﴿ ﴾ واخْتَبِرُوا عُقُولَهُمْ، وذُوقُوا أحْوالَهم ومَعْرِفَتَهم بِالتَصَرُّفِ قَبْلَ البُلُوغِ، فالِابْتِلاءُ عِنْدَنا: أنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَتّى تَتَبَيَّنَ حالُهُ فِيما يَجِيءُ مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إذْنِ الصَبِيِّ العاقِلِ في التِجارَةِ ﴿ ﴾ أيِ: الحُلُمُ، لِأنَّهُ يَصْلُحُ لِلنِّكاحِ عِنْدَهُ، ولِطَلَبِ ما هو مَقْصُودٌ بِهِ، وهو التَوالُدُ.
﴿ ﴾ تَبَيَّنْتُمْ ﴿﴾ هِدايَةً في التَصَرُّفاتِ، وصَلاحًا في المُعامَلاتِ،
﴿ ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ. ونَظَمَ هَذا الكَلامُ أنَّ ما بَعْدَ حَتّى إلى ﴿ ﴾ جُعِلَ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وهي "حَتّى" الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ:
؎ حَتّى ماءُ دِجْلَةَ أشْكَلُ
والواقِعَةُ بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، لِأنَّ إذا مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الشَرْطِ، وفِعْلُ الشَرْطِ: (p-٣٣٢)بَلَغُوا النِكاحَ، وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ جُمْلَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ واقِعَةٍ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، الَّذِي هو ﴿ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وابْتُلُوا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمْ دَفْعَ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُشْدِ مِنهُمْ، وتَنْكِيرُ الرُشْدِ يُفِيدُ أنَّ المُرادَ رُشْدٌ مَخْصُوصٌ، وهو الرُشْدُ في التَصَرُّفِ والتِجارَةِ، أوْ يُفِيدُ التَقْلِيلَ، أيْ: طَرَفًا مِنَ الرُشْدِ حَتّى لا يُنْتَظَرَ بِهِ تَمامُ الرُشْدِ، وهو دَلِيلٌ لَأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ في دَفْعِ المالِ عِنْدَ بُلُوغِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ﴿ ﴾ ولا تَأْكُلُوها مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهُمْ، فَإسْرافًا وبِدارًا مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ، و﴿ ﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ مَنصُوبُ المَوْضِعِ بِبِدارًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مَفْعُولًا لَهُما، أيْ: لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهم تُفَرِّطُونَ في إنْفاقِها، وتَقُولُونَ: نُنْفِقُ فِيما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى، فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا.
﴿ ﴾ قَسَّمَ الأمْرَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوَصِيُّ غَنِيًّا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فالغَنِيُّ يَسْتَعْفِفُ مِن أكْلِها، أيْ: يَحْتَرِزُ مِن أكْلِ مالِ اليَتِيمِ، واسْتَعَفَّ أبْلَغُ مَن عَفَّ، كَأنَّهُ طالِبٌ زِيادَةَ العِفَّةِ، والفَقِيرُ يَأْكُلُ قُوتًا مُقَدَّرًا مُحْتاطًا في أكْلِهِ، عَنْ إبْراهِيمَ: ما سَدَّ الجَوْعَةَ، ووارى العَوْرَةَ،
﴿ ﴾ بِأنَّهم تَسَلَّمُوها وقَبَضُوها دَفْعًا لِلتَّجاحُدِ، وتَفادِيًا عَنْ تَوَجُّهِ اليَمِينِ عَلَيْكم عِنْدَ التَخاصُمِ، والتَناكُرِ ﴿ ﴾ مُحاسِبًا، فَعَلَيْكم بِالتَصادُقِ، وإيّاكم والتَكاذُبَ، أوْ هو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ أيْ: ولا يُسْرِفْ، فَإنَّ اللهَ يُحاسِبُهُ عَلَيْهِ، ويُجازِيهِ بِهِ، وفاعِلُ كَفى: لَفْظَةُ اللهِ، والباءُ زائِدَةٌ. و"كَفى" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، دَلِيلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ [البَقَرَةُ: ١٣٧].