All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Qāriʿah 101:11 Juzʾ 30 Page 600

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ قَسَّمَ النّاسَ فِيهِ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ واعْلَمْ أنَّ في المَوازِينِ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ مَوْزُونٍ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ قالَ: ونَظِيرُهُ يُقالُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ بِمِيزانِ دِرْهَمِكَ ووَزْنِ دِرْهَمِكَ ودارِي بِمِيزانِ دارِكَ ووَزْنِ دارِكَ أيْ بِحِذائِها.

والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ مِيزانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المِيزانُ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ فَيُؤْتى بِحَسَناتِ المُطِيعِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَإذا رَجَحَ فالجَنَّةُ لَهُ، ويُؤْتى بِسَيِّئاتِ الكافِرِ في أقْبَحِ صُورَةٍ فَيَخِفُّ وزْنُهُ فَيَدْخُلُ النّارَ. وقالَ الحَسَنُ في المِيزانِ: لَهُ كِفَّتانِ ولا يُوصَفُ، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّ نَفْسَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لا يَصِحُّ وزْنُهُما، خُصُوصًا وقَدِ انْقَضَيا، بَلِ المُرادُ أنَّ الصُّحُفَ المَكْتُوبَ فِيها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تُوزَنُ، أوْ يُجْعَلُ النُّورُ عَلامَةَ الحَسَناتِ والظُّلْمَةُ عَلامَةَ السَّيِّئاتِ، أوْ تُصَوَّرُ صَحِيفَةُ الحَسَناتِ بِالصُّورَةِ الحَسَنَةِ وصَحِيفَةُ السَّيِّئاتِ بِالصُّورَةِ القَبِيحَةِ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ الثِّقَلُ والخِفَّةُ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في ذَلِكَ ظُهُورَ حالِ صاحِبِ الحَسَناتِ في الجَمْعِ العَظِيمِ فَيَزْدادُ سُرُورًا، وظُهُورَ حالِ صاحِبِ السَّيِّئاتِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالفَضِيحَةِ لَهُ عِنْدَ الخَلائِقِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالعِيشَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَيْشِ، كالخِيفَةِ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأمّا الرّاضِيَةُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيْ: عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا يَرْضاها صاحِبُها وهي كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ، وتامِرٌ بِمَعْنى: ذُو لَبَنٍ وذُو تَمْرٍ، ولِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: تَفْسِيرُها: مَرْضِيَّةٌ عَلى مَعْنى يَرْضاها صاحِبُها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ قَلَّتْ حَسَناتُهُ فَرَجَحَتِ السَّيِّئاتُ عَلى الحَسَناتِ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما ثَقُلَتْ مَوازِينُ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الحَقَّ في الدُّنْيا وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ لا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الحَقُّ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وإنَّما خَفَّتْ مَوازِينُ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ بِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ في الدُّنْيا وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وحُقَّ لِمِيزانٍ يُوضَعُ فِيهِ الباطِلُ أنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ ثَقِيلٌ والباطِلَ خَفِيفٌ.
‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الهاوِيَةَ مِن أسْماءِ النّارِ وكَأنَّها النّارُ العَمِيقَةُ يَهْوِي أهْلُ النّارِ فِيها مَهْوًى بَعِيدًا، والمَعْنى فَمَأْواهُ النّارُ، وقِيلَ لِلْمَأْوى ”أُمٌّ“ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالأُمِّ الَّتِي لا يَقَعُ الفَزَعُ مِنَ الوَلَدِ إلّا إلَيْها.

وثانِيها: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في النّارِ ذَكَرَهُ الأخْفَشُ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ قالَ: لِأنَّهم يَهْوُونَ في النّارِ عَلى رُءُوسِهِمْ.

وثالِثُها: أنَّهم إذا دَعَوْا عَلى الرَّجُلِ بِالهَلاكِ قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ؛ لِأنَّهُ إذا هَوى أيْ: سَقَطَ وهَلَكَ فَقَدْ هَوَتْ أُمُّهُ حُزْنًا وثُكْلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَقَدْ هَلَكَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”هِيَهْ“ ضَمِيرُ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ:
‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في التَّفْسِيرِ الثّالِثِ: أوْ ضَمِيرُ ”هاوِيَةٌ“ والهاءُ لِلسَّكْتِ فَإذا وصَلَ جازَ حَذْفُها، والِاخْتِيارُ الوَقْفُ بِالهاءِ لِاتِّباعِ المُصْحَفِ والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذِهِ الهاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٩٠]، ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الحاقة: ٢٨].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّ سائِرَ النِّيرانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ حامِيَةً، وهَذا القَدْرُ كافٍ في التَّنْبِيهِ عَلى قُوَّةِ سُخُونَتِها، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها ومِن جَمِيعِ أنْواعِ العَذابِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ وحُسْنَ المَآبِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٩٤]