالِاسْتِيلاءِ.

وَقِيلَ: نَزَّلْنا دُونَ أنْزَلْنا، لِأنَّ المُرادَ بِهِ النُزُولَ عَلى سَبِيلِ التَدْرِيجِ والتَنْجِيمِ، وهو مِن مَحازِهِ لِمَكانِ التَحَدِّي. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لَمْ يَنْزِلْ هَكَذا نُجُومًا سُورَةً بَعْدَ سُورَةٍ، وآياتٍ غِبَّ آياتٍ، عَلى حَسَبِ النَوازِلِ، وعَلى سَنَنِ ما نَرى عَلَيْهِ أهْلَ الخَطابَةِ والشِعْرِ مِن وُجُودِ ما يُوجَدُ مِنهم مُفَرَّقًا حِينًا فَحِينًا شَيْئًا فَشَيْئًا، لا يُلْقِي الناظِمُ دِيوانَ شِعْرِهِ دَفْعَةً، ولا يَرْمِي الناثِرُ بِخُطَبِهِ ضَرْبَةً، فَلَوْ أنْزَلَهُ اللهُ لِأنْزَلَهُ جُمْلَةً. قالَ اللهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفَرْقانُ: ٣٢] فَقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في هَذا الَّذِي وقَعَ إنْزالُهُ هَكَذا عَلى تَدْرِيجٍ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: فَهاتُوا أنْتُمْ نَوْبَةً واحِدَةً مِن نُوَبِهِ، وهَلُمُّوا نَجْمًا فَرْدًا مِن نُجُومِهِ: سُورَةٌ مِن أصْغَرِ السُوَرِ. والسُورَةُ: الطائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُتَرْجَمَةُ الَّتِي أقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ. وواوُها إنْ كانَتْ أصْلًا، فَإمّا أنْ تُسَمّى بِسُورِ المَدِينَةِ، وهو حائِطُها، لِأنَّها طائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ مَحْدُودَةٌ مُحَوَّزَةٌ عَلى حِيالِها، كالبَلَدِ المُسَوَّرِ، أوْ لِأنَّها مُحْتَوِيَةٌ عَلى فُنُونٍ مِنَ العِلْمِ، وأجْناسٍ مِنَ الفَوائِدِ، كاحْتِواءِ سُورِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها. وإمّا أنْ تُسَمّى بِالسُورَةِ الَّتِي هي الرُتْبَةُ، لِأنَّ السُورَ بِمَنزِلَةِ المَنازِلِ والمَراتِبِ، يَتَرَقّى فِيها القارِئُ، وهي أيْضًا في نَفْسِها مُرَتَّبَةٌ، (p-٦٥)طِوالٌ، وأوْساطٌ، وقِصارٌ، أوْ لِرَفْعَةِ بِنائِها، وجَلالَةِ مَحَلِّها في الدِينِ. وإنْ كانَتْ مُنْقَلِبَةً عَنْ هَمْزَةٍ فَلِأنَّها قِطْعَةٌ وطائِفَةٌ مِنَ القُرْآنِ، كالسُؤْرَةِ الَّتِي هِيَ: البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ. وأمّا الفائِدَةُ في تَفْصِيلِ القُرْآنِ وتَقْطِيعِهِ سُوَرًا فَهي كَثِيرَةٌ -وَلِذا أنْزَلَ اللهُ تَعالى التَوْراةَ والإنْجِيلَ والزَبُورَ وسائِرَ ما أوْحاهُ إلى أنْبِيائِهِ مُسَوَّرَةً مُتَرْجَمَةَ السُوَرِ، وبَوَّبَ المُصَنِّفُونَ في كُلِّ فَنٍّ كُتُبَهم أبْوابًا مُوَشَّحَةَ الصُدُورِ بِالتَراجِمِ- مِنها: أنَّ الجِنْسَ إذا انْطَوَتْ تَحْتَهُ أنْواعٌ واشْتَمَلَ عَلى أصْنافٍ، كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ بَيانًا واحِدًا. ومِنها: أنَّ القارِئَ إذا خَتَمَ سُورَةً، أوْ بابًا مِنَ الكِتابِ، ثُمَّ أخَذَ في آخَرَ كانَ أنْشَطَ لَهُ، وأبْعَثَ عَلى الدَرْسِ، والتَحْصِيلِ مِنهُ، ولَوِ اسْتَمَرَّ الكِتابُ بِطُولِهِ. ومِن ثَمَّ جَزَّأ القُرّاءُ القُرْآنَ أسْباعًا، وأجْزاءً، وعُشُورًا، وأخْماسًا، ومِنها: أنَّ الحافِظَ إذا حَذِقَ السُورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللهِ طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها، ولَها فاتِحَةٌ وخاتِمَةٌ، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَهُ، ويَجِلُّ في نَفْسِهِ، ومِنهُ حَدِيثُ أنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كانَ الرَجُلُ إذا قَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ جَلَّ فِينا. ومِن ثَمَّ كانَتِ القِراءَةُ في الصَلاةِ بِسُورَةٍ تامَّةٍ أفْضَلَ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِسُورَةٍ صِفَةٌ لَها. والضَمِيرُ لِما نَزَّلْنا، أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ. يَعْنِي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِمّا هو عَلى صِفَتِهِ في البَيانِ الغَرِيبِ، وعُلُوِّ الطَبَقَةِ في حُسْنِ النَظْمِ، أوْ لِعَبْدِنا، أيْ: فَأْتُوا مِمَّنْ هو عَلى حالِهِ مِن كَوْنِهِ أُمِيًّا لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ، ولَمْ يَأْخُذْ مِنَ العُلَماءِ، ولا قَصَدَ إلى مَثَلٍ ونَظِيرٍ هُنالِكَ. ورَدُّ الضَمِيرِ إلى المُنْزِلِ أوْلى، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يُونُسُ: ٣٨] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [هُودٌ: ١٣] ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإسْراءُ: ٨٨] ولِأنَّ الكَلامَ مَعَ رَدِّ الضَمِيرِ إلى المُنْزِلِ أحْسَنُ تَرْتِيبًا، وذَلِكَ: أنَّ الحَدِيثَ في المُنْزَلِ لا في المُنْزَلِ عَلَيْهِ، وهو مَسُوقٌ إلَيْهِ، فَإنَّ المَعْنى: وإنِ ارْتَبْتُمْ في أنَّ القُرْآنَ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِ اللهِ، فَهاتُوا أنْتُمْ نُبَذًا مِمّا يُماثِلُهُ. وقَضِيَّةُ التَرْتِيبِ لَوْ كانَ الضَمِيرُ مَرْدُودًا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يُقالَ: وإنِ ارْتَبْتُمْ في أنَّ مُحَمَّدًا مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، (p-٦٧)فَهاتُوا قُرْآنًا مِن مِثْلِهِ، ولِأنَّ هَذا التَفْسِيرَ يُلائِمُ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جَمْعُ شَهِيدٍ، بِمَعْنى الحاضِرِ، أوِ القائِمِ بِالشَهادَةِ،

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ أيْ: غَيْرُ اللهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ " شُهَداءَكم " أيِ: ادْعُوا الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم آلِهَةً مِن دُونِ اللهِ، وزَعَمْتُمْ أنَّهم يَشْهَدُونَ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّكم عَلى الحَقِّ، أوْ مَن يَشْهَدُ لَكم بِأنَّهُ مِثْلُ القُرْآنِ،

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَقٌ، وأنَّهُ مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وجَوابُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم فَأْتُوا أنْتُمْ بِمِثْلِهِ، واسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكم عَلى ذَلِكَ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ لَمّا أرْشَدَهم إلى الجِهَةِ الَّتِي مِنها يَتَعَرَّفُونَ صِدْقَ النَبِيِّ ﷺ قالَ لَهُمْ: فَإذا لَمْ تُعارِضُوهُ، وبانَ عَجْزُكُمْ، ووَجَبَ تَصْدِيقُهُ فَآمِنُوا، وخافُوا العَذابَ المُعَدَّ لِمَن كَذَّبَ وعانَدَ. وفِيهِ دَلِيلانِ عَلى إثْباتِ النُبُوَّةِ: صِحَّةُ كَوْنِ المُتَحَدّى بِهِ مُعْجِزًا، والإخْبارُ بِأنَّهم لَنْ يَفْعَلُوا، وهو غَيْبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ. ولَمّا كانَ العَجْزُ عَنِ المُعارَضَةِ قَبْلَ التَأمُّلِ كالمَشْكُوكِ فِيهِ لَدَيْهِمْ، لِاتِّكالِهِمْ عَلى فَصاحَتِهِمْ، واعْتِمادِهِمْ عَلى بَلاغَتِهِمْ، سِيقَ الكَلامُ مَعَهم عَلى حَسَبِ حُسْبانِهِمْ، فَجِيءَ بِـ"إنْ" الَّذِي لِلشَّكِّ، دُونَ إذا الَّذِي لِلْوُجُوبِ، وعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ بِالفِعْلِ، لِأنَّهُ فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ، والفائِدَةُ فِيهِ: أنَّهُ جارٍ مَجْرى الكِنايَةِ الَّتِي تُعْطِيكَ اخْتِصارًا، إذْ لَوْ لَمْ يَعْدِلْ مِن لَفْظِ الإتْيانِ إلى لَفْظِ الفِعْلِ لاسْتُطِيلَ أنْ يُقالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، ولَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، ولا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّها جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ. وحَسَّنَ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّ لَفْظَ الشَرْطِ لِلتَّرَدُّدِ، فَقَطَعَ التَرَدُّدَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولا ولَنْ أخْتانَ في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، إلّا أنَّ في لَنْ تَأْكِيدًا، وعَنِ الخَلِيلِ أصْلُها لا أنْ، وعِنْدَ الفَرّاءِ لا، أُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا. وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ. وإنَّما عُلِمَ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ، حَتّى صارَ مُعْجِزَةً، لِأنَّهم لَوْ عارَضُوهُ بِشَيْءٍ لاشْتُهِرَ، فَكَيْفَ والطاعِنُونَ فِيهِ أكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الذابِّينَ عَنْهُ؟! وشَرْطٌ في اتِّقاءِ النارِ انْتِفاءُ إتْيانِهِمْ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَأْتُوا بِها وتَبَيَّنَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ صَحَّ عِنْدَهم صِدْقُ الرَسُولِ، وإذا صَحَّ (p-٦٧)عِنْدَهم صِدْقُهُ، ثُمَّ لَزِمُوا العِنادَ، وأبَوُا الِانْقِيادَ اسْتَوْجَبُوا النارَ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنِ اسْتَبَنْتُمُ العَجْزَ فاتْرُكُوا العِنادَ، فَوَضَعَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَوْضِعَهُ، لِأنَّ اتِّقاءَ النارِ سَبَبُ تَرْكِ العِنادِ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ، وهي مِن شُعَبِ البَلاغَةِ، وفائِدَتُهُ: الإيجازُ الَّذِي هو مِن حِيلَةِ القُرْآنِ. والوَقُودُ: ما تُرْفَعُ بِهِ النارُ، يَعْنِي: الحَطَبَ. وأمّا المَصْدَرُ فَمَضْمُومٌ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الفَتْحُ. وصِلَةُ الَّذِي والَّتِي يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سَمِعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ مِن رَسُولِ اللهِ، أوْ سَمِعُوا قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التَحْرِيمُ: ٦]. إنَّما جاءَتِ النارُ مُنَكَّرَةً ثَمَّ، ومَعْرِفَةً هُنا، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ مُشارًا بِها إلى ما عَرَفُوهُ أوَّلًا، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أنَّها نارٌ مُمْتازَةٌ عَنْ غَيْرِها مِنَ النِيرانِ بِأنَّها تَتَّقِدُ بِالناسِ والحِجارَةِ، وهي حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، فَهي أشَدُّ تَوَقُّدًا، وأبْطَأُ خُمُودًا، وأنْتَنُ رائِحَةً، وألْصَقُ بِالبَدَنِ، أوِ الأصْنامِ المَعْبُودَةِ، فَهي أشَدُّ تَحَسُّرًا. وإنَّما قَرَنَ الناسَ بِالحِجارَةِ، لِأنَّهم قَرَنُوا بِها أنْفُسَهم في الدُنْيا، حَيْثُ عَبَدُوها، وجَعَلُوها لِلَّهِ أنْدادًا، ونَحْوُهُ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنْبِياءُ: ٩٨] أيْ: حَطَبُها، فَقَرَنَهم بِها مُحْماةً في نارِ جَهَنَّمَ إبْلاغًا في إيلامِهِمْ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ هُيِّئَتْ لَهم. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النارَ مَخْلُوقَةٌ، خِلافًا لِما يَقُولُهُ جَهْمٌ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

سُنَّةُ اللهِ في كِتابِهِ أنْ يَذْكُرَ التَرْغِيبَ مَعَ التَرْهِيبِ تَنْشِيطًا لِاكْتِسابِ ما يُزْلِفُ، وتَثْبِيطًا عَنِ اقْتِرافِ ما يُتْلِفُ. فَلَمّا ذَكَرَ الكَفّارَ وأعْمالَهُمْ، وأوْعَدَهم بِالعِقابِ قَفاهُ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمْ، وتَبْشِيرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمَأْمُورُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ الرَسُولُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أوْ كُلَّ أحَدٍ، وهَذا أحْسَنُ، لِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِأنَّ الأمْرَ لِعِظَمِهِ، وفَخامَةِ شَأْنِهِ مَحْقُوقٌ بِأنْ يُبَشِّرَ بِهِ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى البِشارَةِ بِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فاتَّقُوا﴾ كَما تَقُولُ: يا بَنِي تَمِيمٍ احْذَرُوا عُقُوبَةَ ما جَنَيْتُمْ، وبَشِّرْ يا فُلانُ بَنِي أسَدٍ بِإحْسانِي إلَيْهِمْ، أوْ جُمْلَةُ وصْفِ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ وصْفِ عِقابِ الكافِرِينَ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ يُعاقَبُ بِالقَيْدِ والإرْهاقِ، وبَشِّرْ عَمْرًا بِالعَفْوِ والإطْلاقِ. والبِشارَةُ: الإخْبارُ بِما يُظْهِرُ سُرُورَ المُخْبَرِ بِهِ، ومِن ثَمَّ [قالَ العُلَماءُ] إذا قالَ لِعَبِيدِهِ: أيُّكم بَشَّرَنِي بِقُدُومِ فُلانٍ فَهو حُرٌّ، فَبَشَّرُوهُ فُرادى عَتَقَ أوَّلَهُمْ، لِأنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَ سُرُورَهُ بِخَبَرِهِ دُونَ الباقِينَ، ولَوْ قالَ: أخْبِرْنِي مَكانَ بَشِّرْنِي عُتِقُوا، لِأنَّهم أخْبَرُوهُ. ومِنهُ البَشْرَةُ: لِظاهِرِ الجِلْدِ، وتَباشِيرُ الصُبْحِ: ما ظَهَرَ مِن أوائِلِ ضَوْئِهِ. وأمّا ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] فَمِنَ العَكْسِ في الكَلامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِهْزاءُ الزائِدُ في غَيْظِ المُسْتَهْزَأِ بِهِ، كَما يَقُولُ الرَجُلُ لِعَدُوِّهِ: أبْشِرْ بِقَتْلِ ذَرِّيَّتِكِ ونَهْبِ مالِكَ. والصالِحَةُ نَحْوُ الحَسَنَةِ في جَرْيِها مَجْرى الِاسْمِ. والصالِحاتُ: كُلُّ ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ بِدَلِيلِ العَقْلِ، والكِتابِ، والسُنَّةِ. واللامُ لِلْجِنْسِ. والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن جَعَلَ الأعْمالَ إيمانًا، لِأنَّهُ عَطَفَ الأعْمالَ الصالِحَةَ عَلى الإيمانِ والمَعْطُوفِ غَيْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ولا يُقالُ: إنَّكم تَقُولُونَ: يَجُوزُ أنْ يُدْخِلَ المُؤْمِنَ الجَنَّةَ بِدُونِ الأعْمالِ الصالِحَةِ، واللهُ تَعالى بَشَّرَ بِالجَنَّةِ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، لِأنَّ البِشارَةَ المُطْلَقَةَ بِالجَنَّةِ شَرْطُها اقْتِرانُ الأعْمالِ الصالِحَةِ بِالإيمانِ، ولا نَجْعَلُ لِصاحِبِ الكَبِيرَةِ البِشارَةَ المُطْلَقَةَ، بَلْ نُثْبِتُ بِشارَةً مُقَيِّدَةً بِمَشِيئَةِ اللهِ، إنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِ، ثُمَّ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: بِأنَّ لَهُمْ، ومَوْضِعُ أنْ وما عَمِلَتْ فِيهِ: النَصْبُ بِبَشِّرْ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، خِلافًا لِلْخَلِيلِ، وهو كَثِيرٌ في التَنْزِيلِ. والجَنَّةُ: البُسْتانُ مِنَ النَخْلِ والشَجَرِ المُتَكاثِفِ. والتَرْكِيبُ دائِرٌ عَلى (p-٦٩)مَعْنى السِتْرِ، ومِنهُ: الجِنُّ، والجُنُونُ، والجَنِينُ، والجَنَّةُ، والجانُّ، والجَنانُ. وسُمِّيَتْ دارُ الثَوابِ جَنَّةً لِما فِيها مِنَ الجِنانِ. والجَنَّةُ مَخْلُوقَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةُ: ٣٥] خِلافًا لِبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ. ومَعْنى جَمْعِ الجَنَّةِ وتَنْكِيرِها: أنَّ الجَنَّةَ اسْمٌ لِدارِ الثَوابِ كُلِّها، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى جِنانٍ كَثِيرَةٍ، مُرَتَّبَةٌ مَراتِبَ بِحَسَبِ أعْمالِ العامِلِينَ، لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنهم جَنّاتٌ مِن تِلْكَ الجِنانِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَصْبِ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ، والمُرادُ: مِن تَحْتِ أشْجارِها، كَما تَرى الأشْجارَ النابِتَةَ عَلى شَواطِئِ الأنْهارِ الجارِيَةِ، وأنْهارُ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ، وأنْزَهُ البَساتِينِ ما كانَتْ أشْجارُها مُظَلِّلَةٌ، والأنْهارُ في خِلالِها مُطَّرِدَةٌ. والجَرْيُ،: الإطْرادُ، والنَهْرُ: المَجْرى الواسِعُ فَوْقَ الجَدْوَلِ ودُونَ البَحْرِ، يُقالُ لِلنِّيلِ: نَهْرُ مِصْرَ، واللُغَةُ الغالِبَةُ: النَهْرُ، ومَدارُ التَرْكِيبِ عَلى السَعَةِ. وإسْنادُ الجَرْيِ إلى الأنْهارِ مَجازِيٌّ، وإنَّما عَرَّفَ الأنْهارَ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها أنْهارُها، فَعَوَّضَ التَعْرِيفَ بِاللامِ مِن تَعْرِيفِ الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا﴾ [مَرْيَمُ: ٤] أوْ يُشارُ بِاللامِ إلى الأنْهارِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ [مُحَمَّدٌ: ١٥]. والماءُ الجارِي مِنَ النِعْمَةِ العُظْمى، واللَذَّةِ الكُبْرى، ولِذا قَرَنَ اللهُ تَعالى الجَنّاتِ بِذِكْرِ الأنْهارِ الجارِيَةِ، وقَدَّمَهُ عَلى سائِرِ نُعُوتِها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِجَنّاتٍ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنَّ لَهم جَنّاتٍ، لَمْ يَخْلُ خَلَدُ السامِعِ أنْ يَقَعَ فِيهِ أثِمارُ تِلْكَ الجَنّاتِ أشْباهُ ثِمارِ جَنّاتِ الدُنْيا، أمْ أجْناسٌ أُخَرُ لا تُشابِهُ هَذِهِ الأجْناسَ؟ فَقِيلَ: إنَّ ثِمارَها أشْباهُ ثِمارِ جَنّاتِ الدُنْيا، أيْ: أجْناسُها أجْناسُها وإنْ تَفاوَتَتْ إلى غايَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا اللهُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: كُلَّما رُزِقُوا مِنَ الجَنّاتِ -مِن أيِّ ثَمَرَةٍ كانَتْ، مِن تُفّاحِها، أوْ رُمّانِها، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ- رِزْقًا، قالُوا ذَلِكَ. فَـ "مِن" الأُولى والثانِيَةُ كِلْتاهُما لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّ الرِزْقَ قَدِ ابْتَدَأ مِنَ الجَنّاتِ، والرِزْقُ مِنَ الجَنّاتِ قَدِ ابْتَدَأ مِن ثَمَرَةٍ، ونَظِيرُهُ أنْ تَقُولَ: رَزَقَنِي فُلانٌ، فَيُقالُ لَكَ: مِن أيْنَ؟ فَتَقُولُ: مِن بُسْتانِهِ، فَيُقالُ: مَن أيِّ ثَمَرَةٍ رَزَقَكَ مِن بُسْتانِهِ؟ فَتَقُولُ: مِنَ الرُمّانِ. ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الثَمَرَةِ التُفّاحَةَ الواحِدَةَ، (p-٧٠)أوِ الرُمّانَةَ الفَذَّةَ، وإنَّما المُرادُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الثِمارِ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: رَزَقْناهُ، فَحَذَفَ العائِدَ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا، فَلَمّا قُطِعَ عَنِ الإضافَةِ بُنِيَ، والمَعْنى: هَذا مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن قَبْلُ وشِبْهُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهَذا كَقَوْلِكَ: أبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، تُرِيدُ: أنَّهُ لِاسْتِحْكامِ الشَبَهِ كَأنَّ ذاتَهُ ذاتُهُ. الضَمِيرُ في "بِهِ" يَرْجِعُ إلى المَرْزُوقِ في الدُنْيا والآخِرَةِ جَمِيعًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ انْطَوى تَحْتَهُ ذِكْرُ ما رُزِقُوهُ في الدارَيْنِ. وإنَّما كانَ ثِمارُ الجَنَّةِ مِثْلَ ثِمارِ الدُنْيا، ولَمْ تَكُنْ أجْناسًا أُخَرَ، لِأنَّ الإنْسانَ بِالمَأْلُوفِ آنَسُ، وإلى المَعْهُودِ أمْيَلُ، وإذا رَأى ما لَمْ يَأْلَفْهُ نَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ، وعافَتْهُ نَفْسُهُ، ولِأنَّهُ إذا شاهَدَ ما سَلَفَ لَهُ بِهِ عَهْدٌ، ورَأى فِيهِ مَزِيَّةً ظاهِرَةً، وتَفاوُتًا بَيِّنًا، كانَ اسْتِعْجابُهُ بِهِ أكْثَرَ، واسْتِغْرابُهُ أوْفَرَ، وتَكْرِيرُهم هَذا القَوْلَ عِنْدَ كُلِّ ثَمَرَةٍ يُرْزَقُونَها دَلِيلٌ عَلى تَناهِي الأمْرِ، وتَمادِي الحالِ في ظُهُورِ المَزِيَّةِ، وعَلى أنَّ ذَلِكَ التَفاوُتَ العَظِيمَ هو الَّذِي يَسْتَمْلِي تَعَجُّبَهم في كُلِّ أوانٍ. أوْ إلى الرِزْقِ، كَما أنَّ هَذا إشارَةٌ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ ما يُرْزَقُونَهُ مِن ثَمَراتِ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ مُتَجانِسًا في نَفْسِهِ، كَما يُحْكى عَنِ الحَسَنِ: يُؤْتى أحَدُهم بِالصَحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنها، ثُمَّ يُؤْتى بِالأُخْرى فَيَقُولُ: هَذا الَّذِي أُتِينا بِهِ مِن قَبْلُ. فَيَقُولُ المَلَكُ: كُلْ، فاللَوْنُ واحِدٌ، والطَعْمُ مُخْتَلِفٌ. وعَنْهُ ﷺ: « "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الرَجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لَيَتَناوَلُ الثَمَرَةَ لِأكْلِها فَما هي بِواصِلَةٍ إلى فِيهِ حَتّى يُبَدِّلَها اللهُ مَكانَها مِثْلَها" » فَإذا أبْصَرُوها والهَيْئَةُ هَيْئَةُ الأُولى قالُوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّقْرِيرِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ أحْسَنَ بِفُلانٍ -وَنِعْمَ ما فَعَلَ- ورَأى مِنَ الرَأْيِ كَذا، وكانَ صَوابًا. ومِنهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النَمْلُ: ٣٤] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أزْواجٌ: مُبْتَدَأٌ، ولَهُمُ الخَبَرُ، وفِيها ظَرْفٌ لِلاسْتِقْرارِ (p-٧١)‏‏‏‏‏‏ مِن مَساوِئِ الأخْلاقِ، لا طَمِحاتٍ، ولا مَرِحاتٍ، أوْ مِمّا يُخْتَصُّ بِالنِساءِ مِنَ الحَيْضِ والِاسْتِحاضَةِ، وما لا يُخْتَصُّ بِهِنَّ مِنَ البَوْلِ والغائِطِ، وسائِرِ الأقْذارِ والأدْناسِ. ولَمْ تُجْمَعِ الصِفَةُ كالمَوْصُوفِ، لِأنَّهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ولَمْ يَقِلْ: طاهِرَةٌ، لِأنَّ مُّطَهَّرَةٌ أبْلَغُ، لِأنَّها تَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ، وفِيها إشْعارٌ بِأنْ مُطَهِّرًا طَهَرَّهُنَّ، وما ذَلِكَ إلّا اللهُ عَزَّ وجَلَّ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الخُلْدُ: البَقاءُ الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. وفِيهِ بُطْلانُ قَوْلٍ الجَهْمِيَّةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ بِفِناءِ الجَنَّةِ وأهْلِها، لِأنَّهُ تَعالى وُصِفَ بِأنَّهُ الأوَّلُ والآخِرُ، وتَحْقِيقُ وصْفِ الأوَّلِيَّةِ بِسَبْقِهِ عَلى الخَلْقِ أجْمَعَ، فَيَجِبُ تَحْقِيقُ وصْفِ الآخِرِيَّةِ بِالتَأخُّرِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، وذا إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ فَناءِ الكُلِّ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِهِ ضَرُورَةً، ولِأنَّهُ تَعالى باقٍ، وأوْصافُهُ باقِيَةٌ، فَلَوْ كانَتِ الجَنَّةُ باقِيَةً مَعَ أهْلِها لَوَقَعَ التَشابُهُ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ، وذا مُحالٌ. قُلْنا: الأوَّلُ في حَقِّهِ هو الَّذِي لا ابْتِداءَ لِوُجُودِهِ، والآخِرُ هو الَّذِي لا انْتِهاءَ لَهُ، وفي حَقِّنا الأوَّلُ هو الفَرْدُ السابِقُ، والآخِرُ هو الفَرْدُ اللاحِقُ. واتِّصافُهُ بِهِما لِبَيانِ صِفَةِ الكَمالِ، ونَفْيِ النَقِيصَةِ والزَوالِ، وذا في تَنْزِيهِهِ عَنِ احْتِمالِ الحُدُوثِ والفَناءِ لا فِيما قالُوهُ. وأنّى يَقَعُ التَشابُهُ في البَقاءِ، وهو تَعالى باقٍ لَذّاتِهِ، وبَقاؤُهُ واجِبُ الوُجُودِ، وبَقاءُ الخَلْقِ بِهِ، وهو جائِزُ الوُجُودِ؟!

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى الذُبابَ والعَنْكَبُوتَ في كِتابِهِ، وضَرَبَ بِهِ مَثَلًا، ضَحِكَتِ اليَهُودُ، وقالُوا: ما يُشْبِهُ هَذا كَلامَ اللهِ فَنَزَلَ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: لا يَتْرُكُ ضَرْبَ المَثَلِ بِالبَعُوضَةِ تَرْكَ مَن يَسْتَحِي أنْ يَتَمَثَّلَ بِها لِحَقارَتِها. وأصْلُ الحَياءِ: تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن تُخَوِّفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ. ولا يَجُوزُ عَلى القَدِيمِ التَغَيُّرُ، والخَوْفُ، والذَمُّ، ولَكِنَّ التَرْكَ لَمّا كانَ مِن لَوازِمِهِ عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ العِبارَةُ في كَلامِ الكَفَرَةِ، (p-٧٢)فَقالُوا: أمّا يَسْتَحِيى رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُبابِ والعَنْكَبُوتِ. فَجاءَتْ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ وإطْباقِ الجَوابِ عَلى السُؤالِ، وهو فَنٌّ مِن كَلامِهِمْ بَدِيعٌ، وفِيهِ لُغَتانِ: التَعَدِّي بِنَفْسِهِ وبِالجارِّ، يُقالُ: اسْتَحْيَيْتُهُ، واسْتَحْيَيْتُ مِنهُ، وهُما مُحْتَمَلَتانِ هُنا. وضَرْبُ المَثَلِ: صُنْعُهُ، مِن: ضَرَبَ اللَبَنَ وضَرَبَ الخاتَمَ و"ما" هَذِهِ إبْهامِيَّةٌ، وهي الَّتِي إذا اقْتَرَنَتْ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ أبْهَمَتْهُ إبْهامَها وزادَتْهُ عُمُومًا كَقَوْلِكَ: أعْطِنِي كِتابًا ما، تُرِيدُ: أيَّ كِتابٍ كانَ، أوْ صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النِساءُ: ١٥٥] كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا البَتَّةَ. و"بَعُوضَةً": عَطْفُ بَيانٍ لِمَثَلًا، أوْ مَفْعُولٌ لِـ "يَضْرِبُ"، و"مَثَلًا": حالٌ مِنَ النَكِرَةِ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ، أوِ انْتَصَبا مَفْعُولَيْنِ عَلى أنَّ ضَرْبَ بِمَعْنى جَعَلَ، واشْتِقاقُها مِنَ البَعْضِ -وَهُوَ القَطْعُ- كالبَضْعِ والعَضْبِ يُقالُ: بَعَضَهُ البَعُوضُ، ومِنهُ: بَعْضُ الشَيْءِ، لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنهُ. والبَعُوضُ في أصْلِهِ صِفَةٌ عَلى فَعُولٍ كالقَطُوعِ فَغُلِّبَتْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَما تَجاوَزَها، وزادَ عَلَيْها في المَعْنى الَّذِي ضَرَبَتْ فِيهِ مَثَلًا، وهُوَ: القِلَّةُ والحَقارَةُ، أوْ فَما زادَ عَلَيْها في الحَجْمِ، كَأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ رَدَّ ما اسْتَنْكَرُوهُ مِن ضَرْبِ المَثَلِ بِالذُبابِ والعَنْكَبُوتِ، لِأنَّهُما أكْبَرُ مِنَ البَعُوضَةِ. ولا يُقالُ: كَيْفَ يَضْرِبُ المَثَلَ بِما دُونَ البَعُوضَةِ، وهي النِهايَةُ في الصِغَرِ، لِأنَّ جَناحَ البَعُوضَةِ أقَلُّ مِنها وأصْغَرُ بِدَرَجاتٍ، وقَدْ ضَرَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلًا لِلدُّنْيا ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ الضَمِيرُ لِلْمَثَلِ، أوْ لِأنْ يَضْرِبَ. والحَقُّ: الثابِتُ الَّذِي لا يَسُوغُ إنْكارُهُ، يُقالُ: حَقَّ الأمْرُ، إذا ثَبَتَ ووَجَبَ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ في مَوْضِعِ النَصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ مَعْنى الحَقِّ، وذُو الحالِ الضَمِيرُ المُسْتَتِرُ فِيهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يُوقَفُ عَلَيْهِ، إذْ لَوْ وصَلَ لَصارَ ما بَعْدَهُ صِفَةً لَهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ. وفي قَوْلِهِمْ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِحْقارٌ، كَما قالَتْ عائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- في عَبْدِ اللهِ (p-٧٣)بْنِ عَمْرٍو: يا عَجَبًا لِابْنِ عُمَرٍو هَذا! مُحَقِّرَةً لَهُ. و"مَثَلًا": نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، أوْ عَلى الحالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعْرافُ: ٧٣]. و"أمّا" حَرْفٌ فِيهِ مَعْنى الشَرْطِ، ولِذا يُجابُ بِالفاءِ، وفائِدَتُهُ في الكَلامِ: أنْ يُعْطِيَهُ فَضْلَ تَوْكِيدٍ، تَقُولُ: زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَإذا قَصَدْتَ تَوْكِيدَهُ، وأنَّهُ لا مَحالَةَ ذاهِبٌ، قُلْتَ: أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ، ولِذا قالَ سِيبَوَيْهِ في تَفْسِيرِهِ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَزَيْدٌ ذاهِبٌ. وهَذا التَفْسِيرُ يُفِيدُ كَوْنَهُ تَأْكِيدًا، وأنَّهُ في مَعْنى الشَرْطِ، وفي إيرادِ الجُمْلَتَيْنِ مُصَدَّرَتَيْنِ بِهِ وإنْ لَمْ يَقُلْ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ، والَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ، إحْمادٌ عَظِيمٌ لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ، واعْتِدادٌ بَلِيغٌ بِعِلْمِهِمْ أنَّهُ الحَقُّ، ونَعْيٌ عَلى الكافِرِينَ إغْفالَهم حَظَّهُمْ، ورَمْيَهم بِالكَلِمَةِ الحَمْقاءِ. و َ"ماذا" فِيهِ وجْهانِ: أنْ يَكُونَ ذا اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، وما اسْتِفْهامًا فَيَكُونُ كَلِمَتَيْنِ، وأنْ تَكُونَ ذا مُرَكَّبَةً مَعَ ما مَجْعُولَتَيْنِ اسْمًا واحِدًا لِلِاسْتِفْهامِ، فَيَكُونُ كَلِمَةً واحِدَةً. فَما عَلى الأوَّلِ: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ذا مَعَ صِلَتِهِ، أيْ: أرادَ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وعَلى الثانِي: مَنصُوبُ المَحَلِّ بِأرادَ، والتَقْدِيرُ: أيَّ شَيْءٍ أرادَ اللهُ. والإرادَةُ مَصْدَرُ أرَدْتُ الشَيْءَ، إذا طَلَبَتْهُ نَفْسُكَ، ومالَ إلَيْهِ قَلْبُكَ، وهي عِنْدُ المُتَكَلِّمِينَ مَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَ المَفْعُولاتِ بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ، واللهُ تَعالى مَوْصُوفٌ بِالإرادَةِ عَلى الحَقِيقَةِ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ. وقالَ مُعْتَزِلَةُ بَغْدادَ: إنَّهُ تَعالى لا يُوصَفُ بِالإرادَةِ عَلى الحَقِيقَةِ. فَإذا قِيلَ: أرادَ اللهُ كَذا، فَإنْ كانَ فِعْلَهُ فَمَعْناهُ أنَّهُ فَعَلَ، وهو غَيْرُ ساهٍ ولا مُكْرَهٍ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ فِعْلَ غَيْرِهِ فَمَعْناهُ أنَّهُ أمَرَ بِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جارٍ مَجْرى التَفْسِيرِ والبَيانِ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِأمّا، وأنَّ فَرِيقَ العالِمِينَ بِأنَّهُ الحَقُّ، وفَرِيقَ الجاهِلِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ، كِلاهُما مَوْصُوفٌ بِالكَثْرَةِ، وأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مِن بابِ الهُدى، وأنَّ الجَهْلَ بِحُسْنِ مَوْرِدِهِ مِن بابِ الضَلالَةِ، وأهْلُ الهُدى كَثِيرٌ في أنْفُسِهِمْ، وإنَّما يُوصَفُونَ بِالقِلَّةِ بِالقِياسِ إلى أهْلِ الضَلالِ، ولِأنَّ القَلِيلَ مِنَ المُهْتَدِينَ كَثِيرٌ في الحَقِيقَةِ، وإنْ قَلُّوا في الصُورَةِ.

؎ إنَّ الكِرامَ كَثِيرٌ في البِلادِ وإنْ ∗∗∗ قَلُّوا كَما غَيَرُهم قَلَّ وإنْ كَثُرُوا

والإضْلالُ: خُلُقُ فِعْلِ الضَلالِ في العَبْدِ، والهِدايَةُ: خُلُقُ فِعْلِ الِاهْتِداءِ. (p-٧٤)هَذا هو الحَقِيقَةُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ، وسِياقُ الآيَةِ لِبَيانِ أنَّ ما اسْتَنْكَرَهُ الجَهَلَةُ مِنَ الكُفّارِ، واسْتَغْرَبُوهُ مِن أنْ تَكُونَ المُحَقَّراتُ مِنَ الأشْياءِ مَضْرُوبًا بِها المَثَلُ، لَيْسَ بِمَوْضِعِ الِاسْتِنْكارِ والِاسْتِغْرابِ، لِأنَّ التَمْثِيلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِن كَشْفِ المَعْنى، وإدْناءِ المُتَوَهَّمِ مِنَ المَشاهِدِ، فَإنْ كانَ المُتَمَثَّلُ لَهُ عَظِيمًا كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ حَقِيرًا كانَ المُتَمَثِّلُ بِهِ كَذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ الحَقَّ لَمّا كانَ واضِحًا جَلِيًّا تَمَثَّلَ لَهُ بِالضِياءِ والنُورِ، وأنَّ الباطِلَ لَمّا كانَ بِضِدِّ صِفَتِهِ تَمَثَّلَ لَهُ بِالظُلْمَةِ، ولَمّا كانَتْ حالُ الآلِهَةِ الَّتِي جَعَلَها الكُفّارُ أنْدادًا لِلَّهِ لا حالَ أحْقَرَ مِنها، وأقَلَّ -وَلِذَلِكَ تَجْعَلُ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ مِثْلَها في الضَعْفِ والوَهَنِ، وجُعِلَتْ أقَلَّ مِنَ الذُبابِ، وضُرِبَتْ لَها البَعُوضَةُ فالَّذِي دُونَها مَثَلًا- لَمْ يَسْتَنْكِرْ، ولَمْ يَسْتَبْدِعْ، ولَمْ يَقُلْ لِلْمُتَمَثِّلِ، اسْتَحْيِ مِن تَمْثِيلِها بِالبَعُوضَةِ، لِأنَّهُ مُصِيبٌ في تَمْثِيلِهِ، مُحِقٌّ في قَوْلِهِ، سائِقٌ لِلْمَثَلِ عَلى قَضِيَّةِ مَضْرِبِهِ، ولِبَيانِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عادَتُهُمُ الإنْصافُ والنَظَرُ في الأُمُورِ بِناظِرِ العَقْلِ، إذا سَمِعُوا بِهَذا التَمْثِيلِ عَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ، وأنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ غَلَبَهُمُ الجَهْلُ عَلى عُقُولِهِمْ إذا سَمِعُوهُ كابَرُوا، وعانَدُوا، وقَضَوْا عَلَيْهِ بِالبُطْلانِ، وقابَلُوهُ بِالإنْكارِ، وأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هُدى المُؤْمِنِينَ، وضَلالِ الفاسِقِينَ. والعَجَبُ مِنهم كَيْفَ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وما زالَ الناسُ يَضْرِبُونَ الأمْثالَ بِالبَهائِمِ، والطُيُورِ، وأحْناشِ الأرْضِ، فَقالُوا: أجْمَعُ مِن ذَرَّةٍ، وأجْرَأُ مِنَ الذُبابِ، وأسْمَعُ مِن قُرادٍ، وأضْعَفُ مِن فَراشَةٍ، وآكَلُ مِنَ السُوسِ، وأضْعَفُ مِنَ البَعُوضَةِ، وأعَزُّ مِن مُخِّ البَعُوضِ، ولَكِنْ دَيْدَنُ المَحْجُوجِ والمَبْهُوتِ أنْ يَرْضى لِفَرْطِ الحَيْرَةِ بِدَفْعِ الواضِحِ، وإنْكارِ اللائِحِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هو مَفْعُولُ يَضِلُّ، ولَيْسَ بِمَنصُوبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّ يَضِلُّ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولَهُ. والفِسْقُ: الخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ. وفي الشَرِيعَةِ: الخارِجُ عَنِ الأمْرِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ، وهو النازِلُ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، أيْ بَيْنَ مَنزِلَةِ المُؤْمِنِ والكافِرِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وسَيَمُرُّ عَلَيْكَ ما يُبْطِلُهُ إنْ شاءَ اللهُ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:22