All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Ḥujurāt 49:17 Juzʾ 26 Page 517

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏.
إرْشادًا لِلْأعْرابِ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا إلى حَقِيقَةِ الإيمانِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ فالمُؤْمِنُونَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، يَعْنِي أيْقَنُوا بِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي في الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آمَنُوا، ثُمَّ أقُولُ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ يَرْتابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّراخِي في الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا فِيما قالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيْ أيْقَنُوا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا، فَجاهَدُوا طالِبِينَ العُقْبى، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ في إيمانِهِمْ، لا الأعْرابُ الَّذِينَ قالُوا قَوْلًا ولَمْ يُخْلِصُوا عَمَلًا.
‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏.

فَإنَّهُ عالِمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وأنْتُمْ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا لا لِلَّهِ، فَلا يَقْبَلُ مِنكم ذَلِكَ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏.

يُقَرِّرُ ذَلِكَ ويُبَيِّنُ أنَّ إسْلامَهم لِمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وفِيهِ لَطائِفُ: الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ زِيادَةُ بَيانٍ لِقَبِيحِ فِعْلِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ لَهُ شَرَفانِ، أحَدُهُما: بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الشِّرْكِ وتَوْحِيدُهُ في العَظَمَةِ، وثانِيهِما: بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يُنَزِّهُ النَّفْسَ عَنِ الجَهْلِ ويُزَيِّنُها بِالحَقِّ والصِّدْقِ، فَهم لا يَطْلُبُونَ بِإسْلامِهِمْ جانِبَ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُونَ شَرَفَ أنْفُسِهِمْ بَلْ مَنُّوا، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ فِيهِ شَرَفَهم لَما مَنُّوا بِهِ بَلْ شَكَرُوا.

اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ الَّذِي عِنْدَكم إسْلامٌ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لِئَلّا يَكُونَ تَصْدِيقًا لَهم في الإسْلامِ أيْضًا كَما لَمْ يَصْدُقُوا في الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَصْدُقُوا في إسْلامِهِمْ، والإسْلامُ هو الِانْقِيادُ، وقَدْ وُجِدَ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا وإنْ لَمْ يُوجَدِ اعْتِقادًا وعِلْمًا، وذَلِكَ القَدْرُ كافٍ في صِدْقِهِمْ؟ نَقُولُ: التَّكْذِيبُ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ لا يُوجَدَ نَفْسُ المُخْبَرِ عَنْهُ.

وثانِيهِما: أنْ لا يُوجَدَ كَما أخْبَرَ في نَفْسِهِ فَقَدْ يَقُولُ: ما جِئْتَنا بَلْ جاءَتْ بِكَ الحاجَّةُ، فاللَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في قَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ ما آمَنتُمْ أصْلًا، ولَمْ يَصْدُقُوا في الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَإنَّهُمُ انْقادُوا لِلْحاجَةِ وأخْذِ الصَّدَقَةِ.

اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي لا مِنَّةَ لَكم، ومَعَ ذَلِكَ لا تُسْلِمُونَ رَأْسًا بِرَأْسٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَكم عَلَيْنا ولا لَنا عَلَيْكم مِنَّةٌ، بَلِ المِنَّةُ عَلَيْكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حُسْنُ أدَبٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بَلْ لِيَ المِنَّةُ عَلَيْكم حَيْثُ بَيَّنَتْ لَكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، ثُمَّ في مُقابَلَةِ هَذا الأدَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٥٢].

اللَّطِيفَةُ الرّابِعَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ أسْلَمْتُمْ بَلْ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ إسْلامَهم كانَ ضَلالًا حَيْثُ كانَ نِفاقًا فَما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا؟ نَقُولُ:
الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ رَزَقَكُمُ الإيمانَ، بَلْ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وإرْسالُ الرُّسُلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ هِدايَةٌ.

ثانِيها: هو أنَّهُ تَعالى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِما زَعَمُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ قُلْتُمْ آمَنّا، فَذَلِكَ نِعْمَةٌ في حَقِّكم، حَيْثُ تَخَلَّصْتُمْ مِنَ النّارِ، فَقالَ: هُداكم في زَعْمِكم.

ثالِثُها: وهو الأصَحُّ، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرْطًا فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏.